مكان النشر: مجلة الراصد
تاريخ النشر: العدد الرابع والأربعون - صفر 1428هـ
بقلم: علي حسين باكير

هذه محاولة فردية متواضعة لتأطير جهود كل من يرى في التصرفات و السياسات الايرانية المتّبعة حاليا في المنطقة العربية خطرا يكتنف ساحتنا, و مشروعا للهيمنة علينا و تقسيمنا و تفتيتنا شانه في ذلك شأن المشاريع الأمريكية و الصهيونية, يتّفق معهم في جوهره و يكون مكمّلا لهم و لا يختلف عنهم الاّ في حدود الأدوات و الوسائل المستخدمة.
و لكن و قبل الخوض في البنود الاساسية الموجهة بطبيعة الحال لكل من يرى انّه يستطيع الاستفادة منها ( من اعلاميين و مواقع اعلامية, جمهور و جمعيات أهلية, و جماعات ضغط شعبية, كتّاب و غيرهم) في مواجهة المشروع الايراني للمنطقة, يجب علينا التأكيد على عدد من النقاط الأساسية التي تكون محورا ثابتا راسخا في ذهنا خلال اتّباع الخطوط العامة للسياسة التي تحدّدها هذه الورقة في مواجهة المشروع الايراني في الوطن العربي و الذي يطال الشعوب بالدرجة الأولى و منها:
1- الحفاظ على وحدة و تماسك النسيج الداخلي للدولة و الشعب في الوطن العربي و عدم السماح بتفتيت المجتمع او اختراقه و العمل على جمع مكوناته و تثبيتها على قاعدة قابلية الاندماج في الدولة العربية و ليس على قاعدة التفريق و الولاءات المتعددة, و عدم الخضوع لمبدأ تصدير الفتن الذي تقوم به ايران و غيرها من الدول الغربية. فالاستقرار الداخلي و الاجتماعي ضمن الاطار الطاغي لهوية المنطقة العربية الاسلامية شرط أساسي في نجاح تطبيق سياسة مواجهة المشروع الايراني التفتيتي, و لذلك يجب ان نشير هنا ايضا الى انّ تطبيق كل ما سيأتي من بنود في هذه الورقة يساعد في لجم المشروع الايراني و لكنه لا يلغيه, فعملية الالغاء سواء للمشروع الايراني او الاسرائيلي يستلزمها وجود مشروع عربي لديه الحد الأدنى من مقومات الصمود و هو ما يجب التحضير له جدّيا.
2-ضرورة مواجهة الدعاية التي تقوم ايران بترويجها حاليا من انّ كل من يريد صدّ مشروعها فهو مع المشروع الأمريكي او الصهيوني!! فهذا فخ تريد ايران ان توقعنا فيه من خلال الايحاء بانّ كل من يناهض مشروعها يقف في مركب واحد. لكنّ الحقيقة هي انّ المشروع الايراني هو نفس المشروع الامريكي و الاسرائيلي للمنطقة بل انّ هذه المشاريع متكاملة فيما بينها و أي خلاف يظهر فيما بينها يكون على حجم الحصّة فقط.
3-يجب ان نعلم انّ ايران ستعمد الى تنفيس الاحتقان ضدّها كلما اضطرت الى ذلك, لكن هذا لا يعني انّها تراجعت عن مشروعها فهناك فرق كبير جدا بين تغيير الهدف و تغيير الأسلوب, و ما تقوم به ايران دائما هو تغيير الاسلوب و التكتيك و بقاء الهدف و الاستراتيجية. لذلك سنجد انّها ستطلق شعارات عن انّ من يريد مواجهة مشروعها يريد الفتنة و التقسيم و سنسمع من وقت لآخر عن دندنة حول الوحدة الاسلامية و الحوار و التعايش و التسامح و مصطلحات من هذا القبيل. يجب ان نوقن انّها مجرّد مناورة ايرانية كما أثبتت الوقائع, ذلك انّ التشيع "الصفوي" الذي يطعن في كل السنّة -و في الشيعة المخالفين له أيضا- لا يمكنه ان يكون عامل توحيد او تفاهم, و لا يمكن تقبّل التشيع "الصفوي" القائم على القومية الفارسية و على تحريف صحيح الدين و على الخرافات و احتقار العرب و سبّ و اهانة و طعن جيل كامل من الصحابة و تاريخ كامل للدولة الاسلامية. و لا يمكن أيضا تقبّل الحجّة المكرورة من انّ اسرائيل دائما و حصريا -و ليس ايران- هي من يقف وراء و خلف كل ذلك, -اللهم الاّ اذا كانت اسرائيل تخترق الأجهزة الدينية و المؤساسات الايرانية الرسمية و تقوم بنشر هذه الفتن و هذا التشيع الصفوي-. يجب ان نعلم ان هكذا مناورات ايرانية باتت قديمة و يجب التنبه لها دائما, فهناك حقائق لا يمكن لايران انكارها في هذا المجال.
امّا فيما يتعلّق بالبنود العملية فهي:
البند الأول: التركيز على انّ مواجهة المشروع الايراني لا تعني تناسي او تجاهل مواجهة المشاريع الأخرى الموازية او المكمّلة للمشروع الايراني-الصفوي و أهمها المشروع الصهيوني. اذ سنجد انّ الصهاينة قد يتدخلون في أجندة محاربة المشروع الايراني- الصفوي, و ذلك لخلق صورة وهمية عن أنّ الجميع في خندق واحد ضدّ ايران, و بالتالي يستفيدون من جهودنا في مواجهة المشروع الايراني, و هو نفس الاسلوب الذي اتّبعته ايران سابقا. اذ استطاعت انّ تخلق صورة وهمية عن عدائها لاسرائيل و امريكا للاستفادة من جهودنا, فبينما كنّا نحارب هذا المشروع الأمريكي و الاسرائيلي في أفغانستان و العراق و لبنان, كانت هي تقطف ثمار المواجهة و تترجمها مطالب من امريكا و اسرائيل. لذلك فالوضع هنا يقتضي مقاربة ثنائية و حرب ثنائية على جبهيتن, و لا مانع من تخصيص فئات معيّنة لمواجهة كل جهة, او اعتماد اسلوب آخر يقوم على توضيح تعقيدات هذه النقطة للعامة لاسيما فيما بتعلق بأنّ مواجهة أحد هذه المشاريع على انفراد لا يعني اهمال المشروع الآخر او مساندته او التحالف معه, و هذا ما يتطلب جهدا اعلاميا و عمليا كبيرا.
البند الثاني: الحرص على عدم جمع الشيعة في سلّة واحدة. اذ ظهرت في الآونة الأخيرة حالة تململ من المشروع الايراني في بعض اوساط الشيعة العرب الغير مواليين "للولي الفقيه" بالتحديد –هناك شيعة عرب موالين للولي الفقيه - و ذلك لاسباب عديدة مختلفة منها:
1- الاستعلاء القومي: اذ يرى بعض الشيعة العرب انّ "ولاية الفقيه" تمثّل البعد القومي الفارسي الاستعلائي, و انّ المشروع الايراني في هذا الاطار سيجعل من المراجع الشيعية العربية الكبرى مجرّد "خدم" للمنظومة الدينية الايرانية المتمثّلة بالتشيّع "الصفوي" –راجع في هذا المجال كتاب "علي شريعتي" التشيع العلوي و التشيع الصفوي-. و حتى انّ ايران لم تكتف بالتشيع "الصفوي", فاخترقت المرجعية العربية من خلال تنصيب ايرانيين عليها يدّعون عدم موافقتهم على مبدأ الولي الفقيه لكنهم ينفذون اجندة ايران السياسية و الطائفية و المصلحية بامتياز, و آية الله الايراني السيستاني مثال صريح و واضح على ذلك.
2- تضارب المصالح: اذ لا بدّ لنا ان نأخذ بعين الاعتبار وجود حد معين من تضارب المصالح فيما يتعلّق بمدرسة المرجعيّة, اذ انّ ايران تسعى الى نقل الثقل الاساسي من مدرسة النجف التاريخية الى مدرسة "قم" ما يكرّس ايران كمرجع اساسي لشيعة العالم من الناحية الفقهيّة و المذهبيّة و السياسية, مع ما يترافق من تضارب في المصالح السياسية و الاقتصادية و المالية المتعلّقة في الخمس و غيره.
في هذا الاطار, يجب علينا ان لا نهمل كل هذه التناقضات بغض النظر عن اسبابها و طبيعتها و بغض النظر أيضا عن موقفنا من المخالفين و المنشقّين عن المشروع الايراني. صحيح اننا كنّا نتكلم عن جميع الشيعة "المتدينين" في المرحلة السابقة على انّهم واحد لا اختلاف فيه, و قد كان ذلك صائبا في حينه , ذلك انّهم لم يكونوا قد اختلفوا فيما بينهم, و لم يكن المشروع "الصفوي" واضحا بمثل هذه القوّة بالنسبة اليهم و ما كان الآخرون يروون فيه الاّ تمثيلا و حماية للتشيّع, امّا و قد حصلت انشقاقات الآن و بات البعض يرى فيه خطرا –عليهم قبل أي احد-, فقد بات من الأهمية بمكان عدم دفع هؤلاء للالتحاق قسرا بالمشروع الايراني عبر النظر اليهم بعين واحدة او اهمالهم, فهم يعلمون انّ ايران لا تبالي بهم و انما تريدهم مجرّد اداة لتنفيذ مآربها و لا تأبه لهم و لا لمقدساتهم و لنا عبرة في دك الأمريكيين للنجف و مقابرهم المقدسة دون ان يبدي الايرانيون أي ردّة فعل على ذلك. و عليه ينبغي ان نحرص على هذه الفئة و ان نتيح لها قدرا من الدعم و التبني في مواجهة الآخرين على ان تتمحور علاقتهم معنا على ثلاث عناصر اساسية:
1- ضرورة أن يكونوا معارضين للمشروع الايراني بشكل صريح و واضح لا لبس فيه.
2- ضرورة ان لا يكونوا مع المشروع الأمريكي كبديل.
3- ضرورة ان يكونوا ممن يؤمن بالاندماج بالعمق العربي كنواة للوحدة الاسلامية المنشودة.
و يتواجد عدد لا بأس به ممن تنطبق عليهم هذه العناصر على الساحة الآن و في خضم الأحداث خاصّة في كل من لبنان و العراق. و يتعرض هؤلاء لضغط كبير مادي و نفسي و اعلامي و مالي و لحملات تشويه و تأليب الرأي العام "الشيعي" عليهم و لفتاوى اهدار دم و تخوين و عمالة, و كل ذنبهم انّهم لا يوافقون على المشروع الايراني الاختراقي و أهمهم:
1- في لبنان
المزيد