المصدر: فصلية العلوم السياسية, الصادرة عن أكاديمية العلوم السياسيّة, نيويرك, المجلّد 117, رقم 4, شتاء عام 2002-2003
الكاتب: جوزيف ناي
ترجمة: علي حسين باكير
لم تستطع امّة فرض سيطرتها و الهيمنة على الآخرين كلّيا منذ ان فعل الرّومان ذلك باستثناء الولايات المتّحدة, و كما قالت - الايكونوميست- "فانّ الولايات المتّحدة تعيد تركيب العالم كما تريد, فهي تسيطر على قطاع الأعمال و التجارة و الاتصالات, و اقتصادها من انجح الاقتصاديات في العالم و هي الأقوى و الأفضل عالميا من حيث القوّة العسكريّة"(1).
هذا و قد ذكر وزير الخارجيّة الفرنسيّة "هوبير فيدرين" في عام 1999 انّ الولايات المتّحدة قد تخطّت مرحلة القوّة العظمى في القرن العشرين الى أكثر من ذلك "فالهيمنة الأمريكيّة امتدّت الى كافّة النواحي الاقتصاديّة و الماليّة و العسكريّة العالميّة لتطال طرق الحياة و اللغة و النتاج الفكري و الثقافي للآخرين لتعيد تشكيل الأفكار و تسحر حتّى أعداءها"(2).
" فالنظام الدولي اليوم لم يعد يقوم على توازن القوى كما كان عليه الأمر سابقا و انّما اصبح نظام القطب الواحد و الهيمنة الأمريكية"(3), حيث زاد الاعتماد العالمي عليها ممّا دفع بالكثيرين للقول انّ العولمة في هذا العصر ما هي الاّ امبرياليّة أمريكيّة متنكّرة بأشكال عديدة, فالعولمة بحسب المجلّة الألمانية "داشبيغل" ترتدي ملصق " صنع في الولايات المتّحدة الأمريكيّة"(4).
لا شكّ باّنّ الولايات المتّحدة اليوم هي القوّة رقم واحد في العالم, لكن الى متى تستطيع الاستمرار بذلك و الحفاظ على مرتبتها و قوّتها ؟ ماذا يجب علينا ان نفعل بهذه القوّة ؟
يقول بعض المثقّفين و الباحثين انّ هذه الأحادية القطبيّة و القوّة الأمريكية و الهيمنة الواسعة ما هي في حقيقة الأمر الاّ نتيجة سقوط الاتّحاد السوفيتي السابق, و عليه فانّ "مرحلة الأحادية القطبيّة" ستكون مؤقّتة و قصيرة(5), و لذلك فانّ على الولايات المتّحدة ان تستخدم القوّة و الهيمنة على العالم بشكل انتقائي. هذا بينما يرى آخرون انّ الولايات المتّحدة تمتلك من القوّة ما يمكّنها من الهيمنة و السيطرة على العالم لعدّة عقود مقبلة و الآحاديّة القطبيّة ستمتد من فترة مؤقّتة الى عصر او حقبة كاملة.(6) فقد ذكر تشارلز كروثامير في بداية ال 2001 انّه و بعد مرور عقد على انهيار الاتّحاد السوفيتي, يجب على الولايات المتّحدة ان تدشّن الحقبة الحقيقة في سياستها الخارجية لما بعد الحرب الباردة بحيث يجب على الادارة ان تعيد اوّلا تأكيد مفهوم الحرّية الأمريكي و ان ترفض لعب دور المواطن الدولي السلس في ظل التفرّد الدولي و الآحاديّة القطبيّة .(7)
هذا و قد كان كل من المحافظين و الليبيراليين حتى قبل أيلول من عام 2001 يعتقدون انّهم واقعيين و انّ قانون الطبيعة في السياسة الدوليّة يفترض و في حال اصبحت امّة قوية جدّا دفع الآخرين الى التكتّل و التوحّد ضدّها لاعادة التوازن في القوى, و " بنظرهم فالتفوّق الأمريكي الحالي هو تفوّق عابر"(8) و هو الأمر الذي قد يدفع البعض للقيام بتحالفات استراتيجية مستقبلية مثل محور روسيا, الصين و الهند في محاولة للتخفيف ممّا يبدو انّه عالم الأحاديّة القطبيّة الخطيرة(9), و الأمر نفسه دفع الرئيس الفنزولي هوجو شافيز و خلال مؤتمر للدول المنتجة للنفط الى القول: " انّ العالم في القرن الواحد و العشرين يجب أن يكون عالما متعدد الأقطاب" حيث اضاف: " على جميع الدول العمل من اجل الوصول الى ذلك "(10).
و حتى المصادر الصديقة كمجلّة "الايكونوميست" توافق على انّ "عالم القوّة الخارقة الواحدة لن يدوم. و انّ الصين (مليار و النصف نسمة) خلال العقدين القادمين ستكون صاحبة اقتصاد قوي و متطوّر و تتمتع بنظام سياسي و سلطة مستقرّة و بالتالي ستسعى للاهتمام بمصالحها الخاصّة, و ستحاول روسيا -يلستن- السابقة عاجلا ام آجلا لملمة نفسها لتعود الى التأثير في الساحة الدولية من جديد"(11) .
و من وجهة نظري, و على الرغم من تصاعد الارهاب الاّ انّ التفوق الامريكي سيدوم الى نهاية القرن الحالي لكن فقط اذا عرفت الولايات المتّحدة كيف تستعمل القوة بحكمة . و على الرغم من انّ توقّع نهوض و سقوط الأمم هو امر في غاية الصعوبة الاّ انّ الناشر الكبير هنري لوس ادّعى و بجرأة في عام 1941 انّ القرن هو القرن الأمريكي. و في الثمانينات ابّان حرب فيتنام و التباطؤ الاقتصادي و الانكماش الحاصل اعتقد الكثير من المحلّلين انّ رؤية هنري قد جرت مجراه, عندها تساءل الاقتصادي ليستر ثورو في عام 1985 " لماذا صمدت روما 1000سنة كجمهورية و امبراطورية بينما بدأنا نحن بالانحدار بعد 50 عاما فقط"(12). "لقد أظهرت الاستفتاءات أنّ نصف الجمهور وافق على أنّ الأمّة كانت تنكمش في القوّة و السمعة"(13).
في القرن الثامن عشر و عندما فقدت بريطانيا مستعمراتها الأمريكية رثا هوراس والبول بريطايا آنذاك واصفا ايّاها بأنّها أصبحت مجرّد جزيرة صغيرة بائسة ليس لها اهمّية كسردينيا و الدنمارك(14), و نلاحظ هنا انّ توقّع هوراس كان مصطبغا بالتجارة الاستعمارية و المستعمرات, ففشل في أن يرى أنّ الثورة الصناعيّة التي جاءت بعد ذلك قد منحت بريطانيا موقعا اسمى. و هذا هو وجه التشابه مع اولئك الذين شكّكوا بقول هنري, فقد فشلوا في أن يروا حينها انّ الولايات المتّحدة أصبحت قائدة للثورة المعلوماتية العالمية.(15)
لكن من جهة اخرى, نستطيع ان نقول ان لا شيئ يدوم الى الأبد في عالم السياسة. منذ قرن خلى, كانت العولمة الاقتصادية تقوم على بعض المعايير نفسها التي تقوم عليها اليوم, و النظام المالي العالمي وقتها كان يستند الى الذهب, و الهجرة كانت في مستويات مرتفعة و التجارة كانت تتصاعد و بريطانيا حينها كانت الامبراطورية التي لا تغيب الشمس عنها, و لا بدّ انّ الباحثين السياسيين و الاقتصاديين في عام 1900 كانوا بلا شك يصفون و يرون القرن العشرين بأنّه استمرار للتنافس الامبراطوري في ظل الهيمنة الاوروبيّة على العالم مع استمرار سيطرة الأوروبين على مستعمراتهم في آسيا و أفريقيا و نشوء حكومات دستوريّة صلبة و مستقرّة في اوروبا و لا شكّ انّهم كانوا يرون ايضا ازدهارا متناميا و تطوّرا علميا و معرفيّا نافعا للبشريّة ….الخ. لكنّ كلّهم كانوا على خطأ(16), فما حصل لاحقا كان عكس ذلك, فقد اندلعت حربان عالميّتان و انتشر الاستبداد الفاشي و الشيوعي و انتهت الامبراطوريّات الأوروبيّة و انتهت اوروبا حينها كمصدر للقوّة العالمية و تراجعت العولمة الاقتصاديّة كثيرا لدرجة انّها احتاجت للوصول الى السبعينات لكي تساوي ما كانت عليه في عام 1914. و هذا ما يمكن ان يحدث مرّة أخرى في المستقبل.
هل بامكاننا ان نقوم باداء أفضل عند دخولنا القرن الوحد و العشرين؟
انّ ممارسة اليوغا المشكوك فيها, تحذّرنا دائما بأن لا نتنبّأ, خاصّة فيما يتعلّق بالمستقبل, و مع ذلك فلا خيار أمامنا, فتوقّع المستقبل شرط ضروري من أجل تنظيم اعمالنا. فعلى الصعيد الوطني, نحن بحاجة الى مثل هذه التوقّعات او الصور الذهنيّة و ذلك من أجل توجيهنا على الصعيد السياسي و اخبارنا بطريقة استخدام قوّتنا التي لم يسبق لها مثيل. طبعا ليس هناك من مستقبل واحد , هناك العديد من الصور المستقبلية المتعدّدة لذلك فنوعيّة سياستنا الخارجيّة المتّبعة باستطاعتها ان ترسم بعض الصور المستقبلية المحتملة أكثر من غيرها. فعندما تتورّط الأنظمة في مشاكل و ردود معقّدة من الممكن حينها ان تحدث الأسباب الصغيرة تأثيرات كبيرة و عندما يتدخّل النّاس فانّ ردّة فعل الإنسان على التوقّع نفسه من الممكن ان تجعله يفشل في أن يتحقّق و بالتالي فانّ التوقّع لن يصبح حقيقيا ابدا.
في هذا السياق نحن كبشر لا يمكننا ان نأمل بتوقّع المستقبل, و لكن يمكننا ان نرسم صورنا الخاصّة به بدقّة لنتجنّب بعض الأخطاء الشائعة التي مررنا بها.(17) فلو كان قد تمّ تقديم تحليل حذر للقوّة الأمريكيّة من عشر سنوات خلت لكان ذلك أنقذنا من التصوّرات الخاطئة عن الانحدار الأمريكي. و على الرغم من وجود توقّعات أكثر دقّة حول كوارث الإرهاب مؤخّرا, الاّ انّ ذلك فشل في تجنيبنا مأساة دفعت البعض من جديد للتنبأ بانهيارنا, لذلك من المهم جدّا ان نتفادى أخطاء الانتصار و الانحدار او الانحطاط.
فالانحدار او الانحطاط يميل إلى إنتاج و توليد سلوك حذر جدّا قد يؤدّي الى الإحباط من تحقيق انتصار جديد و يؤدي بالتالي الى فقدان خطير لضبط النفس بالإضافة الى إظهار الغرور و العجرفة. لذلك, فالتحليل الأكثر حذرا يساعد الولايات المتّحدة على اتّخاذا قرارات أفضل لحماية مواطنيها و إعلاء قيمهم و قيادة العالم لمستقبل افضل خلال العقود القليلة القادمة.
لذلك سأبدأ تحليلي هذا باستعراض و فحص مصادر القوّة الأمريكيّة.
مصادر القوّة الأمريكيّة
بدأنا نسمع كثيرا في السنوات الأخيرة عن مدى حجم القوّة التي بلغتها الولايات المتّحدة, لكن ماذا نعني بالقوّة؟ القوّة بكل بساطة هي القدرة على التأثير على النتائج لكي تكون كما تريدها, و اذا كان ضروريا لتغيير تصرّف الآخرين لجعل ذلك يحدث. على سبيل المثال, نجحت قوّة الناتو (حلف شمال الأطلسي) العسكرية في إيقاف عمليات التطهير العرقي التي قام بها ميلوزوفيتش في كوسوفو, و استطاعت الوعود بتقديم المعونات الاقتصادية الى اقتصاد صربيا المدمّر أن تساعد حكومة صربيا و تغريها لتسليم ميلوزوفيتش لمحكمة لاهاي.
انّ قدرة الحصول على النتائج التي نريدها غالبا ما تكون مربوطة بامتلاكنا لموارد معيّنة, و من هنا نستطيع أن نعرّف و بشكل مباشر القوّة بأنّها امتلاك أكبر قدر ممكن من هذه الموارد أو العناصر: كالسكان, أو الموارد الطبيعيّة, الاقتصاد القوي, القوات العسكريّة, الاستقرار السياسي. فالقوّة بهذا المعنى تعني ان تمتلك اعلى الأوراق في لعبة بوكر دولية. و بطبيعة الحال اذا لعبت و انت تمتلك أوراقا ليست عالية فمن الممكن أن تخسر أو أن لا تحقق النتيجة التي كنت تصبو اليها على الأقل. على سبيل المثال فالولايات المتّحدة الامريكيّة كانت أكبر قوة بعد الحرب العالمية الأولى و مع ذلك فقد فشلت في منع ظهور هتلر أو حدوث بيرل هاربر. لذلك فان تحويل مصادر القوّة الأمريكيّة الى قوّة حقيقية يتطلّب سياسة مخطّط لها جيدا و قيادة محترفة و ماهرة.
تقليديّا, اختبار القوّة العظمى كان "قدرتها على خوض حرب"(18). فالحرب كانت اللعبة القصوى و التي من خلالها يتم استعراض كافّة أوراق السياسة الدولية و تأكيد تخمينات القوة النسبية للآخرين. و على العموم فقد تطوّرت و تغيّرت مصادر و عناصر القوّة مع مرور القرون و التطوّر التكنولوجي, ففي المجتمعات الزراعيّة الاوروبيّة التي سادت في القرن السابع عشر و الثامن عشر, كان العنصر السّكّاني مصدر قوّة لأنّه كان بمثابة قاعدة لتأمين المال للضرائب و للمتطوّعين المشاة (و الذين كانوا بمعظمهم من المرتزقة), فهذه التركيبة أو المعادلة من الرجال و المال أعطى قوّة دفع لفرنسا آنذاك. لكن في القرن التاسع عشر, و مع تصاعد أهمّية الصناعة كانت بريطانيا ( و التي حكمت الامواج بقوّة بحرية لم يكن لها مثيل) أوّل المنتفعين, ثمّ تلتها المانيا التي استخدمت الادارة الكفوءة حيث استغلّت أيضا سكك الحديد لنقل الجيوش من أجل تحقيق انتصارات سريعة في القارة مع العلم أنّ روسيا حينها كانت الأكثر سكّانا و قوّة عسكريّة. و في أواسط القرن العشرين, و مع حلول العصر النووي, لم تمتلك الولايات المتّحدة و الاتّحاد السوفيتي القوّة الاقتصاديّة فقط بل أصبحت تمتلك الترسانات النووية و القذائف و الصواريخ العابرة للقارّات.
اليوم مأسسة القوّة أصبحت تبتعد شيئا فشيئا عن مفهوم تأكيد القوّة بالقوّات المسلّحة أو الغزو. و للمفارقة فانّ الأسلحة النووية كانت واحدة من الأسباب التي دفعت الى ذلك. فكما نعرف من تاريخ الحرب الباردة فقد أثبتت الأسلحة النووية أنّها مرعبة جدّا و مدمّرة أيضا لدرجة انّ استعمالها سيكون مكلفا جدّا و كارثيا, لذلك فانّ استعمالها يكون نظريّا و في الحالات القصوى فقط.(19)
التغيير الثاني المهم الذي حصل هو صعود القوميّات, و هو الأمر الذي صعّب مهمّة الامبراطوريات في حكم شعوب يقظة. في القرن التاسع قام بضعة مغامرون مع حفنة من الجنود باحتلال معظم أفريقيا في حين قامت بريطانيا أيضا بحكم الهند بواسطة قوّة استعماريّة تتألّف من عدد صغير من السّكان الأصليين, امّا اليوم فانّ الحكم الاستعماري ليس مدانا بشكل واسع فقط و انما مكلف جدّا أيضا كما اكتشفت القوتين العظمتين خلال الحرب الباردة في فيتنام و أفغانستان, فجاء انهيار الامبراطوريّة السوفيتيّة بعد انتهاء الامبراطوريات الأوروبيّة بعدّة عقود فقط.
السببب الثالث المهم أيضا هو التغير الاجتماعي الحاصل داخل القوى الكبرى. فالمجتمعات (ما بعد الزراعيّة ) تركّز على الرفاه و الرخاء أكثر من تركيزها على المجد و العظمة, لذلك تراهم يشمئزّون من العدد العالي و المرتفع للضحايا الاّ اذا كان حقّهم في النجاة أو البقاء في خطر. و هذا لا يعني انّهم لن يستعملوا القوّة حتى و لو كانوا يتوقعون سقوط عدد كبير و مرتفع من الضحايا, و الشاهد على ذلك حرب الخليج عام 1991 أو ما يحصل في أفغانستان اليوم. لكن غياب مبدأ (خلق) المحارب في الديمقراطيّات الحديثة, يعني أنّ استخدام القوّة يحتاج الى تبرير أخلاقي متقن و قوي لضمان الحصول على دعم شعبي و موافقة ( الاّ في الحالات التي يكون فيها حق البقاء في خطر أو مهدد بالضياع ). هذا و نستطيع أن نقول ( اذا اردنا التجدّث بفظاظة ) أن هنالك ثلاث أنواع من الدول في العالم اليوم: الدول الفقيرة (الما قبل صناعية ) و التي غالبا ما تكون عبارة عن بقايا فوضوية للامبراطوريات المنهارة, الدول الصناعيّة الحديثة مثل الهند و الصين, و المجتمعات ( الما بعد صناعية ) التي ظهرت في أوروبا و أمريكا الشمالية و اليابان. و بناءا على هذا التقسيم فالقوة ما زالت أمرا شائعا بالنسبة للدول من النوع الأوّل, في حين انّ القوّة مازالت مقبولة بالنسبة للنوع الثاني من الدول, بينما هي أقل اجازة في الدول من النوع الثالث. فكما قال الدبلوماسي البريطاني "روبرت كوبّر": " عدد كبير من أقوى الدول لم تعد تريد أن تصارع أو تحارب او تغزو "(20). الحرب مازالت احتمالا, لكنّها أقل قبولا بكثير ممّا كانت عليه قبل قرن أو نصف قرن من الآن. (21)
أخيرا, نستطيع أن نقول أنّ استعمال القوّة من قبل معظم القوى الكبرى يشكّل خطرا على أهدافهم و تطلّعاتهم الاقتصاديّة. و حتى الدول الغير ديمقراطيّة و التي تشعر بأنّها أقل شعبية و التزاما أخلاقيا فيما يتعلّق باستخدام القوّة فعليها أن تأخذ بعين الاعتبار التأثيؤات السلبية لاستعمال القوّة على أهدافها الاقتصاديّة. و كما قال توماس فريدمان, الدول تضبط بـ"قطيع كهربائي" من المستثمرين الذين يسيطرون على وصولهم و حصولهم على رأس المال في اقتصاد معولم.(22) و كما كتب ريتشارد روزينكرانس, " في الماضي, كان من الأرخص أن تقوم بالاستيلاء على أراضي الدول الأخرى بالقوّة بدلا من أن تقوم بتطوير معاييرها الاقتصاديّة و التجاريّة المعقّدة لتستفيد من التبادل التجاري معا فيما بعد"(23). و لقد استخدمت الامبراطورية اليابانيّة هذا المفهوم عندما انشأت أعظم نطاق مزدهر في شرق آسيا في الثلاثينيّات, لكن يابان ما بعد الحرب العالمية الثانية أثبتت أنّها أكثر نجاحا بكثير من السابق باعتمادها على التبادل التجاري الأمر الذي جعل من اقتصادها الوطني ثاني أكبر اقتصاد في العالم , لذلك فمن الصعب الآن تصوّر سيناريو تحاول اليابان فيه استعمار دول الجوار أو أن تنجح في ذلك.
و كما هو مذكور أعلاه, لا شيء من هذا يقترح أنّ القوّات العسكرية لا تلعب دورا في السياسة الدولية اليوم. فالثورة المعلوماتيّة يجب عليها ان تحوّل معظم العالم بعد. العديد من الدول غير مقيّدة بالقوى الاجتماعيّة الديمقراطيّة كما تعلّمت الكويت من جارتها العراق, و الجماعات الارهابيّة الى القيود العادّية للمجتمعات التحرّرية. الحروب الأهليّة متفشّية في العديد من أجزاء العالم حيث تركت الامبراطوريّات المنهارة فراغا في السلطة. علاوة على ذلك, و اذا ما استعرضنا التاريخ, فانّنا سنلاحظ انّ ظهور قوى عظمى جديدة ترافق دائما مع تخوّفات أو حالا
المزيد