مكان النشر: مركز الخليج للأبحاث/ مجلة آراء حول الخليج (الامارات)
تاريخ النشر: العدد 62/ شهر تشرين ثاني 2009
بقلم: علي حسين باكير/باحث في العلاقات الدولية

يتناول المقال التوجّهات الممكنة لمسار المفاوضات المباشرة الجارية حاليا بين الولايات المتّحدة وإيران بحضور القوى الكبرى، خاصة بعد عودة الجدل حول ما إذا كانت إيران ستعمل هذه المرة أيضا على التملص من الإيفاء بالتزاماتها وإعطاء جواب محدد ونهائي حول مصير المفاوضات كما فعلت في التكتيكات السابقة التي تعتمد لعبة الوقت والمماطلة كما ويتناول الموقع الأمثل لطهران على "رقعة الشطرنج الإقليمية" بين خياري الصفقة والحرب.
دوافع جلوس الإيراني على طاولة المفاوضات
لا شكّ أنّ إجلاس المفاوض الإيراني على طاولة المفاوضات في جنيف في 1 تشرين أول/ أوكتوبر 2009 لم يكن أمرا سهلا، كما انه لم يأت من فراغ. فسياسة الرئيس اوباما جاءت مغايرة لسياسة بوش الابن، وعملت على نزع الذرائع التي من الممكن أن تحول دون إجبار الإيراني على الجلوس للتفاوض، على اعتبار أنّ القطيعة كانت تعطي الإيراني الحجة بعدم وجود مصلحة له في التفاوض طالما أن أمريكا لا تستطيع أن تفرض ذلك عليه.
اليوم تغيّر هذا الوضع، وإضافة إلى ما تمّ ذكره أعلاه، أصبح للإيراني مصلحة في التفاوض المباشر، ويأتي ذلك باعتقادي استجابة لعدد من المعطيات المهمة ومنها:
1- عدم الظهور بمظهر المتشدد غير الراغب في الوصول إلى حل: إذ تولي إيران أهمية كبرى لهذا الموضوع، على اعتبار أنّ لعبة الرئيس اوباما التي اتبعها منذ مجيئه إلى الحكم تقوم على إظهار أنّ الولايات المتّحدة تعمل على تقديم التسهيلات والتنازلات اللازمة فيما إيران ترفض الاستجابة بالمثل وترفض الوصول إلى حل عبر التفاوض. ومن المعلوم أنّ هذه السياسية تحشد المجتمع الدولي ضد إيران وتقلص من هامش مناورتها وتزيد من الضغط عليها، لذلك ارتأت إيران أنّ هناك مصلحة ذاتية في التجاوب مع الولايات المتحدة في المرحلة الحالية وإجراء التفاوض المباشر من أجل تنفيس هذا الضغط.
2- الإيمان بالقدرة على متابعة "لعبة كسب الوقت": وهي اللعبة المفضّلة لدى الطرف الإيراني خاصّة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنّ ملف الأزمة النووية لا يزال يخضع لنقاشات مستفيضة على الصعيد الدولي من الكشف عنه في العام 2003. أي أنّ إيران نجحت في كسب 6 سنوات حتى الآن في لعبة الوقت عبر مزيج مدروس من الرفض تارة والتعاون تارة أخرى، فاستطاعت التقدم بثبات في برنامجها النووي حتى وصل إلى مرحلة "اللاعودة" وفق الكثير من الخبراء في المجال النووي. وعليه، فمن الطبيعي للنظام الإيرانية أن يرى في المفاوضات الجارية فرصة أخرى لمتابعة سياسة كسب الوقت حتى الوصول إلى امتلاك القدرة النووية الكاملة.
3- احتواء إجماع المجتمع الدولي والعمل على تفكيكه: إذ يبدو المجتمع الدولي في عهد الرئيس باراك أوباما الآن أكثر تماسكا وتفاهما إزاء التعامل مع الأزمة النووية الإيرانية لاسيما بعدما خبر طرق التملّص والمراوغة الإيرانية خلال السنوات الماضية، وهو متّفق الآن على ضرورة إرسال رسالة واضحة وصريحة ناجمة عن رؤية موحّدة في التعامل مع الطرف الإيراني. ولا شك أنّ إيران تعي هذا التحوّل جيدا لاسيما بعد الموقف الروسي الذي عبّر عنه الرئيس ميدفيديف في أواخر شهر أيلول/ سبتمبر الماضي وأبدى فيه استعداد بلاده فرض عقوبات على إيران، اثر تنازل الولايات المتحدة عن خطط نشر الدرع الصاروخي في شرق أوروبا. ولذلك تحاول طهران ضرب الإجماع الدولي من خلاص المفاوضات التي ولابد أن تحمل آراء مختلفة حيال الاقتراحات الإيرانية الموضوعة على الطاولة.
4- تخفيف عبء جبهات المواجهة المفتوحة: إذ تعاني إيران حاليا من تعدد جبهات المواجهة المفتوحة لاسيما بعد اشتعال الجبهة الداخلية اثر انتخابات الرئاسة الإيرانية التي جرت في 12 حزيران/يونيو 2009، والتي شقّت الموقف الداخلي واستجلبت العداء لرموز النظام الممثلة في نجاد وحكومته. وتعي الحكومة الإيرانية انّه ليس باستطاعتها مهما بلغت من قوة المواجهة على جميع الجبهات، لذلك قررت تنفيس الجبهة الخارجة مؤخرا لترتيب الجبهة الداخلية وقمع أي معارضة داخلية لسياستها لما لها من وقع سلبي على استمرار تماسك الموقف الإيراني إزاء السياسة النووية المتّبعة.
الولايات المتّحدة و"المسار المزدوج"
ومن الواضح أنّ الولايات المتحدة تعتمد الآن سياسة "المسار المزدوج" الذي يتضمن التفاوض والتحضير لفرض عقوبات قاسية على طهران. وعلى الرغم من أنّ عددا من الخبراء الأمريكيين يعتقدون بعدم جدوى هذا الأسلوب، الاّ أنّ باستطاعتنا أن ندرك أنّ أي مفاوض يحتاج إلى أوراق ضغط عند جلوسه على طاولة المفاوضات، ولذلك يسعى المشرّعون الأمريكيون إلى تزويد الرئيس أوباما بالأوراق اللازمة للضغط على طهران لكي لا تظهر الولايات المتّحدة بمظهر الضعيف المستسلم للإرادة الإيرانية وتغدو العملية مجرد تحادث من أجل التحادث.
ولابد من الإشارة هنا إلى لغط منتشر بشكل واسع في الأوساط البحثية والصحافيّة العربية، حول طبيعة الموقف من النووي الإيراني. فالقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتّحدة الأمريكية لم تقل يوما من الأيام ولا في أي مناسبة من المناسبات أنّها ضد امتلاك إيران للقدرات النووية السلمية، ومن الضروري جدا التركيز على هذه النقطة لان ما يعارضه الجميع هو امتلاك طهران للسلاح النووي.
ومن هذا المنطلق فان إصرار إيران على إظهار الوضع بشكل يفيد بانّ العالم يريد منعها من امتلاك القدرات النووية السلمية التي هي حق مكفول للجميع، هو ضرب من الدعاية لا يجب أن نقع فيه أو نخلط بينه وبين مخاطر امتلاك إيران للسلاح النووي خاصّة في ظل السوابق الإيرانية الغير مطمئنة، والغموض الكبير الذي يلف السياسة الإيرانية حيال الهدف الحقيقي من البرنامج النووي، والتكتيم على منشآت (وجعل بعضها سريا كمنشأة قم التي تمّ الكشف عنها مؤخرا)، وكلّها أمور تطرح تساؤلا مشروعا "ما الهدف من تخبئتها في الأصل والإعلان عنها مع بداية التفاوض إذا كانت سلمية ولم تكن هناك أهداف أخرى من ورائها؟ وما الذي يضمن انه ليس هناك من منشآت سرية أخرى غير معروفة إلى الآن؟! وما الهدف من البرنامج النووي في هذه الحالة؟ فالتصرّفات الإيرانية المتكرّرة تولّد شعورا بعدم الثقة بها، وبأنّها تتلاعب بال


























































