مكان النشر: الاسلام اليوم
تاريخ النشر: 20-1-2008
بقلم: علي حسين باكير

بعد سيل التقارير التي انهمرت على القارئ و التي تتحدّث عن ضرب ايران و شن الحرب عليها كتقارير "سيمون هيرش" التي ما فتئ يكررها علينا منذ العام 2003، ها نحن نشهد سباقا محموما باتجاه طهران خاصّة بعد صدور تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي عن البرنامج النووي الإيراني في 3-12-2007 و الذي اشار الى انّ "ايران اوقفت برنامجها النووي العسكري السري في العام 2003" و الذي بدا و كأنه صفقة محترمة باتجاه إنهاء ألازمة النووية بشكلها العسكري مقابل قيام إيران بالمساعدة على تحقيق الاستقرار النسبي في العراق.
نعم هكذا تكون الصفقات في دبلوماسية الأبواب الخلفية، و بينما يغرق الجمهور المتحمس لتفاصيل الترهات اليومية التي نشاهدها في الإعلام في المشهد الجزئي و يستنزفه تحليلا و تفصيلا، يكون المشهد الخلفي قد مرّ!! و يبدو انّ بعض البلدان العربية ايقنت هذه الحقيقة متأخرة كعادتها، و هي تسعى الان الى تحقيق نوع من التوازن في علاقتها مع ايران خوفا من ان يقوم حليفها الأمريكي بالتحالف العلني هذه المرّة مع طهران فتكون هذه الدول دفعت الثمن مرتين، و خرجت من المعادلة بخفّي حنين.
و يتخوف الامريكيون من جانبهم ايضا من ان يؤدي وضعهم الحرج و سياستهم الغير ثابتة و الغير واضحة تجاه طهران الى دفع الدول العربية لعقد صفقة مع ايران على قاعدة "مجبر اخاك لا بطل"، بحيث تصّب جميع الامتيازات الاقتصادية و المالية و البشرية و العسكرية في طهران. بل انّ الامر وصل الى حد مجاهرة احد صقور الادارة الامريكية السابقين "جون بولتون" بالقول: "لقد اتبعنا الخيار الديبلوماسي مع ايران لمدة 5 سنوت، و ما يقلقني انّه اذا لم نتحرك قبل حصولها على النووي، فستعقد دول الخليج صفقة لا يحبذونها مع طهران، لكنها ستكون ضرورية للحفاظ على دولهم...و يبدو للأسف انّ السياسة تسير في هذا الاتجاه".
السباق المحموم للوصول الى طهران قد بدأ منذ فترة، فالأمريكيون عقدوا اجتماعات "علنية مباشرة" مع نظرائهم الإيرانيين للمرة الأولى منذ العام 1979 في العراق، فيما ذهب الخليجيون أبعد من ذلك عندما استضافوا ايران للمرة الاولى في التاريخ ضمن القمّة الخليجية التي انعقدت في الدوحة مترافقا مع مساعي حثيثة لتطبيع العلاقات المقطوعة بين ايران و مصر و المتضررة بين ايران و ليبيا!!
و بدلا من ان تستثمر طهران القمة الخليجية التي دعيت اليها، و بدل ان يطمئن رئيسها هذه الدول الى نوايا دولته المستقبلية و الى طبيعة برنامجها النووي، راح يعرض عليهم الخطط الاقتصادية لفتح الاسواق و تبادل المنتجات و السياحة و السفر!!
و جميعنا يعلم انّ قبول دول الخليج لمثل هذا الامر من دون ضوابط و قبل التباحث في الامور الاكثر اهمية و جديّة، سيجعل منها مستعمرة ايرانية ازاء المد البشري و المذهبي و ازاء تدفق البضائع و المنتجات مع ما يستتبعه من امور تثير الحساسية و الصدام كما يعلم الجميع.
المؤسف في الامر في كل ما يحصل، ان يكون التخريب و التعطيل و التفجير و التدمير و الاختراق و العبث في مقدرات الدول من الاوراق الممتازة التي تساعد على جر الطرف الآخر الى طاولة المفاوضات. لقد وعت ايران هذه الحقائق منذ زمن بعيد و نفّذتها بحذافيرها في العديد من البلدان العربية و خاصة في العراق الذي تحوّل جثّة هامدة بعد الاحتلال الامريكي، و راح ضحية مساومات بين هذا الطرف و ذاك، أحدهم يسعى الى السمو الاقليمي و تسيد المنّطقة و شعوبها و اممها و الثاني يسعى الى النفط و الانتصار السياسي الداخلي عبر الادعاء بانجاز الديمقراطية في العراق الجديد.
و بين هذا المشهد و ذاك، يتم تسخين الأجواء بين الفينة و الأخرى، و ليس ادل على ذلك ما شهده مضيق هرمز من تحرشات لقوارب ايرانية سريعة ببوارج امريكية في الاسبوع الماضي. اذ طالما انّ هذه القوارب تابعة للحرس الثوري الايراني كما ذكر الاعلام الامريكي، فلماذا لم يتم فتح النار عليها خاصّة انّ منظّمة الحرس الثوري ضمن لائحة المنظمات الارهابية الامريكية!! و هل يسمح اصلا لقوارب سريعة بالاقتراب مسافة كافية من البوارج دون فتح النار عليها، خاصة بعد عملية المدمرة كول في اليمن؟! و هل يخاطر ربّان البارجة الامريكية ببارجته و رجاله و عتاده و ارواح الامريكيين على متن سفينته من اجل التأكد من هوية قوارب سريعة اقتربت اكثر من الحد اللازم و المسموح و هي تبث اتصالا "اننا نقترب منكم، سنفجركم بعد ثواني"؟!
بغض النظر عن رواية الطرفين، فالأكيد انّ حصول هذه الزوبعة مترافقة مع زيارة بوش للخليج تهدف من ضمن ما تهدف الى تسخين مبيعات الأسلحة التي باتت تتكدّس في المخازن العربية دون ان يكون لها أي تأثير على مستوى التوازن العسكري في المنطقة او على المستوى الدفاعي كحد أدنى. و اجتياح العراق للكويت و عدم قدرة السعودية حماية نفسها خير دليل على ما نقول.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل هناك تحوّل واضح في النهج الامريكي حول طبيعة التعامل مع ايران؟ ام انّ هذا مجرّد تكتيك عرضي تمليه مصالح الدولتين اللتين لطالما التقت مصالحهما في المنطقة؟
اقرأ لنا ايضا:
* الحسابات المعقّدة لأي عمل عسكري وقائي ضدّ ايران
* الأزمة الأمريكية-الايرانية في العام 2007: الاتجاهات و الخيارات
o خاص: القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003
o خاص: القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003-الحلقة الثانية
o خاص: القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003-الحلقة الثالثة و الأخيرة
o سياسة حافة الهاوية الإيرانية...و سيناريوهات الضربة الأمريكية-الحلقة الأولى
o سياسة حافة الهاوية الإيرانية...و سيناريوهات الضربة الأميركية-الحلقة الثانية
o سياسة حافة الهاوية الإيرانية و سيناريوهات الضربة الأميركية- الحلقة الثالثة و الأخيرة
كتبها علي حسين باكير في 01:16 مساءً ::
الاستاذ باكير:
لطالما يشدني ما تكتبه في مدونتك التي أحرص على زيارتها كل حين ، وكذلك ما تنشره في مواقع اخرى .
من خلال ما تعرضه من آراء وتحليلات اجد حساً رفيعاً يمكنك من السبر وراء ما تعرضه وسائل الاعلام لتربط بين الوقائع بشكل جدير بالاهتمام ومزيد من التحليل . وهذا النتاج لا يكفيه سعة اطلاع بل هي في نظري موهبة حباك الله اياها ، فواصل العطاء بارك الله فيك .
لعلّي اعلق على أمرين بخصوص هذا المقال ؛ وأبدأ من التساؤل الذي ختمت به ؛
لا يبدو أن هنالك تحولا في النهج الأمريكي تجاه ايران . ولا ينبغي ان يشتتنا ما يردده الساسة في أمريكا بخصوص الخطر الايراني . فمن جانب يدرك هؤلاء ان استمرار سياسة الايحاء بوجود خطر داهم وتهديد مستمر و"رجل شرير" يتربص بالامة الامريكية عامل مهم في اسكات صوت التململ من الانفاق العسكري – البشري والمالي – وكذلك تخفيف اصوات الاعتراض على سياسات داخلية بدأ المواطن الأمريكي يبدي استياءً ، ولو خجولاً ، منها .
ومن ناحية أخرى فلا يشك متابع من أن الولايات المتحدة تملك من القدرة التجسسية على ايران ما لا تفصح عنه بل تحاول الايحاء بنقيضه ، اي نقص المعلومات الاستخباراتية . وهذا يعني ان معظم مواطن الضعف لدى ايران معلومة للامريكان وبالتالي فليس هناك مفاجأة تدفعهم لتغيير نهجهم .
ولكن الذي يربك الامريكان ويدفعهم لمزيد من التنسيق مع الايرانيين هو اشتداد المقاومة في العراق والتحول النوعي في عملياتها وتحولها الى ثقافة عامة في المناطق الساخنة في العراق . وهذا الأمر قد يغفل عنه الكثيرون بسبب التعتيم الاعلامي الشديد واعتماد سياسة التضليل الاعلامي . وهذا يقودني الى التعليق الثاني على مقالكم . فالاشارة الى ان العراق "تحول الى جثة هامدة بعد الاحتلال الامريكي" قد يفهم منها خطأ خضوع الشعب التام لسطوة المحتل ، ولا أخالك تعني هذا ، بل لعلك كنت تشير الى خروج العراق من معادلة القوى الاقليمية في الخليج العربي .
وفقكم الله والسلام عليكم ... د. محمد الحياني
صديقي العزيز علي ..
إلى الإمام في كتابتك وتحليلاتك ، استمتع دوما بمدونتك الجميلة
لي عودة مجددا إلى الموضوع الإيراني فطالما تشاكسنا حوله
تحياتي
best wishes(f
الدكتور محمد الحياني المحترم، شكرا جزيلا لك على تعليقك واطرائك و على مداخلتك السديدة ايضا...اتطلع الى رؤية المزيد من ملاحظاتكم في المستقبل ان شاء الله و اهلا و سهلا بك في مدونتك.
عزيزي كلوز اب...سعيد بتواجدك في المدونة... و اتمنى لك كل الخير ان شاء الله...الهمّة مطلوبة و دعنا على تواصل دائم ان شاء الله و لا تنسانى :)...تمنياتي بالتوفيق
الاسم: علي حسين باكير
