الردع, توازن الرعب, النصر و الهزيمة في الحرب على لبنان
كتبهاعلي حسين باكير ، في 6 أغسطس 2006 الساعة: 18:28 م
مكان النشر: صحيفة الخليج الاماراتية 7-8-2006
بقلم: علي حسين باكير/ باحث في الشؤون الاستراتيجية

هناك قاعدة شبه ثابتة في الحرب تقول انّ الحملات العسكرية التي تواجه ايّ مجموعة مقاتلة لا تستطيع التغلّب عليها عمليا على الأرض الاّ بمفهوم الابادة الجماعية لأفرادها "نموذج الفلوجة" أو "مخيم جنين". و نلاحظ في هذه الحالة انّ المجموعة المقاتلة يجب أن تكون في موقع محدد جغرافيا و محدود و الاّ فانّ امكانية الحاق هزيمة بها من قبل قوات نظامية يكاد يكون مستحيلا.
و في المقابل, لا تستطيع المجموعة المقاتلة هزم ترسانة الطرف المعتدي او فرض الاستسلام عليه اذا كان جيشا من الناحية التقليدية و بالتالي فانّ هدفها سيكون التركيز على ايقاع اكبرر عدد من الخسائر في صفوف الجيش النظام و ذلك لدفعه الى الانسحاب او ايقاف الحرب.
من هذا المنطلق, تعلم اسرائيل جيّدا أنّه لا يمكنها القضاء على "حزب الله" بالمعنى العملي, و التصريحات التي بدأت حول قيام اسرائيل بالتحضير للقضاء على حزب الله هي تصريحات في اطار الحرب النفسيّة اولا و ثانيا في اطار السقف المرتفع الذي عادة ما يلجأ له جميع الأطراف في هكذا حالات لعلمهم انّه سيتم تخفيضه في وقت لاحق.
خطّة الجيش الاسرائيلي في لبنان
اذا كانت اسرائيل على علم بهذا, فما هي الخطّة المطروحة و كيف تعمل على مواجهة حزب الله؟
أولا: اعتماد اسلوب المباغتة و السرعة, وهو اسلوب يكون عادة في صالح الجهة التي تتبناه أولا و في حالة الحرب على لبنان أستطيع ان ازعم انّ الحزب تفاجأ من خطوة اسرائيل السريعة بشن حرب على لبنان بعد خطف الجنديّين من قبله, و يدعم ذلك ايضا اشارة امين عام الحزب حسن نصرالله الذي أكّد أكثر من مرّة خلال هذه المواجهة أنّه لم يرد حربا و لا تصعيدا و انما مجرّد تبادل للأسرى أي كما تمّ في حالات سابقة!! و أهم نتيجة لهذه الحرب هي ضرب اسرائيل لاستراتيجية الردع و تزان الرعب التي كان حزب الله يبني عليها حساباته و التي يحاول استرجعاها الآن.
ثانيا: استخدام اسرائيل للاسلوب التصعيدي في قصفها سواء من ناحية انتقاء الاهداف او من ناحية السلاح المستخدم و أثره التدميري و يبدو انّ الهدف من هذه الطريقة كان اختبار رد حزب الله و مدى جهوزيّته و اذا ما كان يريد ان يكمل ام يستسلم للشروط الاسرائيلية.
ثالثا: دك معظم الجسور خاصّة تلك التي التي تربط الطرق الرئيسية على امتداد لبنان بالاضافة الى بعض الوصلات السريعة التي تربط المدن او القرى ببعضها البعض و يبدو انّ الهدف من هذه الخطوة تحقيق أمرين:
أ- قطع طرق الامداد الممكنة و المحتملة التي قد يلجأ لها الحزب لاسندا عمله لوجستيا كون اسرائيل كانت قد باغتته وفق ما شرحنا سابقا, و عزل عناصر الحزب المنتشرين في المناطق البعيدة عن مركز العمليات الحدودية و العمل على اعاقتها أو تأخيرها على الاقل من الوصول الى الجنوب.
ب- تقطيع لبنان الى كانوتونات بشرية معزولة عن بعضها البعض مع بقاء عدد كبير من الناس محصور في هذه الكانتونات و ذلك لتعريضهم لضغط نفسي هائل سعيا وراء انهيار البنية الاجتماعية اللبنانية و خاصّة تلك المساندة للحزب لاسيما انّ سياسة التقطيع سيجعل من هذه الكانتونات مناطق خالية من الطعام و الشراب و الدواء بعد عدّة ايام نتيجة عدم الاستعداد للحرب.
ثالثا: استهداف البنيّة التحتيّة الحيوية للدولة اللبنانية مثل المطارات الرئيسية و الموانئ في لبنان و الاتصالات و البث و الطريق الدولي (مع استثناء بعض الاهداف مؤقتا كالكهرباء للابقاء على الضغط المبرج على الناس و منعه من الانفجار في وجه اسرائيل) و فرض حصر بري و بحري و جوي و العمل على افراغ لبنان من الأجانب لاثارة الهلع في صفوف المواطنين.
رابعا: تكبيد لبنان خسائر اقتصادية و عمرانية ضخمة للغاية و ارجاعه لعشرين سنة او اكثر الى الوراء و ذلك لـ:
1- جعل ثمن حصول اي تبادل للأسرى كبيرا جدا بحيث يضمن عدم تحقيق حزب الله لأي انتصار ضخم و هو على عكس ما كان سيحدث فيما لو جرت عملية التبادل بالطرق التقليدية.
2- تحميل لبنان لأعباء اقتصادية و مالية تجعل للدول المانحة فيما بعد اليد الطولى في فرض شروط عليه.
الأمر اللافت في الحملة العسكري الاسرائيلية حتى الآن هو قصف الرادرات المنصوبة على طول الشاطئ اللبناني و مهمتها مراقبة الساحل اللبناني, و هذا قد يكون هدفه احد امرين:
1- امّا منع استخدام هذه الرادارات في تزويد حزب الله ببيانات و توجيهات لرصد و ضرب السفن الاسرائيلية خاصّة انّ بعض الجهات اشارت الى انّ الصارخ C-802 الذي استخدمه حزب الله اعتمد على هذه الرادرات في ضرب السفينة الاسرائيلية.
2- و امّا وجود نيّة لدى اسرائيل بعمل برمائي, بمعنى انزال فرق عسكرية على طول الساحل اللبناني و ذلك لتمشيط المربعات و الكانتونات التي اشرنا اليها من جهة و للاتفاف على عناصر حزب الله الموجودين على الحدود و الذين يتحيّنون الفرص للانقضاض على الجيش الاسرائيلي اذا ما اراد الدخول الى الأرض اللبنانية من الحدود.
3-
مفهوم النصر و الهزيمة عند اسرائيل
في كل الاحوال, فانّ مفهوم النصر بالنسبة لاسرائيل في هذه المعركة قد يتمثّل بتحقيق احد أو كل الأهداف التالية:
1- نزع سلاح حزب الله عبر العمل العسكري (و هذا شبه مستحيل) و امّا عبر النتائج التي ستنجم لاحقا عن عدوانه على لبنان (هذا ممكن).
2- تأليب شرائح داخلية كبيرة من الناس على حزب الله داخليا نتيجة لجرّهم الى حرب غير مستعديّن لها على الأقل على الصعيد النفسي, و منح القوى السياسية المتخاصمة مع الحزب منذ اغتيال الحريري ذريعة لمحاسبة الحزب نتيجة لاحتكاره قرار السلم و الحرب مع العدو الاسرائيلي.
3- استرجاع الجنود الاسرائيليين الأسرى مقابل الاسرى اللبنانيين فقط و عددهم 3 او 4, و بذلك يكون ثمن اختطاف جنديّين اسرائيليّن أكبر بكثير من اي نصر قد يحققه حزب الله بهذا التبادل, و تمثّل رادعا مستقبليا لأي عملية خطف قد تحصل لجنود اسرائيليين.
امّا مفهوم الهزيمة عندها فيتمثّل ببقاء الوضع الذي كان عليه في لبنان قبل بدء الهجوم هذا, و هذا معناه خضوعها لاستراتيجية الردع الخاصّة بحزب الله من جديد و خضوعها لتوازن الرعب الذي تفرضه صواريخ حزب الله و ترسانته العسكرية و بالتالي احتفاظ المقاومة اللبنانية بخطوطها الامامية على الجبهة مع اسرئيل دون اي منطقة عازلة او فاصلة و بقاء الوضع كما كان عليه طيلة الست سنوات الماضية.
مفهوم النصر و الهزيمة عند حزب الله
بالنسبة الى حزب الله, فالمشكلة التي خلطت كل حساباته و أدّت الى وقوع هذه الحرب تكمن في تجاوز اسرائيل لمفهوم الردع الذي كان الحزب قد فرضه عليها ابّان اتّفاقية نيسان العام 1996. و قد كان لتجاوز اسرائيل للمفهوم الردعي هذا نتائج كارثية كما نرى الآن و ذلك لأنّ الحزب كان يبني جميع خياراته و حسباته على اساس خضوع اسرائيل لهذا المفهوم.
و مع سقوط مفهوم الردع سقط ايضا مفهوم توازن الرعب و هو الأمر الذي ادى الى جعل هذه المعركة مفتوحة على كل الاحتمالات الى أن يهزم أحدهما الآخر و هو الذي تسعى اليه اسرائيل, او الى ان يتم استرجاع العمل بمفهوم توازن الرعب و القدرة على الردع و هو ما يسعى اليها الحزب, و الذي من الممكن أن يتحقق في حال استعمال الحزب للقدرات الصاروخيّة الأكثر قّة و الأبعد مدى و المتمثلّة بصاروخ "زلزال" هو صاروخ بالستي , كانت ايران قد عرضته مؤخرا في عرض عسكري في العام 2005 الى جانب صاروخ شهاب6 و يعمل هذا الصاروخ على القود الصلب و يبلغ مداه حوالي 150 كلم و يستطيع الوصول الى "تل أبيب" ممّا يجعله في منظومة الصواريخ المتطورة جدا و التي قلّما يمكن لجماعات مقاومة مسلحة امتلاكها ما لم يكن هناك قوّة كبيرة تدعمها و تؤمّن الغطاء المطلوب لها لتزويدها بها. و لكن عدم استخدم الحزب لهذا الصاروخ حتى الآن يعود الى أحد امرين:
1- امّا انّ الحزب غير قادر في الوقت الحالي على الحصول عليه من مخازنه نتيجة تقطيع الطرق و عزلها و نتيجة استهداف الشاحنات التي لا بد من استخدامها اذا ما ارادوا نقله خاصّة انّ وزنه يفوق الطن.
2- و امّا ان وقت استعماله لم يحن بعد, بانتظار ما قد تتمخّض عنه التحركات الدولية و الاقليمية و بالتالي الاحتفاظ به كورقة اخيرة يتم استعمالها في الوقت المناب بناءا لحسابات الحزب.
و فيما يتعلق بحزب الله ايضا, فالأكيد انّه لا يستطيع هزم اسرائيل بالمعنى التقليدي للهزيمة ما لم يكن هناك تفعيل لمفهوم الجهاد الشامل الذي لا ينتهي باتّفاقيات سياسية, لذلك فانّ مفهوم النصر لدى الحزب حاليا في هذه المعركة سيتمحور حول:
1- القدرة على الصمود امام كثافة نيران العدوان و المحافظة على البنيّة التحتيّة البشرية للقيادة.
2- الرد على القصف بالقصف و تصعيده و ذلك في محاولة لاسترجاع استراتيجية الردع بعد حصول توزان رعب بين الطرفين.
3- ايقاع أكبر عدد من الخسائر الماديّة او البشرية في صفوف العدو الاسرائيلي بحيث تصبح قيمة الخسائر في صفوفه أكبر بكثير ممّا يتحمّله لاكمال عدوانه على لبنان.
4- عرقلة او عدم السماح لاسرائيل بتنفيذ اي من أهدافها المذكورة اعلاه سابقا.
هذا و قد تتحوّل مفاهيم الهزيمة و النصر التي شرحناها تبعا لتغير أطراف الصراع, فاذا امتّدت هذه الحرب لتشمل دولا اقليمية فانّ مفهوم النصر و الهزيمة سيكون له معنى آخر. لكن يبدو و حتى هذه اللحظة انّ المعركة لن تتوسّع لتشمل دولا اخرى و ذلك انّها ليست معركة بين حزب الله و اسرائيل بالمعنى المبسّط للكلمة. هناك أطراف اقليمية و دولية تقوم بتصفية حساباتها و حسم خياراتها عبر ذراع اسرائيل و حزب الله. و كان من الطبيعي ان يكون لبنان ساحة لهذه المواجهة نظرا لأنّه يشكّل جبهة رخوة, غير متماسكة و متضاربة, تتداخل و تتقاطع فيه نفو العديد من الدول و يعاني من مشاكل داخليّة تسمح بحدوث انفجار في أي لحظة من اللحظات و بالتالي فانّ جميع مشاكل الشرق الاوسط يتم تنفيسها عبر هذه البوابة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : استراتيجيا, حرب لبنان | السمات:استراتيجيا, حرب لبنان
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























