هكذا نزحت إلى بيروت .. ماشاهدته كان مختلفاً
كتبهاعلي حسين باكير ، في 2 أغسطس 2006 الساعة: 10:19 ص
بيروت/علي حسين باكير
الحالة الإنسانية التي يعيشها الشعب اللبناني في ظل الاعتداء الصهيوني على لبنان حالة فريدة جداً في المعاناة و الذل و الحرمان. صحيح أنّي شهدت و عشت النزوح الذي حصل إثر اعتداءات عام 1996 في عناقيد الغضب, لكنّ ما يحصل الآن هو شكل مختلف بالكامل عما حصل سابقاً.
في السابق كانت الناس تصبر عدّة أيام متحصّنة في بيوتها بعد توفير ما يلزم من مقومات الصمود, و إذا حصلت تطورات يقوم الأهالي عندها بالنزوح مع ما يحتاجونه إلى مناطق أخرى, و هذا ما فعلناه و فعله الناس سابقاً. أمّا في هذا العدوان, فقد كان عنصر المفاجأة و السرعة الإسرائيلي عاملاً مساعداً في تفاقم الأزمة الإنسانية اللبنانية. الناس كعادتها صبرت عدّة أيام, لكن في هذا الوقت كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف كل طريق و كل جسر يربط أي قرية بقرية أخرى، و أي بلدة ببلدة أخرى، و أي مدينة بمدينة أخرى، و حتى الطريق الدولي الواصل بين بيروت و دمشق, فأصبحت القرى مجرد كانتونات بشرية معزولة و محاصرة بريّاً و بحرياً و جوّياً مما أدى إلى تناقص الماء و الدواء و الغذاء، لتتدهور الحالة بشكل مريع مع مخاطرة النازحين بحياتهم للانتقال من قرية إلى أخرى عبر طرق فرعية صعبة للغاية، و بظروف أصعب، و زاد من تفاقم الأمور أمران:
الأول: أنّ قصف الشاحنات و وسائل النقل فاقم من تدهور الأوضاع، فتوقف إمداد المناطق التي كانت لاتزال سالكة حتى حينه.
ثانياً: أنّ أهل الجنوب كانوا ينزحون في الماضي إلى منازل أقاربهم في بيروت و المناطق الأخرى, لكن تدمير الضاحية و بعض مناطق بيروت و المناطق الأخرى على طول الساحل اللبناني جعل النزوح هذه المرّة نزوحاً إلى المجهول.
في منزلي الواقع مباشرة على الساحل اللبناني قرب مطار بيروت, صبرت كما صبر غيري عدّة أيام على أمل أن تنتهي الأزمة سريعاً, لكن و مع دُكّ المطار و الجسور المجاورة و الأماكن القريبة قررنا الانتقال إلى منزل أقاربي في نفس المنطقة، و هو لا يبعد كثيراً، و لكنه أبعد من منزلنا عن الساحل و آمن نسبياً. هناك تجمّعنا، و قرّرنا البقاء إلى حين انجلاء الوضع. كان منزل الجيران يكتظ بالنازحين و يضم حوالي (20-22) فرداً في عدة غرف صغيرة.
تقول "أم علي": "أنا و بعض أقاربي هنا و أهلي و والدي و أمي في الضيعة، و لا أستطيع الاطمئنان على ولدي, انقطعت الاتصالات معه، و هو في خضم القصف. لقد ذهب مجهودنا في مهب الريح, محصول التبغ الذي نعتمد عليه كلياً لإطعام أولادنا و دفع أقساط المدارس و النفقات و الالتزامات و الديون المتراكمة سنوياً, كل ذلك ذهب أدراج الرياح!!", "الله إدمر إسرائيل لم نعد نملك شيئاً". فيما قالت عدّة أمّهات بقلب الخائف على أولادهن "هلّأ كان وقت هيدا الشي؟""
قررنا بعد الإقامة عدة أيام هناك أن نغادر إلى بيروت, و لم يكن هناك سوى طريق واحد بعد قصف جميع الطرق المؤدية إليه, و لكن و عندما كنّا نحضر أغراضنا البسيطة التي هي عبارة عن قطعتي ملابس لكل واحد منّا, و إذ بغارة جوية تهزّ البيت و أركانه, أين وقعت الغارة؟! أصابت الغارة الطريق الوحيد السالك إلى بيروت!! ماذا نفعل الآن؟! إمّا البقاء في المنطقة التي تتقلص فيها الأغذية و الأدوية و المياه و حتى الكهرباء، وإمّا أن نخاطر بنزول الطريق الساحلي المحاذي للمطار، و الذي يُقصف بشكل يومي, فقررنا الخيار الأخير. نزلنا في ثلاث سيارات متباعدة عن بعضها البعض, حتى إذا أصاب صاروخ أحدهما تبقى الأخرى سالمة إن شاء الله.
وصلنا أخيراً إلى بيروت في المنطقة الشرقية منها, و هناك في منزل آخر لأقاربي كان هناك حوالي (20) شخص نزحوا من منطقة الضاحية، و استطاعوا الحصول على منزل فارغ. و هذا بحد ذاته يعد انتصاراً كبيراً؛ إذ إنّ وجود شقّة أو غرفتين غير شاغرتين من الجبل و حتى شمال لبنان يُعدّ معجزة في هذا الوقت. إذ إنّ الناس استعجلت الانتقال من الساحل إلى الجبل و من الجنوب إلى الشمال مواجهةً العديد من المصاعب من بينها:
أولاً: استغلال بعض ضعيفي النفوس و تجار الحروب لحالة النازحين و رفع إيجارات الغرف بدرجه غير معقولة تصل إلى ألف دولار و أكثر لغرفتين فقط, في حين إنّ الناس لم تكن تملك المال نتيجة المباغتة الإسرائيلية لهم، و إقفال المصارف أيضاً.
ثانياً: صعوبات التنقل, فمن يختار النزوح يعني أنه يخاطر بروحه و من معه، مع إمكانية تعرضه لقصف يودي بحياته, و أمّا من لا يمتلك وسيلة نقل فعليه أن يطلب من أحد أصحاب الحافلات أن يقله بحافلته إلى الجهة المذكورة، مع إمكانية أن يتم طلب مبالغ خيالية منه، يعني بدءاً من (200) دولار و صعوداً حتى الألف في بعض الأحيان.
ثالثاً: صحيح أنّ النازح قد ينجو من هذه العقبات، و لكنه إذا نجح فسيصل إلى المجهول لا يعلم أين يبيت و عائلته، و ماذا يطعمهم، و بماذا يدثّرهم، و أين يذهب بهم.
الوضع جد بائس لدرجة أنّ اللاجئين الفلسطينين في لبنان فتحوا أبواب منازلهم و مراكزهم و مدارسهم للنازحين، و قد وصل عدد النازحين إلى مدينة "صيدا" عاصمة الجنوب حوالي (60) ألف, في حين أنّ عدد النازحين الكلي بلغ حوالي مليون نسمة مما شكل ضغطاً كبيراً على المدن و القرى البعيدة عن المواجهة، مع العلم أن لا مكان آمناً في لبنان حتى الآن. هذا الضغط إن استمر فهناك تخوّف من أن يصبح هناك توتر و ضغط نفسي و مادي و معيشي، مما من شأنه أن يؤسس لخلافات مع استمرار العدوان العسكري الصهيوني.
الصامدون في قراهم و منازلهم يعانون الموت البطيء إثر عزلهم عن العالم، و تقطيع أوصال الطرقات المؤدية إليهم و لا ماء و لا غذاء و لا دواء، و هذا ما يزيد من الضغط الداخلي، و يهدد بحصول مجازر جماعية. و قد اضطر الناس في بعض القرى إلى الشرب من البرك المخصصة للرعي و الزراعة الأمر الذي أدى إلى انتشار الأوبئة و الأمراض مع العلم أنّ الشهداء المدنيين الذي يسقطون في القصف لا تزال جثث أغلبهم مدفونة في الرمال، و تحت الركام و لا يستطيع أحد انتشالها.
كما أنّ الجمعيات الداخلية الأهلية التي هبّت للمساعدة لم تستطع إيصال المساعدات بشكل كامل إلى أي من المناطق المقطّعة أوصالها بسبب القصف الهمجي الصهيوني ، و هو ما يهدّد بارتفاع عدد القتلى البالغ حتى الآن أكثر من 700 قتيل و آلاف الجرحى إمّا بالقصف الإسرائيلي، و إمّا بالموت جوعاً و نتيجة لانقطاع الدواء و الماء, هناك قرى تضم عدة آلاف من الناس محاصرة بالكامل, و العديد من الأسر النازحة إمّا تفرق إفرادها بعض عن بعض، و منهم من فقد أولاده، و منهم من أرسلهم إلى أماكن آمنة.
الوضع الإنساني خطير، و الكارثة البشرية ستظهر حينما تنتهي كل هذه المعارك, و المعاناة الحقيقية ستكون من هذه الفترة إلى فترة انتهاء الحرب و القصف, حيث سيجد النازحون أنهم فقدوا منازلهم و متاجرهم و مصادر رزقهم و عدداً من أفراد عائلتهم أو رب الأسرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حرب لبنان | السمات:حرب لبنان
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أغسطس 2nd, 2006 at 2 أغسطس 2006 12:06 م
حالك حال اللبنانيين…
الفرق ان حياتك لم تنتهي بقذيفه طائره صهيوينه او بارجه بحريه..
او حتى صاروخ…
ونقلت لنا رؤيتك للحدث…
اما من هم هناك…
زي ما بحكوا ( ما الهم غير الله )
أغسطس 2nd, 2006 at 2 أغسطس 2006 12:44 م
الله يفرج كربكم ويسهل أموركم ويكبت كيد عدوكم