الدوامة الأمريكية في العراق: بين الانسحاب و البقاء
كتبهاعلي حسين باكير ، في 30 تشرين الأول 2007 الساعة: 15:26 م
مكان النشر: مجلة البيان – المملكة العربية السعودية
تاريخ النشر: عدد شوّال 1428
بقلم: علي حسين باكير

يستمر مسلسل النزيف الأمريكي في العراق باستمرار بقاء القوات الأمريكية , إذ تعيش الولايات المتّحدة في العراق بين فكّي كماشة و لديها خيارين أحلاهما مر.
يتمثّل الخيار الأول في ترك العراق و الانسحاب منه، و يضغط الرأي العام الأمريكي حاليا باتجاه تحقيق هذا المطلب و تصب أعمال المقاومة العراقية في نفس الخانة و الاتجاه. فالخسائر الأمريكية البشرية و المادية و العسكرية في تصاعد، و لم يعد باستطاعة الإدارة الأمريكية إخفاء هذا عن الرأي العام الداخلي أو التقليل من آثاره و تداعياته.
امّا الخيار الثاني فيقتضي تحمّل الخسائر المادية و البشرية و العسكرية الباهظة الثمن و البقاء في العراق، و هذا يعني الخضوع لمعادلة الاستنزاف التي تفرضها المقاومة العراقية و التي لن تنتهي الاّ بانسحاب القوات الأمريكية.
البقاء في العراق و التكلفة المالية و البشرية و العسكرية
التكلفة المالية الحقيقية المتصاعدة و التي تشكّل استنزافا حقيقيا لخزانة الولايات المتّحدة المالية و التي تضغط بقوّة على دافع الضرائب ايضا تترواح وفقا للخبير الاقتصادي "جوزيف ستيغليتز" فانّ التكلفة الحقيقية للحرب على العراق تتراوح بين 750 مليار دولار و 1.2 تريليون دولار العام 2006 و حوالي أكثر من 2 تريليون دولار اذا بقي الاحتلال للعام 2008 و ما بعد ، و ذلك استنادا للمعيار المعتمد و الحسابات الحذرة و المعتدلة و المتحفظة.
امّا بخصوص التكلفة البشرية فقد أصبحت باهظة جدا و هناك تقارير اجنبية و امريكية غير رسمية تفيد بأن العدد الحقيقي للقتلى الأمريكيين في العراق تجاوز الـ 15,000 منذ سنة، هذا غير عدد الجرحى و المصابين و الفارين و المنتحرين الغير معروفي الهوية او المصير.
اذ يكشف تقرير طبي أمريكي صدر مؤخرًا انتحار ما لا يقل عن 5000 جندي أمريكي من العائدين من حربي العراق وأفغانستان بسبب التقصير في تقديم العلاج النفسي لهم.
و اشار التقرير الى ارتفاع حالات الانتحار لدى الجنود الذين يقصدون العيادات الصحية بعد انتهاء خدمتهم إلى 1000 جندي سنويًا من أصل 5000 جندي سابق ينتحر كل عام.
امّا من الناحية العسكرية، فتأتي معظم الخسائر الأمريكية في العتاد و الأرواح نتيجة للمتفجرات البدائية الصنع التي تزرع على جانب الطريق ام يتم تمويهها في اماكن اخرى و يطلق عليها اسم "آي أي دي".
و على الرغم من انّ البنتاغون يمتلك رجالا آليين و طائرات استطلاع متطورة الاّ انّ هذه الوسائل من لم تنجح في رصد المقاوميين و اماكن وضع المتفجرات على جانبي الطرقات ،فانشأ البنتاغون وحدة خاصة في العام 2004 تنحصر مهمتها في محاربة المتفجرات البدائية الصنع و ايجاد وسائل لتفادي السقوط نتيجة لانفجارها، و قد أنفقت هذه المنظمة 6.3 مليار دولار وتستخدم قوة مؤلفة من 400 شخص، و مع ذلك فلم تستطع الحد من تأثيرات التفجيرات البدائية التي تقتل كل يوم جنودا أمريكين.
الانسحاب من العراق و التخوف الامريكي
الانسحاب الأمريكي من العراق يمثّل خشبة الخلاص للجيش الامريكي و للادارة الامريكي و لكن الانسحاب تعترضه عدد من المخاوف التي تؤجّل حصوله بالاضافة الى وجود خطط مسبقة تقتضي البقاء في العراق لفترات طويلة الاجل و تحويله الى اكبر قاعدة امريكية في الشرق الأوسط.
من هذه المخاوف:
أولا: ازدياد النفوذ الايراني في العراق. فالانسحاب الامريكي يعني ترك العراق لقمة سائغة لايران خاصة انّ لا نفوذ عربي في العراق على الاطلاق لا من الناحية السياسية و لا من الناحية الاقتصادية و لا حتى من الناحية العسكرية ذلك انّ الدول العربية على خلاف مع المقاومة العراقية السنيّة التي تشكّل الامتداد الطبيعي للعمق العربي و السني، و بالتالي فالمستفيد الوحيد من كل ما يجري و الذي سيعمل على توسيع رقعة نفوذه هو ايران، و هذا ما لن تقبله الولايات المتّحدة حاليا و لا الدول العربية التي تبدو عاجزة عن فعل أي شيء.
ثانيا: تتخوف الولايات المتّحدة من ان يؤدي انسحابها بهذا الشكل المزري تحت ضربات المقاومة العراقية الى ان يعلن تنظيم القاعدة انتصاره على الولايات المتّحدة و هو الأمر الذي سيعطي كل الجماعات المقاتلة زخما قويا لمحاربة النفوذ الامريكي في العالم و سيعني انّ حرب امريا على الارهاب التي انطلقت في العام 2001 منيت بهزيمة ضخمة في العام 2007.
ثالثا: الانسحاب الامريكي الشامل يتعارض مع خطط امريكية مسبقة بتحويل العراق الى اكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط. ففي زيارته للقيادة الأمريكية في المحيط الهادي التي يقع مقرها في هونولولو، قال وزير الدفاع الأمريكي "روبرت غيتس" إن الولايات المتحدة تتطلع إلى "وجود طويل ومستمر" في العراق يتم بموجب ترتيبات متفق عليها بشكل ثنائي مع الحكومة العراقية و يمكن لها أن تكون على غرار النموذج الكوري الجنوبي، أو على غرار الترتيبات الأمنية مع اليابان و مثل تلك التصريحات، والتخطيط العسكري الذي يرافقها، تجهض بشكل واضح، بل وتُسَفِّه، الجدل الدائر في الوقت الراهن في الكونغرس، وفي الصحافة، و في الرأي العام الأمريكي حول ما إذا كان يجب على الولايات المتحدة أن تحدد موعداً نهائياً لانسحاب قواتها من العراق، أو ما إذا كانت الزيادة الأخيرة في أعداد القوات في هذا البلد تحقق نتائج إيجابية أم لا.
صحيح انّ الديمقراطيين يضغطون باتجاه جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق في العام 2008، إلاّ أنّ أحدا لم يقل انهاء الوجود الامريكي في العراق. و من هذا المنطلق، فإن عملية بناء القواعد العسكرية الأمريكية في العراق تمضي على نحو حثيث، وبتكلفة تزيد على مليار دولار في العام حسب العديد من التقارير الصحفية التي تحدّثت مرات عديدة عن القواعد هائلة الحجم التي بنتها الولايات المتحدة في العراق والتي تواصل توسيعها.
فعلى سبيل المثال، هناك قاعدة "بلد" الضخمة التي تقع على مساحة 14 ميلاً مربعاً وتبعد 40 ميلاً إلى الشمال عن بغداد، وكانت تشغلها سابقاً الكلية الجوية العراقية. وهناك قاعدة أكثر ضخامة هي قاعدة «الأسد» التي تقع على مساحة 19 ميلاً مربعاً، وهناك قاعدة "الطليل" وقاعدة "الصقر" وقاعدة "القيارة" في الشمال.
و قد أقامت الولايات المتحدة 110 قواعد بعد الغزو مباشرة، وعلى ما يبدو، فأن الخطة الحالية تهدف إلى تعزيز القواعد الأربع عشرة "الدائمة" التي تقع في كردستان العراق، وفي مطار بغداد، ومحافظة الأنبار، وفي المداخل الجنوبية للعاصمة بغداد.
كما أن بناء سفارة أمريكية قادرة على استيعاب 1000 موظف، وتقام على مساحة 100 فدان على ضفاف نهر دجلة -لتصبح أكبر سفارة أمريكية في العالم- لا يشير إلى انّ الولايات المتّحدة تريد الرحيل نهائيا عن العراق.
في جميع الأحوال، يتطلب فوز الولايات المتحدة في العراق ثلاثة أمور:
1- إلحاق الهزيمة بالمقاومة العراقية.
2- إقامة حكومة مستقرة تكون صديقة للولايات المتحدة، و تحد من النفوذ الايراني.
3- الحفاظ على دعم الشعب الأمريكي للادارة الأمريكية بينما يجري العمل على إنجاز الأمرين الأولين.
و بما انّ أيّا من هذه الأمور الثلاثة لا يبدو ممكنا بعد الآن، او لم يتم تحقيقه على الأقل، خاصة انّ الجيش الأمريكي نفسه لم يعد يعتقد أنه قادر على هزم المقاومة. بالاضافة الى أنّ احتمال قيام حكومة مركزية مستقرة بالحد الأدنى المطلوب تقريبا اصبحت تساوي صفرا بعد تجربة جميع الحكومات و آخرها حكومة المالكي.
و فوق هذا و ذاك فان الشعب الامريكي اصبح يعي انّ بلاده غارقة في دوامة العراق و هو يريد ان ينهي هذه المأساة و ان تطلّب ذلك خروج القوات الامريكية من العراق.
اقرأ أيضا:
خاص: حقيقة عدد القتلى الأمريكيين في العراق-تي بي آر نيوز تنشر تقريرنا باللغة الانكليزية
300 جندي أمريكي بين قتيل و جريح على أطلال "الصقر"
الفوضى الاقليمية في أجندة أمريكا, ايران و سوريا
التكلفة المالية الحقيقية للحرب الامريكية على العراق
معركة الصلاحيات بين الرئيس الأمريكي و الكونجرس
"فرص ضائعة: انفاق بوش الدفاعي في غير محلّه"
لائحة الخيارات الأمريكية في العراق للعام 2007
مذكّرة رامسفيلد "الأخيرة" حول الخيارات الأمريكية في العراق
السعودية ستتدخل لتحمي السنّة اذا انسحب الأمريكيون
منطق الانسحاب الأمريكي من العراق
400 يوم و من ثمّ الخروج, استراتيجية للخروج من العراق
نحو استراتيجية امريكية فعّالة في العراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أمريكا, العرب | السمات:أمريكا, العرب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























