مكان النشر: الاسلام اليوم
تاريخ النشر: 25-10-2007
بقلم : علي حسين باكير

جاءت استقالة سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني و المسؤول عن الملف النووي "علي لاريجاني" السبت الماضي لتثير سيلا من التساؤلات حول سبب الاستقالة و عمّا اذا كان سينتج عنها تغيّر في سياسية ايران التفاوضية، و اذا ما كانت ستدفع هذه الاستقالة الى التشدّد في النهج التفاوضي الايراني، و هل يعدّ ذلك انتصارا للرئيس أحمدي نجاد على خصومه الداخليين...؟
اشارت معظم ان لم نقل كل التقارير و التحليلات الى انّ استقالة علي لاريجاني تعدّ مؤشّرا على تزايد نفوذ الرئيس الايراني و تياره في الحياة السياسية الايرانية، و انّ هذه الاستقالة تعدّ ضربة لخصوم الرئيس و انتصارا لسياساته المتّبعة.
يعدّ الخلاف الحاد بين نهج و اسلوب لاريجاني في في ادارة المفاوضات النووية و النهج و الاسلوب الذي يريده الرئيس نجاد أحد اهم الاسباب التي دفعت الأوّل لتقديم استقالته. فقد اشتكى لاريجاني مرّات عديد من تدخّل الرئيس في اختصاصه كسكرتير للمجلس الاعلى للأمن القومي الايراني و كمسؤول عن الملف التفاوضي النووي، على الرغم من الانجازات التي قدّمها في ملفات: البحّارة البريطانيين، العراق، لبنان و فلسطين.
و كان لاريجاني قدّم استقالته من قبل خمس مراّت متتالية خلال اشهر قليلة فقط، و في كل مرّة كان يتم رفضها من قبل المرشد الاعلى علي الخامنئي و الرئيس. و لعلّ الرفض في حينه كان يعود الى عدم توافر البديل بالاضافة الى معرفة المرشد الاعلى و رئيس الجمهورية ايضا بالحكنة و المهارة التفاوضية و الديبلوماسية التي يتمتع بها لاريجاني و بخبرته في ادارة التفاوض في الملف النووي، الامر الذي سيعني في حال اقالته حصول فراغ او تأخّر في الديبلوماسية النووية.
بطبيعة الحال، الخلاف الحاصل بين الرجلين خلاف على الاسلوب و ليس على المبدأ. فكلاهما لا يريد ان توقف ايران تخصيب اليورانيوم. لكن في حين يفضّل نجاد ان يستعمل الاسلوب المباشر في القول للمجتمع الدولي "افعلوا ما شئتم، لن نوقف التخصيب"، يجنح لاريجاني بحكم خبرته التفاوضية و الديبلوماسية و حنكته السياسية الى القول عمليا "تعالوا لنتفاوض على ما نختلف عليه".
و بين هذا و ذاك، جاءت استقالة لاريجاني، الاّ انّنا لا نقرأها بالضرورة على غرار ما ادلى به معظم المحللين. فاستقالة لاريجاني لا تعني بأي حال من الاحوال هزيمة له و لا انتصارا لنجاد. و لعل الهدف على ما يبدو من الاقدام على هذه الخطوة و الموافقة على الاستقال في هذا التوقيت:
1- الايحاء بأنّ ايران ذاهبة الى التشدد في سياستها النووية و انّ اسلوب التفاوض البرّاق و الناعم قد انتهى.
2- كسب مزيد من الوقت و العودة الى نقطع الصفر. اذ من الملاحظ انّ ايران تعتمد على اسلوب "تمرير الوقت" في سياستها النووية، و كلّما وصلت هذه السياسة الى مأزق مع الغرب، تقوم ايران باستدارة داخلية لتعيد خلط الأوراق من جديد.
3- ارباك المفاوضين الأروبيين و الغربيين. صحيح انّ لاريجاني استقال من منصبه كمسؤول عن الملف النووي التفاوضي الايراني، لكن و كما تلاحظون فهو بقي في الفريق التفاوضي نفسه و الى جانب المفاوض الجديد "جليلي" الذي حلّ محلّه، بل انّ الثقل لايزال لدى لاريجاني في داخل هذا الفريق كما لوحظ في الاجتماع الاخير مع منسق العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي خفيير سولانا. و هذا ما يعني انّ على الغرب التفاوض مع عدّة مفاوضين ايرانيين، مما من شانه ان يزيد التعقيد في المفاوضات الصعبة اصلا.
هذا في جانب الملف النووي. امّا في جانب السياسة الداخلية الايرانية، فالمراقب للتفاعلات الدخلية عن كثب، يستطيع ان يلاحظ انّ فريق نجاد هو الخاسر الأكبر. اذ خسر الرئيس جميع الميادين الداخلية التي خاضها، و نكث جميع وعوده و عهوده التي قطعها على الشعب الايراني من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية و حتى الاصلاحية. و نتيجة لهذه السياسة، قدّم عدد من الوزراء و المسؤولين و الموظفين الرفيعين المستوى داخل حكومة أحمدي نجاد استقالاتهم سابقا و يعدّ لاريجاني سابعهم، و هم:
1- وزير المناجم والصناعة الايراني "علي رضا طهمسبي" و الذي انتقد في كتاب استقالته سياسات الرئيس بشدّة غير معهودة محتجّا عليها و محمّلا اياه مسؤؤولية نقص الاستثمارات و انعدامها في المجال الصناعي نتيجة لتوجهاته المتشدّدة، و تدخّلاته في التعيينات الداخلية في اجهزة الوزارة ما ادّى الى صعوبات هيكلية في ادارة القطاع.
2- وزير النفط الإيراني "كاظم وزيري هامانه" الذي استقال نتيجة لخطط الرئيس الإيراني اجراء تغييرات واسعة في وزارة النفط، يرى كاظم انّها تضرّ بالقطاع و بالتالي ليس عليه تحمّل هكذا مسؤولية لم يتّخذها هو. علما انّ احدى اهم النقاط التي قام عليها برنامج الرئيس نجاد الانتخابي الرئاسي و التي فشل في الايفاء بها كما بغيرها كانت وعده بوضع "النفط على موائد الفقراء".
3- محافظ البنك المركزي الايراني ابراهيم شيباني، و ذلك احتجاجا على سياسة الرئيس محمود احمدي نجاد المالية التي وضت البلاد في مأزق مالي و اقتصادي على الرغم من الارتفاع الهائل لاسعار النفط و الذي زاد من مدخول الدولة و هو ما كان من المفترض ان ينعكس ايجابيا على الاقتصاد و المواطن الايراني!!
4- وزراء كل من التعاونيات و الشؤون الاجتماعية و رئيس منظمة التخطيط و الميزانية بالاضافة الى لاريجاني.
و يبدو انّ دومينو الاستقالات هذه لن يتوقف بعدما حصلت تسريبات عن نيّة وزير الخارجية منوشهر متّكي الاستقالة من منصبه كوزير خارجية. و امام هذه المعطيات، يبدو انّ الملف النووي الايراني بات يشكّل "خشبة الخلاص" للرئيس أحمدي نجاد بعد ان فشل في الجانب الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي و الاصلاحي. و عليه فهو يعوّل على تحقيق انتصار في هذا الجانب يُنسي الايرانيين الملفات الاخرى و يشغلهم به، و لعل هذا احد اهم اسباب تشدد الرئيس الايراني في الموضوع النووي مقارنة باللاعبيين السياسيين الآخرين في ايران. و لا يمكن تفسير هذه الاستقالات حصرا بأنّها انتصار لسياسة الرئيس بقدر ما يمكن ان نصّنفها في اطار الهزيمة و التراجع الذي يعاني منه الرئيس نتيجة للفشل الداخلي و الذي لا يرغب احد من المعارضين له ان يشاركه فيها....بمعنى فليتحمّل المسؤولية بنفسه.
اقرأ ايضا:
كتبها علي حسين باكير في 02:54 مساءً ::
الاسم: علي حسين باكير
