تعقيدات الأزمة التركيّة الأمريكية الكردية و أثرها على العراق

كتبهاعلي حسين باكير ، في 23 تشرين الأول 2007 الساعة: 16:55 م

مكان النشر: جريدة الشرق القطرية

تاريخ النشر: 23-10-2007 / العدد 7068 / ص18

بقلم: علي حسين باكير

تعاني العلاقات التركية الأمريكية أزمة شديد و خطيرة تحمل معها انعكاسات سلبية قد تمتد خارج الاطار الثنائي لتطال مواضيع عديدة و في طليعتها الموضوع العراقي و حزب العمال الكردستاني المتمركز شمال العراق.

الأزمة في العلاقات الثنائية بين البلدين تعود الى تاريخ 1 آذار 2003 عندما رفض البرلمان التركي في جلسة تاريخية له السماح للولايات المتّحدة باستخدام الأراضي التركية لشن هجوم عليه، و قد اثار هذا القرار غضب المحافظين الجدد لاسيما "بوول ولفوفيتز" و "دونالد رامسفيلد" الذين طالبا آنذاك بمعاقبة تركيا، مستغربين رفض بلد عضو في حلف شمال الأطلسي و حليف قوي الطلب الامريكي بالمساعدة في أصعب الأوقات.

و تدهور الموقف بشكل كبير فيما بعد خاصّة بعدما القت الولايات المتّحدة القبض على 11 عنصرا من القوات الخاصة التركيّة الموجودة في العراق و اهانتهم و اجرت تحقيقات مطولة معهم. و يبدو انّ الولايات المتّحدة قرّرت منذ ذلك الحين اعطاء الأولوية للعلاقة مع الأكراد على العلاقة مع تركيا و ذلك لعدد من الأسباب منها:

1- انّ تركيا خذلك الولايات المتّحدة "وفق المنظور الأمريكي" في أصعب الظروف و أكثرها اضطرارا عند اجتياح العراق، في حين أنّ الأكراد تطوّعوا لسد هذه الثغرة و مساعدة الولايات المتّحدة انطلاقا من المناطق الشمالية في العراق.

2- انّ الولايات المتّحدة بحاجة للأكراد بالنسبة للوضع الراهن في العراق و بالتالي لا تستطيع التفريط بهذه الورقة من أجل ارضاء الأتراك، لانّ ذلك يعني فقدان الولايات المتّحدة لشريك اساسي و ورقة مهمة من الأراق في الداخل العراقي اذا ما اعتبرنا انّ شريحة واسعة من الشيعة تتبع لايران في حين يتخندق السنّة في خندق المقاومة و تبقى الورقة الكردية الأفضل للأمريكيين في هذه الطروف.

3- انّه يمكن للولايات المتّحدة استخدام الأكراد في مواجهة تركيا كعقاب لها على تمرّدها في حين انّ العكس سيقوّض من مصداقية الولايات المتّحدة لدى الأكراد.

 

في المقلب الآخر من القضية، يرى الاتراك انّه من غير الممكن لأمريكا ان تفرض عليهم شروطها، فهم و ان لم يتدخلوا في منطقة الشرق الأوسط و شؤونها لمدّة طويلة و بقوا على الحياد، الاّ انّ ذلك لا يجب ان يُفسّر على انّ تركيا ضعيفة و غير قادرة على التعامل مع الأحداث و التطورات.

لقد أهملت الولايات المتّحدة المصالح التركيّة في المنطقة، بل و أضرّرت بها ضررا شديدا، فاذا ما قارّنا على سبيل المثال المنافع التي حقّقتها امريكا لايران سواءا بطريقة مباشرة او غير مباشرة عبر تدمير أفانستان و العراق بالمنافع التي حصلت عليها تركيا لتبيّن لنا سبب الغضب التركي.

لقد كانت تركيا من اشد المتضررين من هاتين الحربين و تحمّلت خسائر اقتصادية ضخمة جدا بالاضافة الى ازمة النفط و الطاقة و الكهرباء و اصبح لدى تركيا قلق دائم و مستمر من حصول الاكراد على استقلال و الانفصال عن العراق و هو الامر الذي سيجرّ كارثة حقيقة عليها ان حصل و من غير الممكن ان تسمح بحصوله اصلا.

عدا عن هذا و ذاك، فقد نكثت الولايات المتّحدة العديد من عهودها مع تركيا دون ان تعوّض عليها او غير ملتفتة الى موقع تركيا و اهيمتها الاقليمية خاصة فيما يتعلق بأربعة مواضيع اساسية هي:

1-  القضية القبرصية: فقد وعدت الولايات المتّحدة و اوروبا حينها القبارصة الاتراك ان صوّتوا "بنعم" حيال خطّة انان لتوحيد الجزيرة بان يتم رفع الحصار عنهم و دمجمهم في الاتحاد الاوروبي. و لمّا قام القبارصة الاتراك بالتصويت "بنعم", لم يتحقق شيء من هذه الوعود و بدلا من معاقبة القبارصة اليونانيين على تصويتهم بـ"لا"، تمّ دمج الاخيرين في الاتحاد الاوروبي!!

2-  العراق: لقد وعدت الولايات المتّحدة تركيا بأنّها ستحافظ على وحدة و تماسك العراق عندما يتم دخوله، و انّها لن تسمح بقيام دولة كردية في الشمال. لكنّ الواقع الحالي يشير الى عكس ذلك تماما، فقد تمّ القفز على جميع الوعود عندما اصبح طرح تقسيم العراق علنيا عبر مشروع قرار الكونجرس الامريكي للمرشح الرئاسي الديموقراطي السناتور "بايدن" الداعي الى تقسيم العراق الى ثلاث فيديراليات (كردية وسنية وشيعية) و الذي وافق المجلس عليه بأغلبية الثلثين 75 صوتا.

3-  حزب العمّال الكردستاني: يدرج كل من تركيا و أمريكا حزب العمّال الكردستاني ضمن قوائم الحركات الارهابية. و قد عملت تركيا جاهدة خلال السنوات الاخيرة الماضية للفصل بين موضوع الاكراد بشكل عام و بين موضوع حزب العمّال الكردستاني، فاندمج معظم اكراد تركيا ضمن الحراك الاجتماعي و السياسي التركي خاصّة خلال حقبة حكم حزب العدالة و التنمية، و بقيت مشكلة حزب العمال الكردستاني الذي ينطلق من الاراضي العراقية قائمة. و كانت الولايات المتّحدة تعهّدت بعدم السماح له بالعمل من العراق ضد تركيا، لكنّ الواقع على الارض يشير الى عدم حصول ذلك. بل على العكس هناك شبه رعاية غير معلنة من قبل الاكراد العراقيين لهذا التنظيم و هو الامر الذي ساعد على ارتفاع عدد اعضائه خلال 3 سنوات بخمسة آلاف عنصر و ارتفاع عدد معسكرات التدريب وفق بعض المصادر الى 20 معسكر.

4-  القضيّة الأرمنية: لقد جاءت القضية الارمنية لتصبّ الزيت على النار في الآونة الاخيرة، و قد اثار تبني الكونغرس لقرار لقرار يعتبر ما يسمى مجازر الارمن عام 1915 ابادة جماعية تتحمّل تركيا مسؤوليتها، غضب الاتراك و اضرّ كيرتا بالعلاقات التركية سواءا على مستوى الصف السياسي او حتى العسكري التركي الذي لا يمكن له ان يقبل ذلك مطلقا.

 

من جهة أخرى،  تحاول تركيا ان لا تجمع الأكراد في سلّة واحدة و هي توضّح انّ مواجهتها محصورة مع حزب العمّال الكردستاني و ليس مع أي طرف آخر. و بما انّ هذا الحزب ينطلق في عملياته من شمال العراق الذي تسيطر عليه البشمركة الكردية و القوات الامريكية المحتلّة للعراق و بما انّه مدرج ضمن قوائم الحركات الارهابية، فانّ أنقرة لا تفهم لماذا لا يتحرّك الجانب الأمريكي أو الكردي العراقي لصد هذه المنظّمة؟! الاّ اذا كان هناك تفاهم خفي بين اكراد العراق و امريكا على ابتزاز تركيا عبر هذا الحزب او انهما لا يريدان ان يتورطا معه في نزاع مسلّح.

لكن لو افترضنا انّها لا يريدان مواجهته عسكريا، فلماذا لا يتم السماح لتركيا باستئصاله؟! امريكا لا تريد ان تقمعه و لا تريد من تركيا ان تدخل لتقمعه و لا تطلب من اكراد العراق قمعه!!! اذا ما الحل في وسط هذا المأزق؟!!

ما توقعناه في مقالاتنا السابقة حصل، اذ انهار الاتفاق الامني التركي-العراقي سريعا، و الحكومة التركية التي لطالما كانت تعارض الحل العسكري و تعطي العمل الديبلوماسي اولويّة لم يعد بامكانها السكوت امام غضب الطبقة العسكرية التي اصبحت تريد الحسم بالقوة اكثر من أي وقت مضى.

تحاول الحكومة التركية حاليا ايصال رسائل سريعة و جديّة الى كافة الاطراف المعنيين بانّ عملية اجتياح شمال العراق جديّة و ليست مجرّد مناورة، و هي اتّخذت سلسلة من الاجراءات الرسمية بهذا الخصوص كاستصدار قرار من البرلمان على امل ان تشعر امريكا و العراق بجديّة المسألة و يتحركوا لمعالجتها، و الاّ فانّ الامر سيعود للجيش التركي حينها و لا يمكن لأحد أن يلومه.

بالنسبة للعمل العسكري، صحيح انّ التدخل التركي قد ينقلب مأزقا للقوات التركية اذا لم يتم التعامل مع الامور بسرعة و حكمة و حسم، لكن لا خيار آخر امام تركيا، فالتدخل العسكري يعتبر خيار "الفرصة الوحيدة" بعد استنفاذ كافّة الفرص السابقة السياسية و الديبلوماسية. الأرجح ان كان هناك من هجوم للقوات التركية على معاقل حزب العمّال الكردستاني، ان يتم ذلك خلال الاسبوعين القادمين و قد تحصل تطورات تعجّل من التدخل العسكري. اذ انّ تأخير هذا العمل العسكري لاكثر من شهر سيعرّض الحملة العسكرية لفشل ذريع نتيجة تساقط الثلوج و حلول فصل الشتاء الذي يعطي المقاتلين الانفصاليين افضلية على الارض خاصّة اذا حظيو بدعم معلن او غير معلن من قبل اكراد العراق.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تركيا | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “تعقيدات الأزمة التركيّة الأمريكية الكردية و أثرها على العراق”

  1. اخي علي :

    القضية من وجهة نظر تركية - حسب ظني - لن تعدو أحداث الـ 1999 تجاه سوريا حيث حشدت تركيا الحشود على حدود سوريا لتجبرها على طرد عبد الله أوجلان .

    وأعتقد العسكريين الترك واعون لقضية التوريط الأمريكي لهم في شمال العراق من أجل ابتزازهم .

  2. اخي فائق

    المسألة اكبر هذه المرة و هناك ضغوط شعبية داخلية تركّية، الحكومة لازالت تضبط نفسها و لكن الحسود على الحدود ليست مناورة سياسية و ان كانت كذلك في وقت سابق فانها ليست كذلك الىن خاصة بعد العمليات الاخيرة ضدّ الجنود الاتراك

    شكرا على مرورك و تعليقك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر