اللقاء الإيراني ـ الأميركي: الدوافع والأهداف
كتبهاعلي حسين باكير ، في 20 أغسطس 2007 الساعة: 19:03 م
المستقبل - السبت 11 آب 2007 - العدد S1015 - رأي و فكر - صفحة 11
بقلم: علي حسين باكير

شكل اللقاء بين إيران والولايات المتحدة الأميركية نقطة محورية في سياق الأحداث الإقليمية المتراكمة، وتحظى هذه المحادثات بأهمية كبرى خاصة انها المحادثات المباشرة الأولى من نوعها بين البلدين منذ العام 1980.
لقد تميّزت فترة العقدين الماضيين بإجراء محادثات سرية أو اعتماد ديبلوماسية الأبواب الخلفية وهي الأسلوب المفضّل لدى الإيرانيين عادة لحفظ ماء الوجه والحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب. وتعتبر جلسات المحادثات التي تمت قبل غزو أفغانستان في العام 2001، وقبل غزو العراق في العام 2003 من أهم المحادثات السرية التي حصلت بين الطرفين، خاصة ان إيران كانت قد تقدّمت بعرض سري في ذلك العام تتعهد فيه بالاعتراف بإسرائيل وسحب دعمها لحزب الله مقابل منحها الهيمنة على الخليج العربي وإشراكها في الترتيبات الأمنية التي تجري فيه والاعتراف بها "قوة عظمى إقليمية شرعية".
رفضت الولايات المتحدة حينها هذا العرض لانها كانت تعتبر انها في موقع القوة وان زمن الإطاحة بالأنظمة القائمة قادم.
الوضع الآن تغيّر وانقلبت الموازين واختلطت الأوراق، وكل يملك ما يستطيع ان يضغط به على الآخر. وهناك دوافع عديدة لعقد مثل هذا الاجتماع من بينها ضغوط داخلية لدى الطرفين. إذ ان الديموقراطيين يضغطون على الرئيس الأميركي وعلى الجمهوريين بذريعة ضرورة فتح قنوات اتصال وتواصل مع إيران لحل المشاكل العالقة وفي مقدمتها الوضع في العراق والاستقرار في المنطقة.
فيما تنطبق نفس الفكرة على الوضع الداخلي الإيراني الذي بدأ يتململ من سياسة أحمدي نجاد الفاشلة في إدارة الأزمة سواءً في الملف النووي أو في العلاقة مع الدول المجاورة والتي أدّت إلى تزايد الضغوط وعزل إيران عن محيطها الإقليمي والدولي، وفي مقدمة هؤلاء رئيس مصلحة تشخيص النظام هاشمي رافسنجاني إضافة إلى عدم وجود مانع من لقاء الأميركيين إذا كانت المصلحة الإيرانية تقتضي ذلك خاصة انه قد حصل عدد من اللقاءات السرية التي كانت لها نتائج باهرة في مصلحة إيران كما سبق وذكرنا.
الولايات المتحدة وعبر الجمهوريين بقيادة الرئيس بوش أقحمت أعداداً ضخمة من الجيش الأميركي في العراق منذ بدء الاحتلال وحتى اليوم، ومع ذلك فانّ إنجازاتها في تحقيق الأمن والاستقرار وتطوير العملية السلمية تبدو ضئيلة جداً أو حتى غير موجودة على الاطلاق. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية بسرعة في العام 2008، فانّ الوقت المتبقي للجمهوريين ليظهروا للرأي العام الأميركي انهم حققوا تقدماً ملموساً في العراق ونجحوا في تحقيق خططهم، يكاد ينفد.
وبما انّ إيران هي اللاعب الأساسي (يكاد يكون الوحيد عملياً في ظل الغياب العربي) على أرض العراق، فانّ من مصلحة الولايات المتحدة استمالة إيران لدفعها إلى وقف دعم الميليشيات الشيعية التي تهدد الأمن والاستقرار عبر تفجيرها الحرب الطائفية، وأيضاً إتاحة الفرصة لإشراك البعثيين في العملية السياسية ـ على اعتبار انّ العراقيين التابعين للنفوذ الإيراني هم من يحدّون من هذا التوجه ويعارضونه ـ، وذلك لإنضاج العملية السياسية وعزل وتطويق المقاومين السنّة الذين لا يستطيع الأميركيون إيجاد حل لهم قبل التطرّق إلى المواضيع السابقة.
في المقابل، ترى إيران انّ لا مجال لحل أي إشكال أو ملفات عالقة من دون التفاوض المباشر مع الأميركيين، الأمر الذي سيوفر الكثير من الجهد والوقت، وانه إذا كان من بد لعقد هذا اللقاء للتفاوض معهم، فمن الأفضل أن يتم في هذه اللحظة التي يعتقد الإيرانيون فيها انّ الرئيس الأميركي وإدارته في موقف ضعيف مما سيسهّل عملية التفاوض ويحقق المصالح الإيرانية، وهو الأمر الذي سيصعب تحقيقه فيما لو تمّ التفاوض مع الرئيس الجديد الذي ستكون مساحة تحركه وخياراته أكبر بكثير مما يمتلكه الرئيس بوش.
في المبدأ تريد الولايات المتحدة الأميركية عراقاً أميركياً في الولاء والمصالح والثقل الجيو ـ سياسي في المنطقة، وهي دخلت إليه وفي ذهنها ان يكون مركزاً لأكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط، وهي لا ترى بأساً في تقسيمه إذا كان لا بدّ من ذلك. لكنّ تحوّل المسار وظهور المقاومة وتدهور الأوضاع السياسية والأمنية، وأيضاً موقف تركيا والدول العربية الرافضة للتقسيم، أدى إلى انحراف الهدف عن مساره بحيث أصبحت الولايات المتحدة تكتفي في أن يكون العراق على الأقل في المرحلة الحالية:
1 ـ بلداً مستقراً، من دون جماعات مسلحة أو فوضى مذهبية، لان ذلك سيحد من خسائرها البشرية ويتيح لها التخفيف من عديد قواتها المستنزفة هناك، كما سيخدم مقولة انها لم تخض الحرب هباءً وانّ هناك إنجازات ملموسة على الأرض.
2 ـ ذو نظام سياسي موالٍ لها، وإن كان ذلك مستحيلاً، فان لا يكون موالياً لإيران على الأقل. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا بدّ من إشراك أكبر عدد ممكن من القوميات ومن العرب السنّة ومن البعثيين ليصبح هناك شبه توازن سياسي في توجه الحكومة لكي لا تكون في الأحضان الإيرانية.
3 ـ ان يتم طمأنة الجوار العربي بانّ الحكومة ستكون مقبولة رغم هيمنة الشيعة عليها وانها ستكون محايدة تجاه إيران ومعادية للجهاديين.
في المقابل، ترى إيران انّ هذه فرصة تاريخية لتوسيع الرقعة الموالية لها ونفوذها الجيو ـ سياسي ليشمل العراق، على اعتبار انّ ذلك يضمن لها إحكام السيطرة على منطقة الخليج العربي بالكامل وعلى المساحة الممتدة من إيران وحتى فلسطين غرباً، وذلك في إطار منظومة تهدف إلى مدّ نفوذه بعد الانتهاء من هذه المنطقة، غرباً عبر أفغانستان إلى وسط آسيا ودول الاتحاد السوفياتي السابقة.
ولا شكّ ان هذه الفرصة تساهم أيضاً في تدعيم النظام السياسي الإيراني الذي يعتمد استراتيجية الدفاع عن نفسه خلف خطوط حدوده وذلك بخلق ودعم جماعات وأنظمة موالية له تكون الدرع الأول الواقي له والمدافع عنه.
من هذا المنطلق فانّ الاحتلال الأميركي للعراق جعل من هذا البلد ساحة للنفوذ الإيراني الخالص خاصة مع مجيء نظام سياسي موال لها من ناحية التركيبة الطائفية. ما تريده إيران من الولايات المتحدة في الملف العراق يتلخص بـ:
1 ـ ضمان عدم انسحاب الولايات المتحدة بشكل فجائي أو عشوائي خوفاً من ان يؤدي ذلك إلى تقوية الجماعات الجهادية التي ستطيح حينها بالتشكيلة السياسية القائمة حالياً والموالية بطبيعة الحال لإيران. لذلك فإيران تطالب بانسحاب مجدول وان يتم بالتنسيق معها خاصة انها عرضت في أكثر من مناسبة وعبر الرئيس نجاد تأمين انسحاب مشرّف للقوات الأميركية!!.
2 ـ ليس من مصلحة إيران تقسيم العراق حالياً، لكنها على الرغم من ذلك تقوم بدعم المحافظات الشيعية على أساس انه ان كان ولا بد من تقسيم، فانّ الشيعة جاهزون ولديهم المقومات اللازمة ولإيران دور كبير في حماية مصالحها ونفوذها في هذه المحافظات. ولذلك فهي تريد ان تضمن ان لا يكون الانسحاب الأميركي كليّاً وان تبقى هناك قواعد تساعد على دعم الاستقرار والتدخل في حال أراد السنّة أو الأكراد تغيير الواقع الحالي والسياسي.
3 ـ تريد إيران أيضاً في حال تمّ الاتفاق على النقاط أعلاه، ان يتم استئصال منظمة "مجاهدي خلق" من العراق مقابل تقديم إيران المساعدات اللازمة للقضاء على الجهاديين والمؤيدين للقاعدة في العراق وذلك بوضع خطّة واضحة لضمان استقرار الوضع السياسي.
وعلى الرغم من ان الأطراف تنفي ان تطال المفاوضات المباشرة بين إيران والولايات المتحدة أي ملفات اخرى خارجة عن الإطار العراقي، إلا انّ هناك معلومات تقول انّ إيران تحاول ان تجد مخرجاً للأزمة النووية من خلال الحصول على اتفاق مع الولايات المتحدة خلال هذا الوضع الحرج بشرط ان لا يؤدي هذا الاتفاق إلى الإخلال بالبرنامج النووي الإيراني من جهة، وان يضمن ما تريده إيران في الملف العراقي من جهة ثانية، وان يفسح المجال أمام مفاوضات قادمة وهو الأمر الذي قد يصب في مصلحة إيران إذا ما تمّ الاتفاق مع الرئيس المنتهية ولايته والذي يكون في موقف أضعف من الرئيس القادم عادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أمريكا, ايران | السمات:أمريكا, ايران
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 16th, 2008 at 16 مارس 2008 3:57 م
ما شاء الله أخوي … أسلوبك جميل بالكتابة … الله يوفقك