استراتيجيات الصين النفطيّة

كتبهاعلي حسين باكير ، في 31 أيار 2006 الساعة: 18:12 م

مكان النشر: مجلة العصر

تاريخ النشر: 20-5-2005

بقلم علي حسين باكير

 

تمارس الصين حاليا دبلوماسية مطاردة النفط, فحكام الصين يتحدثون في هذا الموضوع في أي مكان يقومون بزيارته. و على الرغم من انّ شركات النفط الصينية تنوي الحصول على المزيد من الانتاج محليا باستخدام تكنولوجيا متقدمة, الاّ انّها ايضا تحسب حساب المستقبل و تعمل على الاستثمار في القطاع النفطي خارجيا و تعمل على شراء حصص من الشركات النفطية الغربية و العالمية في إطار استراتيجيتها النفطية المرسومة, و لذلك فهي طرقت ابواب دول عديدة و لها مصالح و تستورد النفط من بلدان عديدة منها السعودية, ايران, روسيا, افريقيا, آسيا الوسطى, أمريكا الجنوبية و الشمالية.

فقد أدى النمو الاقتصادي الصيني المتواصل ما بين 8% الى 10% على مدى 20 سنة, وتوسع الصين صناعيا وعمرانيا إلى تعطشها للطاقة, و بحسب بعض المصادر الخاصة بمعلومات الطاقة, فإن الصين اعتمدت في 40% من نموها خلال السنوات الأربع الأخيرة على النفط. و في عام 2003، تفوقت الصين على اليابان لتصبح ثاني أكبر مستهلك للمنتجات البترولية بعد الولايات المتحدة. وفي عام 2004، زاد استهلاك الصين النفطي 15% في حين أن انتاجها البترولي لم يزد سوى 2%. و يتوقع أن يزداد الطلب الصيني على النفط بنسبة 150% بحدود العام 2020, فاستهلاكها للنفط ينمو سنويا بنسبة 7,5% مما يعني سبع مرات تقريبا اسرع من الولايات المتّحدة, فهي تستورد حاليا 32% من حاجاتها النفطية من الخارج, و من المتوقع أن يتضاعف استيرادها للنفط ليصل الى 65% بحدود عام 2010. هذا فيما تتوقع وكالة الطاقة الدولية أنّ مستوردات الصين من النفط ستساوي في عام 2030 ما تستورده الولايات المتّحدة من النفط اليوم.

انّ قدرة الصين على تأمين احتياجاتها النفطية من أراضيها تعتبر محدودة باعتبار انّه قد تمّ التثبّت من انّ احتياطات النفط الصينية تعتبر قليلة قياسا بنسبة الاستهلاك. و بمعدلات الانتاج الحالية, فانّه من المرجّح ان تنفذ هذه الاحتياطيات في غضون عقدين من الزمان.

انّ التوقعات المستقبلية باعتماد الصين المتنامي على استيراد النفط دفعها للاهتمام باستكشاف و انتاج النفط في مناطق دول مثل: كازخستان, روسيا, فنزويلا, السودان, غرب أفريقيا, ايران, السعودية, و كندا. و لكن على الرغم من محاولتها تنويع مصادرها النفطية, فانّ الصين ستبقى تعتمد على نفط الشرق الأوسط بشكل أساسي مستقبلا, و من المتوقع أن تستورد الصين من الشرق الأوسط حوالي 70% من مجموع مستورداتها النفطية الخارجية بحلول عام 2015. و على الرغم من انّ الصين تاريخيا لم يكن لديها علاقات استراتيجية دائمة بمنطقة الشرق الأوسط, الاّ انّ علاقتها بالمنطقة التي تستورد منها معظم حاجاتها النفطية أصبحت أكثر أهمية بشكل تصاعدي.

و على العموم و من هذا المنطلق, ادركت الصين منذ عدّة سنوات أن معدل النمو السريع لديها سيؤدي إلى مزيد من الاحتياج للطاقة وان الإمكانيات المحلية ستعجز عن تحقيق ذلك ولهذا خططت في ثلاثة اتجاهات:

1-  تعزيز استثماراتها في الخارج مع التركيز على قطاع الطاقة وبخاصة البحث والتنقيب عن البترول و تنويع مصادر الحصول عليه، ولهذا ذهبت إلى السودان والجابون في أفريقيا، كما ذهبت إلى فنزويلا و الارجنتين في أمريكا الجنوبية، وإلى السعودية وعمان واليمن و ايران في غرب آسيا، وإلى كازاخستان في آسيا الوسطى ، وإلى إندونيسيا في جنوب شرق آسيا، وأستراليا. هذا الاتجاه يعكس فلسفة التنوع في السعي للحصول على الطاقة فإذا عجز مصدر ما من المصادر أمكن تعويضه بغيره من المصادر, هذا هو منهج التفكير العلمي والعقلاني والرشيد من خلال المنظور المستقبلي.

2- زيادة حجم تجارتها الخارجية وغزو الأسواق العالمية بالسلع الصينية المتنوعة الجودة حسب رغبات واحتياجات كل سوق.  هذا الحجم من التجارة والصادرات هو الذي يساعدها في توفير الأموال من العملات الصعبة لاستيراد النفط ويحول دون حدوث عجز مزمن ومتضخم في ميزانها يؤثر سلباً على نموها الاقتصادي و يعمل على تأمين احتياطات مالية.

3- حث الدول الأخرى على تمويل التنمية في الصين من خلال الاستثمارات المباشرة أو المشروعات المشتركة وخاصة في الصناعات النفطية بمنتجاتها المختلفة وبهذا تضمن ارتباطا مستمرا ومصلحة مشتركة ومنفعة متبادلة سواء مع الدول التجارية او النفطية. 

امّا فيما يتعلق باولويات الحكومة الصينية النفطية على الصعيد الداخلي, فيمكن اختصارها بما يلي:

1- تحقيق استقرار في معدلات الانتاج في المناطق الشرقية من البلاد على مستوياتها الحالية.

2- زيادة الانتاج في الحقول النفطية الواقعة في غرب البلاد.

3- تطوير البنى التحتية المطلوبة لنقل النفط و الغاز من مناطق الانتاج في غرب البلاد الى المستهلكين في شرق البلاد و التي تعد عقبة أساسية نظرا لبعد المسافة و لعوامل اخرى. و في هذا الاطار, بدأت الصين قبل عدة اشهر في تنفيذ مشروع مد خط انابيب تحت الماء الذي تقوم به شركة مجموعة البتروكيمياويات الصينية الذي يعد جزءا من مشروع خط انابيب نقل البترول الخام الممتد من مقاطعة جيانغسو شرق الصين الى مقاطعة هونان وسط البلاد. و ذلك لنقل البترول عبر نهر اليانغتسي يعد الاطول في العالم (طول الخط يبلغ 2316 مترا ويقام على عمق 60 مترا تحت قاع النهر) في مدينة جيوجيانغ بمقاطعة جيانغشي شرق الصين.

و استنادا الى "شينخوا" المتوقع ان يتم بعد اكتمال المشروع التخلص من مشكلة نقل البترول الخام في مناطق شرق الصين ووسطه مع ضمان امدادات البترول الخام وخفض نفقات النقل وزيادة القدرة التنافسية في سوق المنتجات البتروكيمياوية.

على الرغم من انّ اعتماد الصين على النفط المستورد قد زاد و هو سيستمر بالازدياد مستقبلا, الاّ انّ الاستراتيجية الصينية تقتضي السعي الى تقليل الاعتماد على استيراد النفط بل على النفط بشكل عام كمصدر مهم من مصادر الطاقة, و ذلك لعدد من الاسباب منها:

1- التخلص من عبء ارتفاع أسعار البترول وطفراته الحادة على ما في ذلك من تداعيات سيئة اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا .

2- الخوف من تعرّض طرق امداد النفط للدمار او التلف بسبب الحروب او الارهاب او غيرها من الأسباب كالأعاصير و الزلازل و بالتالي فقدان المصدر الرئيسي للطاقة في البلاد.

- القلق المتزايد من نضوب البترول أو نفاد احتياطياته وما سيترتب على ذلك من تداعيات لن تقدر المدنية الحديثة على تحمل تبعاتها.

3- التخلص من المشاكل البيئية المترتبة على إنتاج وحرق الوقود الحفري (البترول والغاز الطبيعي والفحم) مثل التلوث وزيادة درجة الحرارة على سطح الأرض وتدمير الموائل الطبيعية وهي مشاكل مقلقة تعاني الصين منها كثيرا لاسيما التلوث.

 و قد اكّدت جمعية الصين للصناعات النفطية في تقرير لها هذا العام انه بالرغم من التوقعات بان الطلب الصيني على البترول المستورد من الخارج سيصل الى 354 مليون طن هذا العام الا ان الاعتماد عليه سيقل تدريجيا بسبب تطوير مصادر تمويل الطاقة محليا, و بسبب تطوير قدرتها على توفير الطاقة واكتشاف مصادر جديدة لها لكي تكون بمصاف الدول المتقدمة في هذا المجال ما سيساعدها في تقليل الاعتماد على البترول لاسيما في ظل الارتفاع الحاد في الأسعار.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الصين | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر