الفوضى الاقليمية في أجندة أمريكا, ايران و سوريا

كتبهاعلي حسين باكير ، في 21 حزيران 2007 الساعة: 03:47 ص

مكان النشر: صحيفة السياسة الكويتية

تاريخ النشر: 15-6-2007

بقلم: علي حسين باكير

تتسارع الأحداث بوتيرة عالية في منطقة الشرق الأوسط مؤخرا في اطار نزاع المصالح لبسط النفوذ و تبادل المكتسبات و المواقع و تبدّل الأدوار و اللاعبين و التحرك باتجاه ملئ الفراغ الجيو-استراتيجي, و الأمني و السياسي الذي تركه سقوط النظامين في أفغانستان و العراق.

السمة المشتركة في هذه الأحداث وجود:

1-  ثلاث دول بدون نظام سياسي مركزي يصاحبه شلل في ادارة البلاد او عدم القدرة على ادارتها مطلقا, و هي: العراق, لبنان و فلسطين.

2-  وجود نفوذ قوي جدا لثلاث دول اقليمية و دولية في هذه البلدان بطريقة مباشرة او غير مباشرة و هي: أمريكا, ايران و سوريا, و استخدام هذه الدول لساحات العراق و لبنان و فلسطين كأوراق تفاوض و مساومة في النزاع الدائر على بسط النفوذ.

3-  تضارب مصالح الدول الاقليمية و الدولية هذه في ثنائية "تثبيت الاستقرار أو نشر الفوضى" في العراق, لبنان و فلسطين تبعا للمتغيرات و المصالح.

4-  وجود نزاع داخلي في هذه البلدان بدرجات متفاوتة, متداخل و متشابك و معقّد في العراق, ثنائي واضح في فلسطين, و ضدّ فريق واحد و أحادي في لبنان.

 

أزعم انّه لا يمكن لاحد أن يلاحق التفجيرات التي تجري هنا و هناك في هذا البلد أو ذاك ليصل الى نتيجة قاطعة بأن المحرّك واحد و انّ الهدف واحد لانعدام الادلّة الحسيّة, لكن و لكي نرى الصورة بشكل أوضح و بطريقة اقرب الى الحقيقة منها الى التخيلات و الفرضيات علينا أن نربط التطورات بسؤال جوهري هو: من الذي يدفع باتجاه الفوضى في كل بلد من هذه البلدان, و لماذا؟

ليس صحيحا انّ الفوضى حكر على أجندة الولايات المتّحدة من خلال ما يعرف باسم "نظرية الفوضى الخلاقة" التي مازال المحللون يعتمدون عليها في تسويق و تبرير نظرياتهم من انّ أمريكا تقف وراء كل الفوضى الحاصلة في المنطقة.

هذا التنظير كان صحيحا عندما بدأت الولايات المتّحدة الإطاحة بالنظامين في أفغانستان و العراق, فالفوضى في ذلك التوقيت تخدم المشروع الأمريكي و تضعف من السلطة المركزية في هذه البلدان و تتيح للأمريكي بسط نفوذه بطريقة أسهل. لكنّ الأمر انقلب تماما بعد صعود المقاومة الأفغانية و العراقية, و فشل الولايات المتّحدة في تحقيق أي تقدم على صعيد بناء دولة و سلطة سياسية في هذين البلدين. و قد انقلب الهدف الأمريكي في ذلك الوقت من الدفع باتجاه الفوضى الى تحقيق الاستقرار و ذلك لأنها بحاجة الى تقديم انجاز للمجتمع الدولي و للداخل الامريكي و التسويق من انّ حربهم لم تفشل و انهم نجحوا في بناء عراق ديمقراطي مستقر و ذو سلطة سياسية منتخبة.

في هذه اللحظة بالذات كان النفوذ السوري و الإيراني في العراق يهدف الى الإبقاء الفوضى بل و زيادتها و تغذيتها خاصة في دعم إيران لفرق الموت و عصابات الصدر في مقابل دعم سوريا للتفجيرات العشوائية و المتنقلة و التي لا تستهدف أي أمريكيين مطلقا و إنما هدفها نشر الفوضى.

و قد بقيت كل من إيران و سوريا لاعبا أساسيا في الإبقاء على الفوضى في العراق لدفع الولايات المتحدة الى التفاوض معهم على الثمن الذي سيقبضونه مقابل المساعدة على تحقيق الاستقرار. لكنّ الاتفاق بين الحكومة السورية و العراقية مؤخرا أنهى النفوذ السوري هذا أو قلّل منه بحيث أصبح الموضوع بين الإيرانيين و الأمريكيين.

ايران تمتلك ورقة الفوضى في العراق و ترميها في وجه الأمريكيين بهدف دفعهم إلى التفاوض و الحصول على مكتسبات مقابل المساعدة في تحقيق الامن و الاستقرار, و يبدو انّ الطرفان توصلا مؤخرا إلى رؤية مفادها انّ المقاومة العراقية تشكّل عائقا للاثنين و انّه لا بد من الاتفاق أولا على إيجاد وسيلة للقضاء عليها قبل استكمال النزاع بين الطرفين.

 

في فلسطين يبدو المشهد مختلفا, فالمصلحة الأمريكية تقتضي ان لا يكون هناك استقرار لصالح حماس في السلطة, و من شان ذلك ان يخفّف الضغط على اسرائيل و انّ يشغل الفلسطينيين ببعضهم البعض كما و انّه يمنع كل من سوريا و ايران من استخدام حماس كورقة تفاوض اقليمية سواءا في المباحثات السريّة الاسرائيلية-السورية, او من خلال العروض الايرانيّة السريّة التي سبق و تحدّثنا عنها مطولا في مقالات سابقة.

 

نعود لثنائية الفوضى و الاستقرار في المشهد اللبناني هذه المرّة. هناك مصلحة أمريكية واضحة في الوقت الحالي في جعل هذا البلد مستقرا و قويا, و يشكّل لبنان مفترقا مفصليا في النزاع بين الأطراف الثلاث و سقوطه في النفوذ الايراني و السوري يعني استكمال الهلال الشيعي الذي تحدّث عنه الخميني في الثمانينات و نقله بني صدر في تصريح له على قناة الجزيرة في العام 2000, حيث تسقط كل من العراق, سوريا, لبنان و فلسطين في هذا النفوذ و يتكون الشق الاول من هذا الهلال.

لكن حرب تموز العام 2006 الاخيرة و تداعيتاها أدّت الى تحجيم النفوذ الايراني الى درجة كبيرة من خلال لجم حزب الله و تكبيله, و بالتالي تعطّل دور الحزب على الحدود و الذي كان يتم استخدامه كرافعة او ورقة ضغط في يد ايران, يتم التلويح بها و تحريكها بشكل موسمي كلما كان هناك مساومات ممكنة.

في المقابل بقي النفوذ السوري قويّا و فاعلا, و بعد الحد منه في العراق لم يبقى لسوريا سوى الورقة اللبنانية لتفاوض الامريكيين عليها. السوريون يعملون على ضرب الاستقرار و نشر الفوضى المركّزة من خلال استهداف فريق سياسي واحد و من خلال تفجير مناطق ذات دلالة سياسية و مذهبية واحدة, لاظهار العجز و بالتالي افشال التركيبة هذه و الرجوع الى التركيبة السورية التي كانت قائمة سابقا خلال العقود الماضية.

بمعنى آخر, السوريون يقولون للامريكين "اذا اردتم استقرارا في لبنان فعليكم بالرجوع الينا و التفاوض معنا و مع حلفائنا في لبنان", و طالما أنّ السوريون لم يحصلوا على شيء بعد, فمن المتوقع ان يظل لبنان في اتون الفوضى و الاغتيال السياسي الى حين انقلاب المعادلة او تبدّل الأوضاع.

 

النفوذ الكلي لأمريكا, ايران و سوريا, في الدول التي نتحدّث عنها تمّت اعادة توزيعه في الآونة الأخيرة كما رأينا, و يمكن تلخيصه بالشكل التالي:

1-  العراق: الفوضى المستحدثة من صنع ايران و ضدّ المصلحة الامريكية, و النفوذ السوري تقلّص الى ادنى درجة حاليا.

2-     فلسطين: الفوضى المستحدثة من مصلحة أمريكا, و النفوذ السوري و الايراني مازال موجودا بقوّة.

3-  لبنان: الفوضى المستحدثة من صنع سوريا و ضدّ المصلحة الأمريكية, و النفوذ الايراني تقلّص بعد اغلاق الحدود الدولية و انحسر في المسائل الداخلية لصالح السوريين.

لا يعني ذلك انّه لا يوجد تشابك او تداخل من قبل اطراف خارجية في خارطة توزيع الأدوار, لكنّ دور الاطراف الخارجية اذا افترضنا وجوده فهو ضعيف جدا و غير مؤثر على مجرى الأحداث في ظل وجود نفوذ قوي لهذه البلدان الثلاث. فعلى سبيل المثال, لقد كان للقاعدة في مرحلة من المراحل مصلحة في وجود فوضى اقليمية, لكنّ الأمر لم يعد كما كان عليها, و القاعدة لا تملك ايضا القدرة الكافية لا على اشعال هذه الفوضى و لا على التحكّم بمجرياتها أو توظيفها على عكس أمريكا و سوريا و ايران. كما انّ هناك بعض الأنظمة قد استحدث "قواعد" خاصّة به و راح ينفّذ عملياته و أجندته تحت مسمى انّ القاعدة هي من يقوم بذلك, و هذا طبعا للتمويه و لابعاد الشبهات و للتنصل من المسؤوليات ايضا, و هذه الصورة واضحة بشكل قوي في المشهد اللبناني عبر سوريا.

اذا المسألة ليست كما يحاول البعض تصوريها و اختصارها بالدور الأمريكي فقط لاننا في صراع معه حاليا في العراق و افغانستان. سوريا و ايران ايضا تتحملان نفس المسؤولية و تلعبان نفس الدور السلبي و تتاجران بشعوب و مصير هذه الدول, و عليه فالتعاطي مع هؤلاء الفرقاء يجب ان يكون على وتيرة واحدة و ليس من منطلق الاجتزاء او الانتقائية في التعامل مع الأحداث و التطورت.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “الفوضى الاقليمية في أجندة أمريكا, ايران و سوريا”

  1. تحليل فيه شيء من الصحة
    كل القضية هي صراعات بالوكالة بين تلك الدول للحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ وتمرير اكبر قدر من الشروط .

  2. الأخ العزيز محمد الشهري، شكرا على زيارتك المدونة و على مشاركتك في التعقيب. اتطلع الى رؤية المزيد منها مستقبلا ان شاء الله.

    علي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر