لبنان: ماذا بعد إقرار المحكمة الدولية؟
كتبهاعلي حسين باكير ، في 5 حزيران 2007 الساعة: 14:24 م
مكان النشر: الاسلام اليوم
تاريخ النشر: 3-6-2007
بقلم: علي حسين باكير

نجحت الدبلوماسية اللبنانية في الأمم المتّحدة -بعد معاناة كبيرة استغرقت عدداً من السنوات إثر اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري- باستصدار القرار 1757 المتعلّق بإنشاء محكمة ذات طابع دولي للنظر في جرائم الاغتيال السياسي التي وقعت في لبنان منذ ذاك الاغتيال و حتى اليوم, و لوضع حدّ لها لإفساح المجال أمام لبنان ليكون ساحة استقرار بعد أن عانى طويلاً من كونه ساحة مساومة بين القوى الإقليمية و الدولية.
إقرار المحكمة في مجلس الأمن جاء إثر تصويت الدول الأعضاء بموافقة (10) أعضاء و امتناع (5)، و عدم اعتراض أي عضو عليها. والتزمت روسيا و الصين بعدم استخدام الفيتو لتعطيل المشروع، و كان لهما دور إيجابي في تعديل المسوّدات و اقتراح التعديلات سابقاً, في حين أن الموقف القطري كان مستهجناً من قبل العديد من المراقبين الذين اعتبروه خروجاً عن شبه الإجماع الحاصل في المنظومة العربية بخصوص المحكمة و انحيازاً غير مسوّغ إلى طرف لبناني.
و قد قدّم البعض تفسيرات لهذا الموقف تتراوح بين رغبة و طموح قطر في لعب دور أكبر من حجمها إقليمياً، و بالتالي اتباع سياسة مناقضة لكل ما تقوم به السياسة السعودية, أو أن ذلك يندرج في إطار مساعي قطر للتقرّب من بعض القوى الإقليمية في الخليج و الجمع بين التناقضات من خلال علاقاتها مع أمريكا و إسرائيل من جهة, و سوريا و إيران من جهة أخرى.
على العموم، المسافة لا تزال طويلة بين إقرار مشروع المحكمة و بين وضعها موضع التنفيذ، و الذي قد يستغرق حوالي السنة تقريباً, يتم خلالها اختيار موقع المحكمة (قبرص الأوفر حظاً باستضافتها حتى الآن) و تأمين التمويل اللازم لها (تشير التقديرات إلى حوالي 162 مليون دولار) و تعيين و تسمية القضاة (أغلبية لبنانية, لذلك سُمّيت ذات طابع دولي و ليست دولية) و الادّعاء, و الموظفين و تأمين اللوازم اللوجستية. و خلال هذه الفترة تحتاج المحكمة إلى تصديق البرلمان من جديد عليها, أما إذا تمّ تعطيل البرلمان هذه المرّة من قبل المعارضة كما تمّ تعطيله في المرّة الأولى, فإن مجلس الأمن قد يقرر في 10 يونيو المقبل إقرار المحكمة بشكل مستقل كما فعل في حالتي رواندا و يوغوسلافيا السابقتين.
الجيد في مسألة إقرار المحكمة أنّ الأطراف اللبنانية و خاصة المعنية مباشرة بالموضوع تعاملت بمسؤولية كبيرة مع الحدث، و دعت إلى أن يكون هذا عاملاً جامعاً بين اللبنانيين لإيقاف عمليات الاغتيال السياسي التي كانت تحصل دون أي رادع أو عقاب من عقود طويلة, و ألاّ يتم التعامل مع قرار المحكمة و كأنه انتصار لفريق لبناني على فريق آخر، و أن يتم الإدراك أنّها لن تكون أداة للتشفي و الانتقام، و إنما لتحقيق العدالة و وقف و ردع الجهات التي تقف وراء عمليات الاغتيال السياسي.
و كان من المفروض على القوى المعارضة أن تتلقّف هذه الدعوة و تعمل على فتح حوار مباشر لتجاوز هذه المرحلة و الحفاظ على أمن و استقرار لبنان, لكن للأسف لم يحصل ذلك، و أعطى حزب الله في أول رد فعل له على إقرار المحكمة, انطباعاً بأنّ الانشقاق و الانقسام سيبقى, حينما ندّد بإقرار تشكيل المحكمة، واصفاً التصويت الذي تم بأنّه تصويت غير شرعي.
التخوّف من استخدام المحكمة كأداة ضغط سياسي أمر غير مسوّغ طالما أنّ الادعاء لم يترافع بعد. و الحكم على المحكمة في هذا الإطار قبل إنشائها، و العمل على خنقها في مهدها تحت ذريعة أنها "قد" تُستخدم أداة ضغط سياسي غير مسوّغ. فالعبرة تكمن فيما إذا كان سيقوله الادعاء مدعّماً بأدلة و شهادات أم أن القضية مجرّد تلفيق، و هنا يمكننا حينها أن نتحدث عن عمليات تسييس قد تتم, مع الأخذ بعين الاعتبار أن المحكمة ستضم قضاة لبنانيين، و هذا ما سيزيد من مصداقيتها، و يقطع الطريق أمام القائلين بأنها أداة ضغط سياسي.
أما اللجوء إلى هذه الطريقة في التخويف و معارضة المحكمة قبل و بعد إنشائها فقط لمجرد المعارضة أو لمراعاة مصالح دول إقليمية فأمر فيه تجنٍّ بحق لبنان و اللبنانيين, خاصة في ظل عدم وجود أي بديل آخر لدى أي طرف عن طريقة التعامل مع هذا الوضع, فما هي الطريقة التي سيتم من خلالها وقف نزيف عمليات الاغتيال السياسي الانتقائية التي تم منذ عقود دون محاسبة أو رادع؟
في الوضع اللبناني الداخلي, قد يشكل إقرار المحكمة حدثاً مفصلياً يضطر بعض الأطراف اللبنانية إلى إعادة حساب أوراقها من جديد خاصة بعد إخفاق كل محاولات التعطيل إن من خلال قلب الحكومة و الإطاحة بها أو من خلال عرقلة القرارات الرسمية عبر موقع رئيس الجمهورية أو من خلال تعطيل البرلمان و إقفاله, و عليه فقد يكون الأمل الوحيد لدى هذه الأطراف حصول تسوية إقليمية في إطار المساومات التي يجري الحديث عنها مؤخراً خلف الكواليس إن بين إيران و أمريكا و أن بين أمريكا و سوريا.
في مقابل ذلك, هناك من يتخوف من أن يعود لبنان مسرحاً لهذه المساومات خاصّة إذا تمت على حسابه كما كان يحصل سابقاً. و لذلك فهناك استعجال من قبل الحكومة بتحقيق بعض الإنجازات خاصّة ذات الطابع السيادي كمسائل الحدود مع إسرائيل و مع سوريا, و استرجاع مزارع شبعا و تقوية الجيش اللبناني و فرض الأمن و القانون على الجميع دون استثناء. بمعنى آخر النهوض بمشروع الدولة بدلاً من مشروع الدويلات. لكنّ ذلك لا يقف عند حدود مقدرة الحكومة وحدها، و لا يمكن تطبيقه دون انخراط جميع اللبنانيين، و هو أمر يبدو صعباً إذا لم يتم تجاوز الخلافات خاصّة و أنّ الاستحقاقات القادمة -كما في ملف انتخاب رئيس جديد- تشكل حدثاً مفصلياً ضخماً، يُتوقّع أن يكون هذا الملف الأسخن بعد مرور ملف المحكمة, و قد تحاول المعارضة التي تُعدّ أنها مُنيت بضربة إثر إقرار المحكمة أن تُعوّض في ملف الانتخابات الرئاسية مع تخوّف من أن يؤدي ذلك إلى ولادة حكومتين و رئيسين في لبنان.
اقرأ أيضا:
- اسئلة غير بريئة: المعارضة اللبنانية و استغباء الجمهور
- مخاطر الانزلاق في فخ الخلط بمسألة "فتح الاسلام"
- لبّيك نصرالله… ان أجبتني على هذه الأسئلة أولا!!
- سقوط قناع حزب الله الخارجي: العراق, الأحواز و إيران
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:العرب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























