مخاطر الانزلاق في فخ الخلط بمسألة "فتح الاسلام"

كتبهاعلي حسين باكير ، في 24 أيار 2007 الساعة: 13:35 م

مكان النشر: السياسة الكويتية

تاريخ النشر: 23-5-2007

بقلم: علي حسين باكير

بدا واضحا منذ اليوم الأول من المواجهة بين الجيش اللبناني و مجموعة "فتح الاسلام" انّ هناك لبسا كبيرا في الموضوع و هناك نيّة لخلط واضح بين مسألة "فتح الاسلام" و بين الموضوعين الفلسطيني و الاسلامي.

وسائل الاعلام و المحللين تتحمّل مسئولية كبيرة في هذا الانزاق و حتى طريقة تغطية وسائل الاعلام لهذا الموضوع و للمواجهات الحاصلة.

البعض آثر حمل الموضوع و تجييره باتّجاه الفلسطيين اللاجئين في لبنان لتحميلهم مسئولية ما يجري. و قد بدأ القصف السياسي و الاعلامي باتجاه الفلسطينيين منذ اليوم الأول دون مراعاة المعلومات التي بحوزته. فعلى أي اساس يتم تصنيف "فتح الاسلام" على انها جماعة فلسطينية, علما انّ نسبة من هو منضم لها من الفلسطينيين لا يتجاوز وفق للأرقام المتوفرة حاليا عن 3% مع الأخذ بعين الاعتبار ان ليس من بين الذين قتلوا في المواجهات التي حصلت مع الجيش خلال الأيام القليلة الماضية أي فلسطيني على الاطلاق.

موضوع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان له حساسية كبيرة جدا خاصة في اطار التوزيع الطائفي. اذ أنّ هناك جزء كبير من المسيحيين ناقم على هذا التواجد و يحب ان يلقي بكل اللوم عليه لأنه يشكّل هدفا سهلا للقصف الاعلامي و السياسي و لا غطاء اقليمي او دولي له. و هناك ايضا جزء كبير من الشيعة يرى في التواجد الفلسطيني خطرا ديموغرافيا يشكّل خللا في التوازن الطائفي من شانه ان يهدد موقع الطائفة الشيعية لاسيما و انّ الفلسطينيين محسوبين على السنّة في لبنان.

انطلاقا من هذه المعطيات, قام "العماد عون" باستغلال المواجهة بين الجيش و "فتح الاسلام" ليلقي اللوم على الفلسطينين و يحمّلهم المسئولية الكاملة, و الهدف استغلال حساسية هذا الوضع في الاطار المسيحي و الشيعي على امل ان يفيده ذلك في مراحل الاستحقاق القادمة و لاسيما الانتخابات الرئاسية.

و ذهب البعض مثل المحلل و الأستاذ "سجعان قزي" ابعد من موقف عون ليخلط ضمن الاطار الفلسطيني نفسه, فيصنف هذه الجماعة على انها تابعة للاصوليات و يضعها في سياق مجموعات مثل "حماس" و "الجهاد" و المجموعات الفلسطينية المقاومة الاخرى. و هذا خلط لا يمكن ان يمر تحت اطار الجهل او قلّة المعرفة لمحلل بمستوى الاستاذ "سجعان قزي".

هذه المجموعة المسمى "فتح الاسلام" لا علاقة بالواقع الفلسطيني لا من حيث تركيبتها و عديدها و لا من حيث تمويلها و تسليحها و لا من حيث أهدافها التي ترتبط باستحقاقات لبنانية داخلية كما سبق و رأينا من خلال سياق الأحداث و توقيتها.

الفلسطينيون بكافة فصائلهم و تشكيلاتهم و أجنحتهم أكّدوا على ان لا علاقة لهم لا من قريب و لا من بعيد بهذه المجموعة و أهدافها و اجندتها الخارجية, و هذا موقف صريح و واضح و لا لبس فيه أبدا, كما و ابدوا استعداداهم التعاون مع السلطات الشرعية اللبنانية و الجيش على اعلى المستويات للقضاء على هذه الظاهرة,فما هو المطلوب منهم أكثر من ذلك؟ لماذا يستمر الحشد باتّجاه الفلسطينيين من قبل فئات سياسية معينة و معروفة؟!

ينسى عون و غيره انّ الفلسطيين الذين يعيشون حالة مزرية جدا في لبنان لا تتناسب مع وضع بعض الاسطبلات و المزارع في دول اخرى –و لا ابالغ هنا مطلقا- قدّموا كل ما لديهم و فتحوا ما امكن لهم من بيتوهم و منازلهم لاشقائهم اللبنانيين اثر العدوان الاسرائيلي الاخير. و ينسى عون طبعا و من يريد التحشيد ضدّ الفلسطينيين انّ الاخيرين كانوا اول من هرع الى مساعدة الجيش اللبناني في لملمة شهدائه و جرحاه اثر القصف الاسرائيلي الاخير قرب البدّاوي, فلماذا يتم التعامل معهم بهذه الطريقة؟!

استغلال هذا الحدث في عملية التأليب ضدّ الوجود الفلسطيني في لبنان و ضدّ المخيمات قد يوسع من اطار المعركة في سياق خاطئ لهدف آخر, و هنا سنقع حتما في ورطة كبيرة و سيحقق ذلك اهداف الجهة السياسية التي ارادت ضرب المؤسسة اللبنانية الوحيدة الباقية بشكلها المتماسك حاليا و يدخله في مواجهات خاطئة. الفلسطيني ايضا عندما يتم الشحن ضدّه اعلاميا و عندما يتهم بانه مسئول عمّا يجري -وهو ليس كذلك- فقد يصل الوضع الى حالة يرى بعدها انه مظلوم في جميع الأحوال, و عندها فهو لن يفضّل السكوت و سيتحرك باتجاه سلبي خاصة في ظل القصف المدفعي للمخيم و سقوط المدنيين. و هذه مسألة خطيرة جدا و يجب التنبّه لها, و قد بدأ العمل على ترويجها من خلال ما لمسته عند تنقلي بين الجنوب و بيروت خلال اليومين الماضيين.

 

ننتقل من اطار الخلط الفلسطيني الى الاطار الاسلامي. ففي مقابل الجهة التي فضّلت تجيير المواجهة باتجاه الفلسطيين, قامت جهات اخرى بتجييرها باتّجاه الحالة الاسلامية السنّية الاقليمية و الدولية بشكل عام و لاسيما تنظيم القاعدة بشكل خاص. بطبيعة الحال, لا بدّ انّ من اختار هذا الخيار, كان يضع في حسبانه انّه الخيار الأسهل للقصف الاعلامي و السياسي خاصة ان لا أحد يستطيع ان يدافع عن هذا الموضوع و لا غطاء سياسي له. لكنّ هذا الموضع في هذا السياق يشبه دس السم بالعسل.

انّ هذه المجموعة المسمى "فتح الاسلام" لا منهج شرعي واضح لها -سواءا كان ضال أو غير ضال- حتى يتم نسبتها الى التيار الاسلامي اولا ثمّ السني ثانيا. امّا مسالة انها تابعة للقاعدة او مقربة فالهدف منه اهمال الجهة الحقيقة التي تقف وراءها, و الهروب الى الأمام.

فيما فضّل البعض ايضا الهجوم على التنظيمات الاسلامية السنّية بحجّة هذه الجماعة, فتم تناول حماس اعلاميا و تمّ ايضا الخلط بين هذه المجموعة و مجموعة الضنيّة و ايضا في المجموعة التي تمّ القاء القبض عليها قبل الانسحاب السوري من لبنان, و التي تمّ اتهامها بانها من القاعدة و تهدف الى تفجير السفارة الايطالية, فيما أثبتت الاحداث فيما بعد ان ذلك كان مجرّد فبركة من قبل النظام السوري هدفها التقرب من الولايات المتّحدة تحت حجّة مكافحة الارهاب, فكان نتيجة ذلك ان سقط المدعو "الخطيب" تحت التعذيب دون ذنب, و بطبيعة الحال فان المجموعات السنيّة هي التي تكون كبش فداء في هكذا حالات نظرا لعدم وجود غطاء سياسي محلي او خارجي لها.

و بالعودة الى "فتح الاسلام", فلو كانت هذه المجموعة تابعة بحد ذاتها الى القاعدة او حتى لأفكارها لكان ظهر ذلك في مكان ما, في حين انّها اعجز حتى عن صياغة مجرد بيان اعلامي ذو طابع اسلامي. كما انّ تحركاتها و تركيبتها و اهدافها و توقيت اعمالها و حتى حجم تسليحها -في بيئة لا تسمح و لنكن صريحين, "للسنّة" في الحصول على هكذا ترسانة الاّ اذا كانوا تابعين لحزب لبناني معروف حليف لسوريا أو اذا كانوا تابعين مباشرة لسوريا- يزيد من الشكوك و يؤّكد انتماء هذه المجموعة الى جهات استخباراتية امّا صناعة و امّا اختراقا, و في الحالتين تكون النتيجة واحدة.

اضافة الى ذلك, فمن المعروف انّ هذه المجموعة لو كانت تابعة او مقربّة للقاعدة, لكان "حزب الله" من اوائل الذين لهم مصلحة محلية و اقليمية و دولية في ادانتها مباشرة و عبر اعلى هيئة ممثلة بالامين العام السيد حسن نصرالله -خاصّة انّ للحزب سوابق في مهاجمة الحركات الاسلامية السنيّة حتى في ظروف احتلال كما في أفغانستان و العراق- و ذلك لارسال رسالة للمجتمع الدولي على انّ الارهاب محصور بهؤلاء, و انّ الحزب هو حركة سياسية معتدلة و مقاومة.

و بما انّ الحزب لم يفعل ذلك و لم يدن بشكل قوي او عبر مسؤوليه في المستوى الأول هذه الجماعة "فتح الاسلام" و لم يدعو الى حسم الامر معها و انما الى "تسوية", فهذا يضع علامات استفهام كبيرة جدا على حقيقة هذه الحركة, و هناك اتّجاهين لتحليل هذا الموقف:

1- امّا انّ الحزب على علاقة –غير مباشرة- مع هذه المجموعة و يستخدمها كوسيط –Proxy-لتخريب الوضع اللبناني في سياق التجاذبات الداخلية فيما يتعلق بالاستحقاقات الاقليمية و المحكمة الدولية –و هذا ما لن يقوله أي محلل لبناني علنا نظرا لحساسية الوضع الداخلي-.

2- و امّا انّ الجماعة تتحرك في اطار استخباراتي خارج عن الداخل اللبناني و مرتبط بجهات خارجية, لكّن أعمالها تصب في صالح الحزب و المعارضة بطريقة او بأخرى. لذلك فهو يريد الاستفادة منها حتى النهاية قبل ان يصدر تصريح واضح و صريح عبر قيادته الاولى بمحاربتها.

بعيدا عن هذين الافتراضين اعلاه, لا يمكن فهم الموقف الغير حاسم و حازم , و المطاطي من قبل المعارضة و رموزها في هذه المسألة, لدرجة انّ معظم القيادات في الصف الاول غابت عن المشهد الاعلامي و عن التصريحات التي لطالما كانت تملا الشاشات و الاذعات في مختلف التطورات. (باستثناء تصريح عون المباشر و الصريح, الذي اشرنا الى اهدافه و غاياته اعلاه).

و لو افترضنا انها تابعة للقاعدة او مقربة منها, ففي أي اطار يمكن صرف توقيت تنفيذ العمليات و لماذا هي محصورة دائما اما في اطار استهداف الجيش اللبناني او في اطار عمليات تستهدف مناطق لها دلالات متعلقة بالسجال و الجدل الداخلي اللبناني اكثر من تعلقها بأهداف القاعدة العالمية و أجندتها؟!

في المقابل, يطرح البعض تساؤلا مهما في اطار مختلف مفاده: "لو كانت مجموعة فتح الاسلام, مجموعة استخباراتية تابعة للنظام الفلاني, فكيف تضحي بأفرادها و تقاتل حتى النهاية؟". سؤال وجيه و في محله. حقيقة فانّ المجنّد استخباراتيا –طوعا- في أي عملية و في أي دولة يعلم انّه لا يمتلك الاّ فرصة واحدة فقط لا غير مهما كان هدف العملية و ظروف العملية. امّا اذا افترضنا ان هناك مجموعة مخترقة استخباراتيا, فهي ايضا ستتفاجأ ميدانيا عند الكشف عنها انها لا تملك حلولا, و انّ الخيار امامها امّا القتال و امّا القتال!!. في هذا الاطار قد يكون اغلاق سوريا لحدودها في هذه اللحظة بالذات دلالة او رسالة مهمة معناها -ان ثبت تورطها مع هذه المجموعة- "لا خط رجعة لكم".

مهما كانت الفرضية فهناك معطيات تشير الى ان من بين ما حصل مؤخرا اهداف واضحة:

أولا: هدم آخر مؤسسة للدولة اللبنانية بعد شلل كافة مؤسساتها المتمثلة بالحكومة, البرلمان, الرئاسة. و لوحظ منذ انتشار الجيش على الحدود, انّ هناك جهة داخلية كانت تعارض ذلك بحجّة انّ الجيش ضعيف و انّ هذه ليست مهمته. و لكن بعد ان اثبت قدرته, تمّ الزج بهذا الجيش في أزقة بيروت اثر التصرفات الغير مسئولة للمعارضة و الشحن و التخوين و التجييش الذي حصل حينها في محاولة لتنفيذ مخطط انقلابي واضح المعالم. و بعدها يتم اقحامه في معارك عبر تشكيل هكذا خلايا, على امل ان يؤدي ذلك الى تمدد الجيش و اقحامه في جبهات مختلفة ما سيدفعه الى الانسحاب من الحدود و بالتالي سقوط النقاط السبع التي قبلها البعض اللبناني من غير نية واضحة بتنفيذها او الالتزام بها. و عند انهيار الجيش, فلا دولة, و عند انهيار الدولة لا قرارات محلية او دولية لصالحها , و بالتالي سقوط جميع القرارات الدولية بما فيها الحكمة الدولية.

ثانيا: نقل الأزمة من الشحن التي تسببت به التحركات الشيعية في لبنان مع السنّة لتصبح أزمة داخل البيت السنّي عبر احداث شرخ بين اللبنانيين السنّة و الفلسطينيين السنّة من جهة, و بين الاسلاميين السنّة و الليبيراليين السنّة من جهة أخرى. و هذا بطبيعة الحال التفاف على ضرب القوى السنيّة في لبنان و التي لا محتضن حقيقي لها و لا غطاء لها, و تأليبها على بعضها البعض و اظهار انّ السنّة في لبنان يستهدفون الفلسطينيين, و قد لمست هذا التوجه اليوم بشكل مخيف جدا,  واتمنى ان لا يسقطوا في هذا الفخ.

ثالثا: ابعاد الشبهات عن الجهة الحقيقية التي تريد هذا الخراب, و لذلك فالمخرب هذا يعتمد على امّا صناعة او اختراق مجموعات تكون منتمية الى جهة "سنيّة" و ذلك لان لا غطاء داخلي لها اولا, و ثانيا لالقاء اللوم على هذه الطائفة و خلق الشقاق بينها و ثالثا لابعاد الشبهات عن المحرّكين الذين ينتمون الى جهات اخرى.

 

في جميع الاحوال الخوف الاساسي و التحذير من الانزلاق في هكذا مداخل و عندها ستتسع و تخرج عن اطارها الحقيقي و سندخل في دوامة لا مخرج لها على الاطلاق.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مخاطر الانزلاق في فخ الخلط بمسألة "فتح الاسلام"”

  1. تحليل ممتاز با أستاذ باكير

    والرأي عندي أن ننظر في نتيجة الأحداث الرئيسية وهي - كما ذكرتم - اضعاف الدولة اللبنانية، و إذا نظرنا من المستفيد من ذلك قد تتضح الصورة!

  2. السيد بوعبيد, تحية طيبة لك و شكرا جزيلا على مرورك و تعليقك.

  3. ماشاالله اخي على مشكور وتحليل رائع

  4. شكرا لك عزيزي طه حسين و سعيد لمرورك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر