تركيا تقرر اللّحاق بإيران نوويا

كتبهاعلي حسين باكير ، في 29 نيسان 2006 الساعة: 13:46 م

مكان النشر: صحيفة السياسة الكويتية

تاريخ النشر: 18-4-2006

بقلم: علي حسين باكير

 

شهدت الأشهر الاولى من هذه السنة محاولة تركيّة لاعادة احياء آمالها و طموحاتها بالحصول على الطاقة النووية بعد ان فشلت مرّات عديدة سابقا في اطلاق برنامجها النووي الخاص. لكن الإصرار التركي حاليا للحصول على الطاقة النووية يبدو كبيرا جدا و  مدفوعا بعاملين أساسيين. يتمثّل العامل الأول بالنقص الكبير في الطاقة و الذي تعاني تركيا منه داخليا مع ازدياد الطلب عليها, في حين يتمثّل العامل الثاني بسعي جارتها ايران لامتلاك القوّة النووية الذي من الممكن ان يهدد توازن القوى الإقليمي القائم حاليا.

فقد ارتبط السعي التركي لامتلاك برنامج نووي نشيط منذ الستينات و الى يومنا هذا بوجهتي نظر داخليتين على المستوى الحكومي و الرسمي. تستند وجهة النظر الاولى على مبدأ الاستخدام السلمي للطاقة النووية, و تنطلق وجهة النظر هذه من حقيقة النقص الكبير الذي تعاني منه تركيا في قطاع الطاقة و محدودية الموارد المتاحة لديها في هذا المجال و اعتمادها بشكل شبه كلّي على الآخرين لتسيير امورها في مجال الطاقة على الصعيد الداخلي و هو ما يعتبر غير مقبولا على الاطلاق لدولة بمكانة و مركز و تاريخ تركيا في المنطقة.

امّا وجهة النظر الثانية, فتستند الى مبدأ امتلاك السلاح النووي, و تنطلق وجهة النظر هذه من انّه لا يصح لتركيا كدولة محورية و مركزيّة في الشرق الأوسط ان تبقى معتمدة على الغطاء العسكري الغربي المتمثّل بالناتو. فتركيا بلد له قدرات و امكانات كبيرة و له فوق ذلك تاريخ و ماضي في قيادة و تزعّم دول المنطقة, و من هذا المنطلق فمن غير المقبول ان تصبح تركيا محاطة بعدد من الدول منها ما هو نووي كروسيا و اسرائيل, و منها من هو على الطريق كايران و منها من يمتلك برامج نووية كالعراق (سابقا), و تبقى تركيا بالتالي تحت رحمة هذه الدول دون امتلاكها لقوة رادعة, ممّا من شانه أن يطيح بالتوازن الشبه قائم حاليا في هذه المنطقة خاصّة بين تركيا و ايران  مفسحا المجال لتزعّم ايران.

 

·        المحاولات السابقة:

تعتبر تركيا من أوائل الدول الاقليمية التي سعت للحصول على القدرات النووية, فالانخراط الأول لتركيا في القضايا النووية كان في تموز من العام 1955, عندما وقّعت تركيا مع الولايات المتّحدة الامريكية اتّفاقا ثنائيا للتعاون في مجال "الاستخدام السلمي للطاقة النووية". ثمّ بعد ذلك بسنة, أنشأت تركيا في العام 1956 لجنة الطاقة الذريّة (AEK) التي اعيد تشكيلها فيما بعد في العام 1982 لتصبح تحت اسم "سلطة الطاقة الذريّة التركيّة" (TAEK) و تكون خاضعة مباشرة لمكتب رئيس الوزارء التركي.

و في العام 1959 تمّ البدء بانشاء أوّل مفاعل نووي تركي للأبحاث بطاقة 1 ميغاوات, و باسم "مفاعل تركي واحد" (TR-1)  في موقع "مركز جكمجا النووي للبحث و التدريب", و قد واجه هذا المفاعل وضع حرج في العام 1962 و تم التبليغ عن اغلاقه في العام 1977 لأسباب مالية كما قيل.

بعد ذلك بثلاث سنوات, تمّ ترقية المفاعل الى قوّة 5 ميغاوات و قد عرف باسم "مفاعل تركي اثنان" (TR-2). و قد عانى هذا المفاعل مشاكل عديدة في كانون الأول من العام 1981 ثمّ في آذار من العام 1993 حيث تمّ الابلاغ عن حصول تلوّث اشعاعي في محيط البحيرة. فتم اغلاقه فيما بعد في 8 آب من العام 1995. و قد تقرّر اعادة تشغيل المفاعل "تركي اثنان" في العام 1998 بعد تمّ تأمين الفيول أو الوقود اللازم له من قبل شركة فرنسية.

و قد حاولت تركيا فيما بعد الحصول على القدرات النووية في خمس محاولات خلال 3 مراحل تقريبا.

المرحلة الأولى: و توزّعت المحاولات فيها بين الأعوام 1965-1980, و التي شهدت محاولتين من تركيا واجهتا الكثير من المصاعب و فشلتا عند البدء بتنفيذ المشروعات, و يمكن اختصار المصاعب التي مرّت بها تركيا في هذه الفترة للحصول على الطاقة النووية بالأسباب التالية:

1- بيروقراطية شديدة في العمل و عدم متابعة للموضوع بشكل مستمر.

2- مصاعب مالية تتمثّل بالطلب من الجهات المسؤولة عن انشاء المفاعلات او اجهات الممولة القيام بالتمويل الكامل للصفقة بنسبة 100% دون وجود ضمانات مالية.

3- عدم الاستقرار السياسي

4- الانقلابات العسكرية.

المرحلة الثانية: و شهدت محاولتين ايضا بين الأعوام 1982-1991. و قد باءت المحاولتين أيضا بالفشل معطّلة بذلك حصول تركيا على مفاعلات نووية, و ذلك لعدد من الأسباب منها:

1- المصاعب المالية و عدم القدرة على تأمين الأموال اللازمة للشروع في بناء مفاعل نووي.

2- المصاعب التقنيّة المتمثّلة في ايجاد موقع مناسب للمفاعلات بعيدا عن المناطق الخطرة المعرّة للزلازل و التشققات الأرضيّة.

3- الضغوطات الدولية الخائفة من خطر حصول انتشار نووي و من قدرة تركيا على امتلاك سلاح نووي فيما بعد.

و قد كان الضغط في هذه المرحلة على تركيا من قبل جهتين اساسيتين تعارضان مساعيها النووية, الأولى الولايات المتّحدة و الثانية الدول الأوروبية. و كان الاعتراض الأساسي لهذه البلدان على المفاعل المنوي اقامته في تركيا, بأنّه يعتبر صغيرا جدا لتوليد الطاقة و كبيرا جدا للأغراض البحثيّة, و لكّنه سيكون قادرا بشكل ممتاز على انتاج البلوتونيوم و هو ما يشكّل تهديدا محتملا فيما يتعلّق بانتشار الأسلحة النووية.

 

و قد حاولت تركيا فيما بعد اعادة اطلاق مشروع مفاعل "أوكويو" النووي في التسعينات و لكنّها فشلت كما فشلت في المحاولات السابقة و قد كانت هناك معارضة شعبية هذه المرّة ايضا نظرا للمخاطر التي قد تنجم عن استخدام المفاعلات النووية.

 

·        المحاولات الحالية:

ذكر وزير الطاقة التركي حلمي اوغلر في شهر شباط من هذا العام "انّ الارتفاع في أسعار النفط و البحث عن مصادر متعدّدة للطاقة يجعل مشروع الطاقة النووية أولويّة كبرى بالنسبة لنا". و قد كشف رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان في 10-2-2006 أنّ الاتصالات بوكالة الطاقة النووية قائمة للبحث عن اعلان برنامج تركيا للطاقة النووية, و انّ هناك مباحثات مع بعض الدول ككندا حول هذا المشروع, معللا لجوء بلاده الى الطاقة النووية الى محدودية مصادر الطاقة التركية , معتبرا بأن المشروع سيكون مشروعا وطنيا و سيقام على الأراضي التركية.

 

و بعد أقل من يومين على إعلان إيران نجاحها في تخصيب اليورانيوم, حسمت تركيا أمرها وقررت اختيار مدينة سينوب على البحر الأسود موقعا لإقامة أول مفاعلاتها النووية, و ذلك من بين ثمانية مواقع جرى اقتراحها و تقييمها لإقامة مفاعل نووي تركي من بين ثلاثة مفاعلات نووية تسعى تركيا لإقامتها. وأعلن أوقاي شاكر رئيس هيئة الطاقة الذرية التركية أن الرأي استقر على موقع سينوب لإقامة المفاعل بسبب تميزه بالكثير من الخصائص من بينها عوامل جغرافية وأمنية وبيئية, مؤكدا انه من الممكن دراسة مواقع أخرى لإقامة المفاعلين الاخرين ومن بينها منطقة تراقيا ووسط الأناضول.

و لا يغيب طيف البرنامج النووي الايراني عن دوافع و طموح تركيا لامتلاك الطاقة النووية و مساعيها الحالية, اذ انّ تركيا و ايران تتشابهان الى حد كبير فيما يتعلّق بالاقتصاد و السكّان و الموقع الاستراتيجي و هو ما يوفّر توازنا استراتيجيا بينهما. لكنّ امتلاك ايران للسلاح النووي او حتى الطاقة النووية سيضعها في المقدّمة و سيطيح بالتوازن القائم.

لذلك, يبدو انّ تركيا مصمّمة هذه المرّة لاعادة اطلاق طموحها النووي بعد ان فشلت مرّات عديدة في تحقيق ذلك في فترة الستينات, و هو ما يذهب اليه أيضا "اوزدم سانبرك"  رئيس مجموعة البحث و الدراسات الاقتصادية و الاجتماعية التركية الذي يعتبر انّ امتلاك ايران للنووي سيجعلها القوّة المسيطرة في المنطقة و سيطيح بالتوازن الموجود حاليا مع تركيا, و لذلك فلا خيار امام تركيا سوى المضي قدما في برنامج خاص للطاقة النووية يخضع لاتفاقية منع انتشار الاسلحة النووية.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : استراتيجيا, تركيا | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر