لبنان بين الهدنة المؤقتة و العواصف القادمة

كتبهاعلي حسين باكير ، في 16 أيار 2007 الساعة: 15:38 م

مكان النشر: الاسلام اليوم

تاريخ النشر: 15-5-2007

بقلم: علي حسين باكير

 

 

يمر لبنان الآن في منعطف جديد قد تكون له انعكاساته على مظاهر المرحلة المقبلة الاكثر سخونة حيث تتراكم الاستحقاقات المتأخرة و الملفات الواحد تلو الاخر على امل الوصول الى حل مرتقب لا يبدو متاحا الآن وفق المعطيات المتوافرة.

لاحظ الجميع بعد عملية اختطاف الشاب و الطفل الأخيرة و قتلهما انّ فريق الموالاة اللبناني فضّل التهدئة و السيطرة على الأجواء كطريقة لمعالجة الموضوع خوفا من اندلاع حرب اهلية كانت أرضيتها جاهزة بانتظار الشرارة التي حصلت حينها. و قد بنى هذا الفريق حسابات التهدئة على اساس انّ هناك فريقا في داخل لبنان و في خارجه من مصلحته او على الأقل لن يضره حصول فوضى بالقدر الذي سيضر معظم الفرقاء اللبنانيين نظرا لتمتعه بكافة الوسائل و الادوات اللازمة للحد من التأثيرات السلبية لمثل هذه الفوضى عليه. أضف الى ذلك, انّ حصول فوضى محليّة قد تجعل من مسائل الاستحقاق الحالية المتمثلة في اقرار المحكمة الدولية, بالاضافة الى الانتخابات الرئاسية في خبر كان. و تتيح هذه الفوضى ايضا لبعض الاطراف التملّص من التزاماتهم الداخلية سواءا فيما يتعلّق بالنقاط السبع الشهيرة او من خلال الوضع الجديد الذي طرأ بعد حرب تموز الأخيرة على الحدود اللبنانية و انتشار الجيش اللبناني.

هذا كان التحليل السريع لما جال في ذهن الموالاة عند مواجهة خبر اعدام الطفل و الشاب, و لذلك فقد فضّلت تفويت الفرصة على هؤلاء و الدعوة الى الهدوء و التزام الدولة بمتابعة الموضوع, و قد احرج هذا الامر العديد من الاطراف التي تفضّل دائما خوض هكذا مناسبات على طريقة الهرج و المرج و الخطب النارية و الثورية و الحشود و التجمعات و اطلاق الاتهامات يمنة و يسرى بغرض التحريض و الشحن, و هي اللعبة المفضلة و الأكثر اتقانا لديهم, لكنّهم اضطروا بالنهاية الى مجاراة الجو السائد بضرورة التهدئة ايضا.

تزامن كل ذلك مع معطيات اقليمية تشير الى وجود بوابات اتصالات و اشارات مباشرة و غير مباشرة بين سوريا و امريكا من جهة و بين امريكا و ايران من جهة اخرى. مما اوحى بوجود صفقة ما يتم الترتيب لها, لكنّ الذي تبيّن فيما بعد هو انّ المعارضة حاولت امتصاص النقمة الناجمة عن الغضب المشتعل لدى الناس نتيجة مقتل الشابين بعد خطفهما, لتقوم بالتقاط الانفاس و معاودة التصعيد من جديد, في ظل اقتراب الاستحقاقات في الملفات الصعبة.

 

ملف المحكمة الدولية

تشير المعلومات المتوافرة و المتواترة منذ زيارة الرئيس بوتين التاريخية الى السعودية و ليس انتهاءا باستقبال ساركوزي للحريري في اول لقاء دبلوماسي له منذ تسلمه منصبه حتى قبل لقائه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير "و هو مؤشر على مدى اهمية لقاء ساركوزي-الحريري" انّ المجتمع الدولي متّفق على احالة المحكمة الى مجلس الامن لاقرارها وفق البند السابع اذا لم يتم الاتفاق عليها في الداخل اللبناني وفق الاصول الدستورية المعتمدة و الاجماع الداخلي.

و لذلك فقد كان التنسيق يجري بشكل كبير في المرحلة السابقة مع روسيا و الصين لضمان الموافقة ان لم يكن عدم المعارضة على الأقل. امّا على الصعيد الداخلي اللبناني, فلا جديد طرأ, و قد امهل المجتمع الدولي لبنان فترة طويلة و كبيرة و كافية بانتظار حصول اجماع, لكنّ المعارضة على ما يبدو تتمنى ايضا اقرار هذه المحكمة وفق الفصل السابع و ان لم تقل ذلك مباشرة او تعبّر عنه.

اذ لا يمكن فهم عدم حصول أي اجماع الى الآن على اقرار المحكمة, و موقف المعارضة و حزب الله تحديدا هنا موقف غريب و مستهجن, فاذا كانت هذه المحكمة لمحاكمة قتلة الحريري او على الاقل لمعرفتهم, و اذا لم يكن للحزب يديّة في الموضوع او غطاء على طرف من الاطراف او حليف من الحلفاء , فلماذا يعارضها؟! و لو افترضنا جدلا انّ الحزب متورط, فما علاقة حركة امل بمعارضة المحكمة؟!

تصرفات المعارضة في هذا الاطار في غير محلها اخلاقيا و قانونيا, و هم الى الآن لم يكتبوا أي ملاحظات رسمية دقيقة و صريحة و واضحة بشأن الاعتراض على المحكمة! كما انّهم لم يعلنوا على الملأ اسباب اعتراضهم, لانه في حقيقة الأمر امّا لا يوجد اعتراضات مبررة حقيقية و امّا انهم يخشون من قول اعتراضاتهم التي قد تكون غير اخلاقية (كأن يتم مثلا استثناء بعض الرتب و المراكز من المحاكمة او اقتراح بعض الأسماء…ألخ) لانهم بذلك يغطّون على المجرم و يدافعون عنه, و عندها سيظهرون بمظهر غير لائق امام الجمهور اللبناني الذي سيشتعل غضبا.

من هذا المنطلق تتمنى المعارضة ان يتم اقرار المحكمة عبر مجلس الامن و ان لم تصرح بذلك او تقله, لاسباب عديدة منها:

أولا: سيريحها من عناء الاحراج و قول الملاحظات الصريحة و الواضحة امام الجمهور و الناس.

ثانيا: سيريحها من عناء الضغوط التي تدعوها الى فتح البرلمان و هو الجهة الرسمية المخولة مناقشة المحكمة و التي لازالت المعارضة تحرص على تعطيله عبر رئيس المجلس نبيه بري. فاذا كانت الحكومة غير شرعية و دستورية فلماذا يتم تعطيل مؤسسة المؤسسات و شلّها؟ و اذا كانت هناك اعتراضات على المحكمة فلماذا لا تناقش في مجلس النواب و من خلال جلسات علنية؟

ثالثا: سيسهّل اقرار المحكمة وفق الفصل السابع للمعارضة حشد و تعبئة جمهورها تحت شعار انّ الوصاية الدولية ستأتي الى لبنان عبر المحكمة, و يستغلون هذا الحشد بالتالي لتوجييه باتجاه الموالاة. بعبارة أخرى, يرفضون اقرارها بالتوافق الداخلي و يعطلون كل وسيلة شرعية و دستورية الى ذلك و يدفعون باتجاه اقرارها في مجلس الامن, و عندما يحصل ذلك يقولون للناس: ارايتم لا يريدون حلا داخليا يريدون الوصاية للبنان, و يبدأ التصعيد من جديد.

و قد بدأ التصعيد بالفعل بعد الهدنة المؤقتة, اذ لمست المعارضة انّ تحركاتها و لاسيما مرابطتها في وسط بيروت التجاري و الاقتصادي و الذي تسبب في خسائر فادحة للبنان و للاقتصاد اللبناني و التي لا تقل عمّا سببه العدوان الاسرائيلي اذا ما قيس ذلك بشكل نسبي, قد افضت الى فشل ذريع تسبب في تزايد الاحتقان الطائفي و لم يؤت النتائج المرجوة منه على الصعيد السياسي.

من هنا يبدو انّ المرحلة او الخطّة "ب" قد انطلقت منذ فترة قصيرة, اذ يتم اعتماد آلية خطيرة جدا قد تودي بلبنان في أتون فوضى كبيرة. تقوم الخطة التي يعمل حزب الله باسم المعارضة على ترويجها على عدّة محاور اساسية ظهرت مؤخرا منها:

1- تخويف الناس من المحكمة الدولية و اشاعة انّ الهدف منها هو مقاضاة الحزب و محاكمته, و بالتالي ربط هذه المحكمة بقضية المقاومة و بأن اقرار المحكمة سيسبب فوضى في لبنان, و هذا يعني تخيير الناس امّا بين المحكمة و امّا بين سلاح حزب الله, أو بمعنى ادق امّا بين العدالة و امّا بين الأمن. مع العلم انّ المحكمة لديها نظام محدد لا تستطيع استنادا له الدخول في قضايا خارجة عن الموضوع الاساسي المدرج فيها, كما انّ من بين هيئة التقاضي قضاة لبنانيين, و لذلك فانّ هذه الاشاعات و البروبغندا ليس لها اساس من الصحة.

2- اللعب على الوتر الطائفي من خلال العمل على تحشيد الطائفة الشيعية بالترويج المبرمج و الكثيف مؤخرا عن انّ اللبنانيين او الموالاة بالأحرى عزلت و همّشت الطائفة الشيعية و اقصتها عن مواقع القرار. و يتم اللجوء الى هذا الاسلوب بعدما لمست العديد من الأوساط بدء تململ المعتدلين و المستقلين و المعارضين في هذه الطائفة لنهج و اسلوب حزب الله و حركة امل في هذه الأزمة و التبعية الكاملة للمحور الايراني-السوري بعيدا عن مصالح لبنان. مع العلم انّ قرار الخروج من الحكومة و استقالة الوزراء الشيعية كان ذاتيا بارادتهم الخاصة, في حين كان الجميع يدعو الى عودتهم للحكومة من اجل كسر الشلل الحاصل في البلاد , فكيف يروّجون للقضية بأنّه تمّ اقصاؤهم؟!

3- اعتماد آلية اخرى بديلة لآلية الاعتصام في وسط بيروت تقوم على تأليب الناس على الحكومة بشخص رئيسها السنيورة من خلال اتّهامها بأنها لم تعط المتضررين الأموال و المساعدت التي وصلتهم, مع ملاحظة انّ القاصي و الداني في لبنان يعلم تمام العلم حجم التلاعب الذي قامت به العديد من الفئات في هذا الموضوع –نقل اليّ من هناك مباشرة انّ البعض قام بتفجير قارورات غاز في بيوتهم المتهالكة للحصول على تعويضات و تسجيلها على انها من نتائج العدوان الاسرائيلي- فيما كان رئيس الحكومة قد شرح هذا بشكل مباشر لاسيما عمليات التزوير فيما يتعلق بالمتضررين. فالحكومة لا ترمي هذه الاموال, و حجمها ليس بقليل, و هي تريد ان تتأكد انّ من يأخذ القسم الاول من حصّته في التعويض يقوم عبره باعادة بناء منزله و ليس بالمتاجرة بالمال او استئجار الشقق و ترك الدمار.

 

ملف الانتخابات الرئاسية

ملف الانتخابات الرئاسية يعد من الملفات المهمة و الساخنة جدا حاليا خاصّة انّ موعد البدء بالتحضير لهذه الانتخابات سيتم في أواخر شهر يوليو القادم. و يحظى هذا الاستحقاق باهتمام بالغ جدا خاصة لدى المعارضة, ذلك انّ قدوم رئيس جديد قوي موالي للأكثرية او محايد على الأقل بين الموالاة و المعارضة سيضر و يضعف من موقف الأخيرة, اذ لن يعود بقدرتها شل البلد او عرقلته او تعطيل القرارات الحكومية كما هو حاصل حاليا في ظل لحود.

يقوم كل طرف بالتكتم على اسم مرشحه المقبل او الموافق عليه مع العلم انّ موقف المعارضة و اسم مرشحها مكشوف نسبيا نظرا لانعدام الخيارات و انحصارها في شخص "ميشال عون". و من هذا المنطلق, تسعى المعارضة الى استدراج الموالاة لاعلان اسم مرشحها باكرا حتى يتم قصفه اعلاميا منذ الكشف عن اسمه و حتى وقت التحضير للانتخابات و ذلك بهدف حرق ورقته. و لذلك فالموالاة لا تحبّذ الكشف عن اسم صريح حاليا لهذا السبب, و لسبب آخر ايضا و هو انّه قد يكون لديها اكثر من مرشح و اكثر من خيار.

الطريقة الدستورية تقتضي ان يتم الانتخاب عبر المجلس النيابي, لكنّ الجدل القائم بين الموالاة و المعارضة حول ضرورة حضور ثلثي مجلس النواب او عدم حضورهم كي تكون الجلسة شرعية, تعرقل امكانية حصول انتخابات طبيعية.

فالمعارضة التي تقفل البرلمان عبر رئيسه نبيه بري تعلم انّ ايّ انتخابات عبر البرلمان ستوصل رئيسا مواليا او محايدا على الأقل لصالح الأكثرية, و بالتالي فالورقة و الطريقة الرسمية و الشرعية و الدستورية ليست في صالح المعارضة. صحيح انّ الاجتهاد في تفسير الدستور قد يفضي الى ضرورة حضور ثلثي اعضاء المجلس كي تصبح الجلسة رسمية, لكن من الذي يمتلك حق تفسير ذلك؟ هل هي الموالاة أم المعارضة؟ ام رئيس مجلس النواب؟

مجلس النواب بكامله هو الذي يمتلك حق تفسير ذلك و ليس رئيسه او أي احد آخر, و تهرّب المعارضة من الاستحقاق الرئاسي داخل المجلس عبر اقتراح بدعة انتخاب الرئيس عبر الشعب بطريقة مباشرة و لمرة واحدة فقط امر جلي و واضح و يأتي مفصّلا على مقاس عون وحده. و يحلو لتيار المعارضة هنا المقارنة مع الانتخابات الرئاسية الاخيرة التي حصلت في تركيا, بأن تمّ الموافقة على خيار انتخاب الرئيس عبر الشعب مباشرة,  ولكنهم يتناسون امرا مهما و هو انّ الذي اقر انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب هناك هو البرلمان و انّ الذي طالب هو الاكثرية البرلمانية و ليس الأقلية. لذلك فاذا ارادت المعارضة اللبنانية هذا الخيار فعليها ان تفتح البرلمان و تناقش الموضوع لنرى النتيجة, و الاّ فانّ اقتراحها هذا اقتراح غير دستوري و لا شرعية له بان يتم طرحه من هذا الطرف او ذاك طالما انّ مجلس النواب لم يقرّه.

امّا القول عن امكانية تأسيس المعارضة لحكومة اخرى عبر دعوة لحود لذلك قبل نهاية ولايته, فهذا يؤدي الى تقسيم البلاد و تفتيتها, مع انّهم يصرّون ليل نهار على انّهم مع وحدة و سيادة و استقلال لبنان.

امّا بدع المعارضة الاخرى و هرطقاتها الدستورية المتعلقة باستفتاءات جزئية او انتخابات برلمانية مبكرة غير متوازنة, فهي طرق و اساليب ملتوية. فلا يمكن اجراء استفتاء على موضوع واحد معين دون غيره من المواضيع العالقة (مع انّ الدستور اللبناني لا ينص على امكانية استفتاء), و لا يمكن اجراء انتخابات نيابية مبكرة يكون لبعض الفئات مميزات فيها كأن يستقدم ماله و سلاحه من الخارج, فاما ان يكون الجميع خاضع لدولة لبنانية واحدة و امّا اننا سنعاني مخاضا عسيرا غير معروف النتائج.

امام هذا الوضع فان فرص عون في النجاح لا تساوي حتى صفرا, و ان اراد الدخول في المعترك الرئاسي فسيكون عليه ان يروج لنفسه على انّه في موقع الوسط بين الاثنين, و هو امر مستحيل حاليا في ظل اكمال عون لنهجه. الجميع يعلم انّ همّ عون الاساسي هو رئاسة الجمهورية, و قد تحالف اصلا مع حزب الله من اجل هذا الهدف و على هذا الاساس, لكنّ الحسابات الخاطئة التي دخل بها و عدم تمتعه بأي دبلوماسية او حنكة ساسية ادخلته في هذه المتاهة, فان فشل في الحصول على الرئاسة بتوافق داخلي او بترشيح خارجي (قد يكون دعم سوريا او ايران له و من ثم يتم عرضه على الدول الاخرى كمرشح مقبول), فانه سيكون قد خرج من المعادلة السياسية اللبنانية بخفي حنين, فلا هو حصل على مراده من تحالفه مع حزب الله و لا هو كسب الاكثرية.

و نظرا لهذا المأزق الشديد و الكبير, و خاصة بعد فشل المعارضة في اسقاط حكومة السنيورة, فانّ الجميع ينظر الى الوضع بعين القلق و الخوف من اندلاع مواجهات شبيهة بالتي حصلت فيما يعرف باسم "الثلاثاء الاسود", و "خميس الفتنة", لكن مع وجود رئيسين و حكومتين!!

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر