اردوغان و الرئاسة: نموذج عن التضحية في سبيل الهدف

كتبهاعلي حسين باكير ، في 1 أيار 2007 الساعة: 19:35 م

مكان النشر: السياسة الكويتية

تاريخ: 30-4-2007

بقلم: علي حسين باكير

 

في الوقت الذي كان الجميع يتوقع فيه ترشيح رئيس الوزراء التركي الحالي "رجب طيب اردوغان" نفسه على السباق الرئاسي, حصل تحول مفاجئ في هذا الاطار افضى الى ترشيح وزير الخارجية و عضو حزب العدالة و التنمية ايضا "عبدالله غول" في 25 نيسان 2007.

 

المفاجأة لا تكمن في اختيار "عبدالله غول" كمرشح للرئاسة, فهو يتمتع بصفات شخصية مميزة و بدبلوماسية عالية , فقد تخرّج "غول" المولود عام 1950 من كلية الاقتصاد في جامعة اسطنبول ثم أكمل دراسته العليا في الولايات المتّحدة الأمريكية و حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفرد. كما انّه شارك في الحياة السياسة لاول مرّة في العام 1991 كنائب عن مدينته "قيصري" لصالح حزب الرفاه الاسلامي المنحل الذي كان يتزعمه البروفسور نجم الدين اربكان, ثمّ عيّن في العام 1995 ناطقا باسم الحكومة التي تزعمها أربكان, ثمّ تسلم منصب نائب حزب الفضيلة الاسلامي, حتى العام 2001 حيث شكّل مع أردوغان حزب العدالة و التنمية الذي فاز في الانتخابات التشريعية التي جرت في العام 2002 ليتولى "غول" لاول مرّة منصب رئيس الوزراء ثمّ يتنحى عنه لصالح "أردوغان" في آذار من العام 2003 و يتولى منصبي نائب رئيس الوزراء و وزير الخارجية.

 

لقد ضحىّ "اردوغان" بمنصب رئاسة الجمهورية و ذلك في سبيل خدمة الأهداف العليا التي يضعها الحزب للنهوض بتركيا ليحوز بذلك على اعجاب الجميع, حيث قاطعه اعضاء الحزب و النواب التابعين له اثناء ترشيحه لزميله "غول", قائلين له: "نحن فخورون بك".

و بطبيعة الحال فانّ هذا القرار لم يأت من فراغ و التحليل يقودنا الى ثلاث عناصر اساسية دفعته الى هذا التصرف:

1- بما انّ الجميع كان يتوقع ترشّح "اردوغان" للرئاسة, فانّ الجماعات العلمانية المتشددة و التيارات التابعة لها قامت بتشديد الضغط عليه في الشهر الاخير عبر المظاهرات و الانتقادات و حملات الاعلام و الضغط و التنديد بترشيحه, و لكنه استطاع عبر تجيير ترشيحه الى زميله "غول" كسر هذا الطوق و مفاجأة هذه الجماعات العلمانية و بالتالي تفادي أزمة ضخمة و انقسام شعبي بين مؤيد و معارض, اذ انّ اعلان اسم "غول" في آخر يوم متاح لقائمة الاسماء ابطل مفاعيل أي ضغوطات او توترات كان من الممكن ان تحصل فيما لو تمّ الاعلان عنه مبكرا.

2- ينص القانون التركي على انّ يترك الرئيس التركي حزبه حال وصوله الى الرئاسة, و هذا يعني انّه كان على "اردوغان" ترك حزب العدالة و التنمية في هذه المرحلة التاريخية الهامة التي يقوم فيها الحزب بتعزيز موقعه في تركيا, و بما انّ معظم استطلاعات الرأي التي اجريت مؤخرا كانت ترى ايضا انّ الحزب سيخسر شعبية كبيرة في حال خوضه الانتخابات التشريعية المقبلة من دون رئيسه "اردوغان", فانّ الأخير فضّل التضحية بطموحه الشخصي بالوصول الى سدّة الرئاسة مقابل الحفاظ على زخم حزبه و اهدافه الاستراتيجية المقبلة, و لم يترك في المقابل الفرصة تمر ان يكون للحزب دور فاعل في الرئاسة فرشح زميله "غول" و قام بدعمه لهذا المنصب.

3- اختيار "غول" يتضمن من ضمن ما يتضمن ايضا طمأنة النخبة القومية التركية التي ترى في الانفصاليين الاكراد خطرا و تهديدا يكتنف تركيا و يؤدي الى تقسيمها , و من هذا المنطلق هناك من يعتبر "غول" احد اهم المتشددين ازاء هذه القضية او غير متساهل فيها على الأقل, و تصريحه الاخير الذي هدد به البرزاني برد فوري في حال تدخل اكراد العراق في تركيا خير دليل على ذلك,  و هذه رسالة طمانة الى الجيش التركي ايضا الذي لا يتساهل في مسألة الاكراد مطلقا.

4- صحيح انّ منصب رئاسة الجمهورية في تركيا قليل الصلاحيات و اقرب الى الرئيس الفخري, لكنه من ناحية ثانية يحمل رمزية قوية و كبيرة و هو القائد الاعلى للقوات المسلحة, كما انه يمتلك فيتو على تعطيل المشاريع الحكومية المحالة اليه للتوقيع, و لذلك فانّ وصول رئيس علماني اتاتوركي قوي يعرقل كافة الاصلاحات ذات الطابع الاسلامي التي يقوم بها حزب العدالة و التنمية -و ان لم يصرح او يعلم انها اصلاحات اسلامية-, و بالتالي فانّ قيام "اردوغان" بهذه الخطوة, ادّى الى انتهاز الحزب لفرصتين مستقبلا بدلا من حصرها بفرصة واحدة و تخييره بين رئاسة الوزراء و رئاسة الجمهورية.

 

الطرح الحالي يمهد لامكانية التجديد لاردوغان في رئاسة الحكومة في حال حصول انتخابات تشريعية قادمة و فوز حزب العدالة و التنمية ايضا بالاغلبية البرلمانية. و بذلك يكون الحزب قد أطبق على رئاستي الوزراء و الدولة و نال اغلبية برلمانية و بالتالي فكل الطرق مفتوحة امامه اذا لم يتدخل الجيش و يقلب المعادلة كما جرت العادة.

 

و من المتوقع ان يصل "غول" الى سدّة الرئاسة و يستلم مهامه في 16 ايار المقبل اذا جرى كل شيء على ما يرام. اذ يحتاج "غول" الى 367 من أصل 550 صوتا برلمانيا للنجاح من الدورة الاولى, اذ يستطيع حزب العدالة تأمين 353 صوتا برلمانيا بغالبيته البرلمانية و عليه فهو بحاجة الى بعض الاصوات المنفردة او اصوات الاحزاب الصغيرة. لكن حتى لو يقم هؤلاء بالتصويت له, فانّ "غول" سيصبح رئيسا للبلاد حكما في الدورة الثالثة التي تحتاج الى اغلبية بسيطة قوامها 267 صوتا برلمانيا هي في متناول حزب العدالة و التنمية بالكامل.

 

و اذا ما تم ذلك,  يكون "غول" الرئيس رقم 11 لتركيا و هو اول رئيس اسلامي او غير علماني لتركيا منذ انهيار الخلافة العثمانية و الغاء اتاتورك لها في العام 1924. تبقى العقبة الوحيدة للحزب متمثلة في صقور الجيش الذين قاموا بالعديد من الانقلابات العسكرية منذ العام 1960 و حتى العام 1997 حينما اطاح بنجم الدين أربكان لتهديده المبادئ العلمانية للبلاد.

لكن الظروف الحالية مغايرة لما كانت سابقا, و ذلك لعدد من الاسباب و المعطيات منها:

 1- انّ نفوذ الجيش في المؤسسات الدستورية التركية آخذ في الانكماش, و سيزداد انكماشا حال وصول "غول" الى سدّة الرئاسة. اضف الى ذلك, فانّه و خلال معظم الانقلابات السابقة لم يكن هناك اغلبية برلمانية لحزب معين منفردا, و ذلك لم يعد موجودا منذ فوز حزب العدالة و التنمية لآخر انتخابات تشريعية.

2- حصول أي عملية انقلابية عسكرية سيقضي نهائيا على مساعي تركيا لدخول الاتحاد الاوروبي و هو يتعارض ايضا مع طروحات امريكا حول الاسلام المعتدل. اذ انّ الجدلية تكمن في استغلال الحزب العدالة و التنمية للطروحات الامريكية و الترويج لنفسه على انه اسلام معتدل و تمرير اجندته و زيادة شعبيته داخليا تحت يافطة "الديمقراطية الامريكية و حقوق الانسان الاوروبية", و بالتالي فان أي انقلاب عسكري سيقضي على علاقة تركيا بأمريكا و أوروبا معا و هو امر قد لا يراه الجيش مناسبا في هذا الوقت بالذات.

3- انّ الجيش لن يتدخل الاّ اذا شعر بخطر محدق. و هنا نشير الى الدبلوماسية العالية و الى سياسة الحزب الحكيمة و قدرته الكبيرة على المراوغة و التي تتيح له الامتداد ببطء شديد و لكن بفعالية كبيرة و برؤية استراتيجية و ذلك كي لا يثير مخاوف الجيش و يستدرجه الى انقلاب. و هذا الاسلوب يختلف عن اسلوب فئات اسلامية اخرى سعت الى اعلان نواياها باكرا و حاولت القيام بتطبيق قوانين اسلامية  بسرعة كبيرة عند وصولها الى الحكم و هو الامر الذي اثار هلع الجيش و دفعه الى الانقلاب مرات عديدة. و بالتالي فانّ حزب العدالة و التمنية على دراية كبيرة بهذه المعطيات و الارجح ان لا يتدخل الجيش و يبقى متفرجا.

 

و من المتوقع في حال وصول "غول" رئيسا للجمهورية التركية, ان تكتسب العلاقات التركية العربية زخما أكبر و قدرا اكبر من التعاون و التنسيق و ذلك لما لـ"غول" من روابط قوية بالعديد من الدول و منها المملكة العربية السعودية و مصر, ذلك انّه عمل لفترة طويلة (8 سنوات) في بنك التنمية الاسلامي في مدينة جدة السعودية في الفترة ما بين عامي 1983- 1991.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تركيا | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “اردوغان و الرئاسة: نموذج عن التضحية في سبيل الهدف”

  1. سبق للجيش التركي القيام بانقلابات عسكرية في مرات متعددة وكانت هذه الانقلابات تهدف في العموم إلى تصحيح اتجاه الدولة التركية حسب زعمهم وإن كان هذا يعني الاستمرار في السقوط في مستنقع الطورانية والقومية التركية والعلمانية بشكل كبير . ولو تتبعنا كل هذه الانقلابات لوجدنا أنها كانت موجهة ضد كل ما هو إسلامي في تركيا الأمر الذي لا يمكن أن تقبله النخبة العسكرية غالبا في تركيا وهي نخبة تسيطر عليها العلمانية المتطرفة . ولكن الانقلاب العسكري في هذه الفترة بسبب الاتحاد الأوروبي أو الإسلام الذي تريده أمريكا أظن أنه أمر غير مستبعد فأمريكا لا تحب أن يكون هناك إسلام أصلا لا إسلام معتدل ولا متطرف فكله عندها سواء ولطالما رأينا أن الولايت المتحدة وغيرها من الدول تتغاضى عن كل عمل موجه ضد المسلمين وضد الإسلاميين وما من دليل على ذلك أكثر من مسألة الإخوان المسلمين فهم يتكلمون باسم الإسلام ودعوتهم تقوم على الإسلام في كثير من الأمور وفي حال اعتقالهم أو التضييق عليهم لا نسمع من راعية الحرية والديمقراطية شيئا للاعتراض ولا المطالبة بالإفراج عن الإخوان أو أي إسلامي في نفس الوقت الذي تملأ الدنيا ضجيجا لو أن المعتقل أحد الليبراليين أو العلمانيين في أي بلد من بلاد العالم فما يهم أمريكا هو حرية على طرازها ونظامها وشكلها لا وجود للإسلام فيها ولو كان ظاهريا حتى ولا أظن أن أوروبا ستختلف عن أمريكا كثيرا في هذا الشأن فإن الكفر ملة واحدة لا فرق فيه بين أوروبا ولا أمريكا ولا إسرائيل.

  2. GOAL VA REUSSIR INCHAA ALLAH

    POURQUOI\?

    = C’ESTUN HOMME TRES SAGE

    ET AVEC LUI ARDOOGAN

  3. السلام عليكم اخ علي

    اولا موضوع جميل وشكر على المجهود وثانيا مبروك على الظهور التلفزيوني يا رب والله يوفقك دايما وعقبال عند العايزين

    سلام

    عدنان

  4. جزيل الشكر لجميع الاخوة المشاركين في التعليق و الدعم و ابداء الرأي و التفاعل. و عقبالك عزيزي عدنان , الله يبارك فيك.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر