أين اختفى الجنرال الإيراني؟
كتبهاعلي حسين باكير ، في 28 آذار 2007 الساعة: 12:50 م
مكان النشر: الاسلام اليوم
تاريخ النشر: 14-3-2007
بقلم: علي حسين باكير

فتح اختفاء نائب وزير الدفاع و المسؤول في الحرس الثوري سابقاً الجنرال علي رضا عسكري جدلاً كبيراً في الأوساط المعنيّة في داخل إيران و خارجها. و قد زاد الغموض المحيط بالموضوع تكاثر النظريات و المعلومات المسرّبة بين أن يكون الجنرال قد فرّ بمحض إرادته من إيران و لجأ إلى دولة أخرى أو أن يكون قد تمّ اختطافه. و لا تقف النظريات عند هذا الحد بل تطرح تساؤلات عديدة عمّا إذا كانت الولايات المتّحدة أو الموساد مسؤولة عن اختطاف أصغري، وعن دور المخابرات التركية، و فيما إذا كان العملية برمتها مسألة تصفية حسابات داخلية بين الأجنحة الإيرانية.
بطبيعة الحال و نظراً لأهمية الموضوع و مكانة الجنرال في التسلسل القيادي للنظام العسكري الإيراني، فإنّ الحصول على معلومات مهمّة و مؤكدة في هذا الإطار يكاد يكون مستحيلاً، لكنّ المعلومات المتاحة عن شخص عسكري تفيد بأنه شغل منصباً رفيع المستوى في قسم الدعم اللوجستي بوزارة الدفاع إبان الحرب الإيرانية-العراقية. تولّى بعدها رئاسة الهيئة العامة لأكبر مجمع إنتاج للأسلحة في إيران. ثمّ استلم عسكري منصب نائب وزير الدفاع السابق علي شمخاني، و مساعداً مسؤولاً له عن المشتريات العسكرية. و وفقاً لموقع (بازتاب) التابع لقائد الحرس الثوري السابق "محسن رضائي" فإنّ عسكري إضافة إلى ما يمثّله من ثقل لكونه نائباً لوزير الدفاع الإيراني السابق الماريشال علي شامخاني، فإنه يعتبر أيضاً "مسؤولاً كبيراً عالماً بأسرار خطيرة حول برامج إيران النووية ومعداتها العسكرية". أما صحيفة (يديعوت أحرنوت) الصهيونية فقد ذكرت معلومات مهمة جداً في إطار المهام العسكرية التي كانت موكلة إلى شخص علي رضا -بصفته رجلاً عسكرياً- خارج الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنّه "خدم في بداية التسعينيات في لبنان، وكانت إحدى مهماته توثيق العلاقات الإيرانية مع حزب الله، والإشراف على إرسال مدربين إيرانيين يعملون إلى جانب حزب الله في منطقة البقاع".
نظرية تورّط السي أي إيه الأمريكية في اختطافه
النظرية الأقوى في إطار اختطاف الجنرال عسكري، هيّ أن المخابرات المركزّية الأمريكية قامت باختطافه من تركيا، و نقله إلى جهة أخرى آمنة. بطبيعة الحال فإن الذين يرون صحّة هذه النظرية لا بد و أنهم يصرفونها في إطار عمليات تسجيل النقاط التي تجري بين الولايات المتّحدة و إيران في الوقت الراهن. فالولايات المتّحدة بدأت مذ فترة قصيرة بحشد كافة طاقاتها العسكرية و الترويج لاستعداد توجيه ضربة لإيران، و على عكس ما يعتقده الكثيرون، فإنّ الهدف من التحشيد هو الضغط على إيران في أي مفاوضات ثنائية و ليس شن حرب فعلية. لكنّ المشكلة في الأسلوب الأمريكي أنّه أصبح مكشوفاً أكثر من اللزوم، بمعنى أنّه يفتقر إلى المصداقية، وعندما تفتقد المصداقية العملية في الناحية العسكرية فهذا يعني فقدان القدرة على الردع بالتهديد الذي يضغط على الخصم، و مكمن الخطورة في هكذا حالة أنّ التهديد بالقوة قد يتحول إلى استعمال لها نتيجة الحسابات الخاطئة إما عند الطرف المستخدم لها أو عند الطرف المتلقي لها الذي لطالما استخفّ أو أهمل قدرة أمريكا على استخدام القوة. فالولايات المتّحدة تكثر من الحشد و استعراض القوّة و التهديد، و تسريب الخطط، و مع ذلك نرى الجهات الأخرى تقول إن أمريكا لا تقدر على شن حرب. و هذا يعني أن التهديدات الأمريكية لا يتم أخذها على محمل الجد، و لكن أمريكا و تلافيا لخطأ الحسابات الذي ذكرناه تحاول أن توحي بأنها جادة و لن يمنعها شيء، لذلك نراها منذ فترة قصيرة تطلق حملات عملية من اقتحام القنصلية الإيرانية في العراق، إلى اعتقال مسؤولين إيرانيين، إلى عرض وثائق عن التدخلات الإيرانية. ضمن هذا السياق قد يكون اختطاف الجنرال عسكري ذروة التصعيد و الجدّية.
فإذا صحّ هذا التحليل فهو يعني تسجيل المخابرات الأمريكية انتصاراً استخباراتياً كبيراً على إيران، من حيث طبيعة العملية الأمنية و السريّة، و من حيث أهمية عسكري و ما يمتلكه من معلومات تجعله بمثابة "الكنز المعلوماتي و الاستخباراتي".
نظرية تورّط الموساد الإسرائيلي
لا يستبعد المراقبون نظرية تورط الموساد الإسرائيلي في عملية اختطاف الجنرال الإيراني، و من يربط هذه النظرية بالواقع يستدل على الإجراءات الأمنية المشدّدة التي اتّخذتها الهيئات و المؤسسات و السفارات الإسرائيلية فور إعلان إيران أنها فقدت أثر جنرالها. و ممّا زاد الأمر غموضاً و تعقيداً ربط المصادر الإسرائيلية عملية اختطاف "عسكري" بالطيار الإسرائيلي الذي تمّ اختطافه في لبنان، و فقد أثره بعد ذلك (رون آراد) إذ إن الرابط الذي يخص إسرائيل في هكذا عملية هو خلفية عمل عسكري في لبنان خلال فترة التسعينيات، و تسريب معلومات عن امتلاكه معلومات مهمة بخصوص الطيار الإسرائيلي المختطف.
إذ لم تتردد إسرائيل سابقاً في اتّخاذ قرارات اختطاف مسؤولين على خلفية الشبهّة بامتلاكهم معلومات عن طيارها المفقود مثل العمليات الخاصة التي قامت من خلالها باختطاف عبد الكريم عبيد وأبو علي الديراني في لبنان. لذلك لا يوجد مانع على الإطلاق من أن تكون القراءة الإسرائيلية والحسابات الإسرائيلية تقوم على أن "عسكري" من الممكن أن يكون على علم بمصير (رون أراد) خاصة أن إسرائيل تكرر على الدوام بأن قضية طيّارها مرتبطة إلى حد بعيد بيد طهران في الموضوع.
لكنّ إسرائيل عادت و سرّبت العديد من المعلومات أن الجنرال كان قد فرّ بمحض إرادته، و أن ذلك قد تمّ بمساعدة جهاز استخباراتي أوروبي يرجّح البعض في أن يكون جهاز الاستخبارات البريطاني الـ (MI 6) نظراً لما يتمتع به من خبرة جيدة في تأمين ممر آمن للمسؤولين الذين يريدون اللجوء من بلدانهم الأصلية.
خُطف من قبل جهاز استخباراتي أم لجأ إلى دولة غربية؟
إذا ما قمنا برصد شمولي دقيق لطبيعة التصرفات الإيرانية و ردود الأفعال التي تلت فترة اختفاء "عسكري", فهذا سيوصلنا إلى استنتاج مفاده أن "عسكري" قد لجأ و لم يتم اختطافه.
1- إذ إن إيران لم تعلن مباشرة عن فقدان جنرالها و استغرقها الأمر حوالي عشرة أيام لتعلن ذلك، و ربما هي كانت مترددة في الإعلان عن فقدانه ريثما تتأكد من أنّه لجأ أو اختطف، و هذا التردد بحد ذاته دليل على أنها لم تقطع بموضوع اختطافه.
2- تسريب تصريحات بأنّ عسكري كان قد أخرج عائلته من إيران في وقت مبكر، و هو مؤشر آخر على أن الجنرال كان يعمل بشكل دقيق لتدبير لجوئه و ضمان أمن عائلته.
3- إعداد بعض الجهات الرسمية الإيرانية حملة هجوم على "عسكري" في محاولة لتشويه صورته و سمعته و اتّهامه بعمليات اختلاس و صفقات مالية و عسكرية، و ذلك انطلاقاً من معلومات وصلت للمسؤولين الإيرانيين تؤكّد أنه لجأ إلى الغرب، و لم يتم اختطافه من قبل جهاز استخباراتي.
4- وجود حالات لجوء سابقة هرباً من إيران، و أهمها مؤخراً فرار الدبلوماسي الإيراني السابق عادل أسدينيا الذي شغل من قبل منصب القنصل العام الإيراني في دبي، وعمل مستشاراً لوزارة الخارجية الإيرانية، و الذي طلب اللجوء السياسي في أوروبا منذ فترة قصيرة، و الذي قام بنقل معلومات مهمة جداً و خطيرة عن الخلايا الإيرانية النائمة في منطقة الخليج، ومن ضمنها أسماء أماكن محددة و أشخاص محددون يعملون ضمن شبكات تجسس و تخريب إيرانية في الخليج.
في المقابل، و إذا ما راقبنا ردود الفعل الإسرائيلية و الأمريكية خاصة، فإننا قد نستنتج أن "عسكري" لم يلجأ و إنما تمّ اختطافه.
1- توفّر العديد من المحرّضات التي تدفع إسرائيل أو أمريكا إلى القيام بمثل هذه العملية الاسخباراتية ذات الأبعاد المهمة، إضافة إلى وجود أدلة على أن "عسكري" كان في مهمة عسكرية خاصة في تركيا بهدف تأمين أسلحة أمريكية من سوق التهريب إلى إيران.
2- لو كان "عسكري" قد لجأ فعلاً إلى أمريكا، فإن أمريكا كانت ستستغل ذلك في حملة إعلامية كبيرة لتقديم "عسكري" للعالم كلاجئ من اضطهاد نظام الملالي؛ مما من شأنه أن يقوّض مناعة النظام الإيراني، و يدفع المتردّدين في الداخل إلى تكرار عمليات الفرار أو اللجوء هرباً من النظام الإيراني.
3- وجود أدلة تنقض ما قيل عن أن الجنرال قد هرّب عائلته، و هو ما يفيد أنّه خطّط للجوء؛ إذ تفيد المعلومات المتوافرة -و التي نُقلت في 13 آذار- عن أن زوجة و ابنة الجنرال أصغري موجودتان فعلاً في إيران و ليس خارجها، و هو مؤشر على أن الجنرال قد خُطف و لم يلجأ.
4- الغموض بحد ذاته قد يفسّر على أن "عسكري" تمّ اختطافه و ذلك لأنّ حالة الاختطاف تقتضي عدم إعلان الجهة الرسمية عن قيامها بمثل هذه العملية صراحة؛ لما لذلك من تداعيات، و بالتالي ترك الأمر لتخمين الإيرانيين أنفسهم.
و بغض النظر عن هذه النظريات السابقة، فمن المستغرب ألاّ يبدي أحد ما أي تعليق أو رأي إزاء أمرين:
الأول: ما هو دور الجهات الأمنيّة و الاستخباراتية التركيّة في الموضوع؟ هل يُعقل أن يكون جهاز الاستخبارات التركي و قيادة الجيش بمثل هذا الضعف أم أنّه ساعد في تحقيق مثل هذه العملية بغض النظر عن طبيعتها سواء أكانت عملية اختطاف أم عملية لجوء؟
الثاني: و هو الأهم من كل ذلك ضرورة عدم استبعاد فرضية تصفية "عسكري" من قبل النظام الإيراني نفسه، إذا بقي الغموض في هذه قضية "عسكري" سائداً دون الإعلان بشكل قاطع و صريح عن مكان تواجده سواء في حالة الخطف أو اللجوء؛ فهذا من شأنه أن يعزز نظرية التصفية الداخلية لاسيما أن الجنرال "عسكري" كان قد خاض نزاعاً مع عدد من أجنحة و أعضاء الحرس الثوري وفق ما أفاد به أحد الخبراء بالشأن الإيراني، الذي أشار إلى أن هذا الجنرال كان من أنزه الرجال في وزارة الدفاع، و هو الذي قد كشف عن ضلوع بعض المسؤولين الكبار في الحرس الثوري و شبكة وزارة الدفاع في الحصول على عملات و رشاوى تزيد عن (160) مليون دولار إلى جانب اختلاس (60) مليون دولار في صفقة وهمية في صفقة مع شركة نمساوية معروفة وأيضاً في صفقة مماثلة مع روسيا. و من هذا المنطلق، فلا يمكن استبعاد نظرية التصفية خاصّة أن النظام الإيراني يمتلك خبرة واسعة في هذا المجال، و قد نفّذ عدد من عمليات الاغتيال المعقّدة ضدّ معارضيه في داخل و في خارج إيران أيضاً و خاصة في التسعينيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ايران | السمات:ايران
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























