العلاقات الروسية-الصينية تحت المجهر

كتبهاعلي حسين باكير ، في 25 آذار 2006 الساعة: 21:49 م

مكان النشر: مجلة العصر

تاريخ النشر: 22-3-2006

بقلم: علي حسين باكير

 

"إن العلاقات بين روسيا والصين لا تعتبر عاملا من عوامل الاستقرار الجيوبوليتيكي فحسب، بل وتقدم نموذجا للشراكة الدولية المفتوحة غير الموجهة ضد بلدان أخرى، والتي تدعم تطوير نظام عالمي أكثر عدلا, وعلى الرغم من المنعطفات التاريخية الصعبة، إلا أن شعبي روسيا والصين حافظا على علاقات طيبة أحدهما مع الآخر. كما ندرك اليوم بشكل أكبر الأفضلية الإستراتيجية لاتصالاتنا الثنائية، ونعتزم توسيعها لما فيه فائدة شعبي البلدين".

 

هذا ما ألقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الصين في افتتاحه الرسمي "لعام روسيا في الصين" لدى وصوله الى بكّين في 21-3-2006 في اطار زيارة تستغرق يومين يرافقه فيها فريق من حوالي 90 شخصا من رجال اعمال و رجال دولة.

و قبل ان نقدّم تحليلا لهذه الزيارة و ما حقّقته عند انتهائها في مقال لنا, نود ان نعرض في هذا المقال لطبيعة العلاقات الروسية-الصينية مؤخّرا و التفاعلات الحاصلة بين الطرفين و تأثيرها الاستراتيجي.

 

فالمتابع للتحرّكات الروسية و الصينية في السنوات الاخيرة يلحظ تناميا ملحوظا في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. و ما يميّز العلاقات الثنائية الروسية-الصينية حاليا هو انّها تستند إلى مبادئ التكافؤ الحقيقي والمنفعة المتبادلة، ووحدة المصالح في أوسع دائرة من المسائل، و هي تخلو من الأشكال والقوالب الإيديولوجية مما يمنحها قوة في المستقبل المنظور.

لا شكّ ان العديد من العوامل لعبت دورا في تنمية هذه العلاقة و دفعت الطرفين باتّجاهها, و ممّا لا شكّ فيه ايضا انّ لهذه العلاقة نتائج و منافع متبادلة لدى الطرفين .

 

خلفية عن العلاقات الثنائية:

بدأت العلاقات الثنائية بين البلدين في العام 1949 ابّان وجود الاتّحاد السوفيتي في المنظومة العالمية, ثمّ شهدت هذه العلاقات توترا كبيرا في المراحل اللاحقة ادّت الى انفصام بينهما, ثمّ ما لبث الوضع ان تغيّر خاصّة بعد سقوط الاتّحاد السوفيتي و ظهور روسيا الاتّحادية.

و قد لعب الرئيس الروسي بوريس يلتسن آنذاك  دورا قويا في تقوية هذه العلاقات منذ العام 1992 حيثّ اتّخذت العلاقات الثنائية آنذاك أبعادا عديدة منها: موقف البلدين من السياسة الامريكية السلبية ورفضهما المشترك لمبدأ هيمنة قوة واحدة على النظام العالمي ، معارضة مشروع الدرع المضادة للصواريخ, التعاون في مجال التقنيات العسكرية, التنسيق الامني بين البلدين في منطقة آسيا الوسطى, تأكيد عدم تدخل كل طرف في الشؤون الداخلية للطرف الآخر واحترام الوحدة والسلامة الاقليمية له.

ثمّ جاء الرئيس بوتين الى الحكم, و مع انّ العلاقات مع الصين كانت متوترة في أوائل عهده نظرا لتوّجهه الى الغرب, الاّ انّ الامر كان مجرّد سحابة عابرة حيث تحوّلت العلاقات مع الصين الى خيار استراتيجي.

 

معاهدة التعاون و حسن الجوار:

في تموز من العام 2001 قامت الصين و روسيا بتوقيع اتفاق تعاون ثنائي لتوثّق من علاقات الدوليتين خلال العشرين سنة المقبلة. و تستبدل هذه الاتفاقية الجديدة تلك التي تمّ توقيعها ايام "ماو تسي تونغ" و ستالين و التي شكّلت الحلف المشؤوم في عام 1950 و اصبحت غير واقعية فيما بعد في نهاية الستينات اثر التوتر الذي حصل بين البلدين و انفصال علاقاتهما الثنائية.

و قد جاءت هذه الاتفاقية الجديدة آنذاك لتدعّم من "الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين و القائمة منذ نهاية التسعينيات خاصّة من جانب قلق الدولتين من التحول في النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه الولايات المتّحدة و حلفائها الأوروبيين.

و على العموم فقد ركّزت هذه الاتفاقية المؤلفة من 25 بندا على ما يلي:

1- معارضتهم المشتركة لبرنامج الدفاع الصاروخي الأمريكي.

2- رفضهم للمفهوم الغربي عن "التدخل الانساني" و الذي تبناه حلف الناتو في عام 1999 في كوسوفو.

3- معارضتهم للخطط الأمريكية بالتوسع العسكري, و التي لا يمكنها الاّ ان تضرّ بمصالح الأمن العالمي.

4- الدعم الروسي لمفهوم "صين واحدة" و الاعتراف بحق الصين في تايوان كجزء منها.

5- تدعيم التعاون العسكري بين الطرفين.

 

العلاقات الاقتصادية الثنائية

تعتبر روسيا شريكا تجاريا قويا للصين, فهي تحتل دائما موقعا بين الشركاء العشر الاوائل لها, و قد احتلت سنة 2005 المرتبة التاسعة بعد أمريكا, اليابان, هونغ كونغ, كوريا الجنوبية, تايوان, ألمانيا, ماليزيا و سنغافور. و تعتبر روسيا المصّدر الأولّ للاخشاب الى الصين. (64,7% من جميع واردات الصين من الخشب, المخصّبات 47,5%, المأكولات البحرية 44,5%, النفط 8,75%, معادن حديدية 13,9%).

 امّا بالنسبة الى الصين, فتكاد صادراتها الى روسيا تنحصر بالمواد و السلع الاستهلاكية, فيما تطمح الأخيرة في أن تزيد الصين من استثماراتها المباشرة في الاقتصاد الروسي, و التي بلغت في العام 2004 حوالي 5% من حجم الاستثمارات الصينية الخارجية الكلية.

و قد بلغ حجم هذه العلاقات الاقتصادية بين البلدين في العام 2004 حوالي 21,2 مليار دولار بزيادة نسبتها 35% عن السنة السابقة لها. و من المنتظر مضاعفة هذه الأرقام خلال العشر سنوات القادمة بين الطرفين.

 

العلاقات العسكرية الثنائية:

حتى فترة الثمانينات كانت المبيعات الروسية العسكرية للصين تكاد لا تذكر لصغر حجمها. امّا اليوم, فتعد الصين المصدر الاول لصادرات الأسلحة الروسية و التي تستأثر لوحدها بحوالي 45% من صادرات السلاح الروسي الى الخارج.

و منذ انهيار الاتّحاد السوفيتي, قامت الصين بصرف مليارات الدولارات لشراء طائرات نفّاثة, صورايخ, غواصات , و كاسحات الغام من روسيا. و قد ادّى هذا الى أن تصبح الصين المخلّص الأول لصناعة السلاح الروسية التي كانت تعاني منذ انهيار الاتّحاد السوفيتي.

و قد استطاعت الصين أن تحصل على أسلحة من روسيا خلال السنوات الثلاث الماضية بما قيمته خمسة مليارات من الدولارات، كان نصيب العام (2005) منها مليارين من الدولارات، وقد شملت تلك الصفقات: معدات، وصواريخ، وغواصات ديزل، ومقاتلات سوخوى 27 و30، ومعدات حربية متنوعة، وصرح الجنرال "فلاديمير ميخائيلوف" - قائد القوات الجوية الروسية - بأن روسيا تنوى تزويد الصين بطائرات استراتيجية قاذفة للقنابل من طرازي SU-27M و SU-29M، وقاذفات بعيدة المدى من طراز TU-22M-3، وكذلك حاملات صواريخ من طراز TU-95MS.

و تلعب العلاقات العسكرية الروسية-الصينية اليوم دورا في دعم توجّه الصين التسلحي الذي يزعج العديد من الدول و على رأسهم الولايات المتّحدة الأمريكية.

 

التطورات الأخيرة في العلاقة بين الطرفين:

التطورات الاخيرة المهمّة في العلاقات الثنائية بين البلدين عبر تناول ثلاث محطّات هي:

1-   البيان الصيني-الروسي المشترك لانشاء نظام عالمي جديد في 1/7/2005 موقفهما المشترك حول قضايا دولية رئيسية؛ مثل إصلاحات الأمم المتحدة، والعولمة، والتعاون بين الشمال والجنوب، والاقتصاد، والتجارة العالمية.

2-   المناورات العسكرية المشتركة بين الصين وروسيا باسم "رسالة السلام 2005" في الفترة ما بين 18-25 آب 2005 و التي أثارت مخاوف العديد من القوى الدولية لاسيما الولايات المتّحدة الأمريكية.

3-   رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الرئيس الصيني في 5/1/2006 و التي تحدّث فيها عن المستوى غير المسبوق الذي بلغته علاقات الدولتين على كافّة الصّعد مشددا على ضرورة تعزيز هذه الشراكة في اطار اتفاقية التعاون المشترك, معتبرا انّ العام 2006 سيكون منقطع النظير في اطار التعاون المشترك.

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الصين, روسيا | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “العلاقات الروسية-الصينية تحت المجهر”

  1. تقرير ممتاز و دقيق, نشكر لكم متابعتكم القيّمة للمواضيع المهمة في صفحتكم و نرجو منكم تقديم بعض التحليلات فيما يخص العراق
    و شكرا

  2. لشكر الجزيل على مختف المجهودات و الافادات … رجاء فقط ارسالي دراسات أخرى فيما يتعلق بالعلاقات الروسية الصينية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر