العجز التجاري الأمريكي: داء يهدّد الاقتصاد بالانهيار
كتبهاعلي حسين باكير ، في 20 آذار 2007 الساعة: 21:47 م
مكان النشر: الاسلام اليوم
تاريخ النشر: 6-3-2007
بقلم: علي حسين باكير

تشير الأرقام المتعلّقة بالعجز في الميزان التجاري الأمريكي إلى أنّ المشكلة مزمنة. فبعد تسجيل أرقام قياسية في هذا المجال في العام 2005 أصدر مكتب الإحصاء الرسمي الأمريكي في 13 شباط 2007 أرقاماً تشير إلى أنّ العجز في الميزان التجاري بلغ في العام 2006 الرقم (763.6) مليار دولار أي بزيادة حوالي (57) مليار دولار عن العام 2005.
و تتصدّر الصين قائمة الدول التي يميل الميزان التجاري لصالحها في مواجهة الولايات المتّحدة؛ إذ بلغ عجز الأخيرة أمام الأولى في العام المنصرف 2006 الرقم (232.5) مليار دولار بعد أن كان (201.5) مليار دولار في العام 2005.
الأسباب الرئيسة وراء ارتفاع العجز
يزداد العجز في الميزان التجاري الأمريكي بصورة مخيفة سنة تلو الأخرى، و يمكن مشاهدة ذلك من خلال مقارنة الأرقام المرصودة من العام 2001 و حتى العام 2006 و التي تأتي على الشكل التالي "مع تدويرها":
- العام 2001: 363 مليار دولار = 690.00 دولار في الدقيقة.
- العام 2002: 421 مليار دولار = 801.000 دولار في الدقيقة.
- العام 2003: 495 مليار دولار = 942.000 دولار في الدقيقة.
- العام 2004: 611 مليار دولار = 1.200.000 دولار في الدقيقة.
- العام 2005: 711 مليار دولار = 1.400.000 دولار في الدقيقة.
- العام 2006: 765 مليار دولار = 1.450.000 دولار في الدقيقة.
و نظراً لسرعة و حجم العجز المتراكم في الميزان التجاري الأمريكي, فلا بدّ أن هناك العديد من العوامل المسؤولة التي تلعب دوراً رئيساً في هذا الإطار، و التي يجمع عدد من المختصين في الشأن الاقتصادي أنّ من بينها:
1- الاعتماد المتزايد على الطاقة: إذ يؤدي الاعتماد المتزايد على استهلاك الطاقة إلى استيراد المزيد من البترول، و هو ما يؤثر سلباً نظراً لأسعاره المرتفعة. فقد بلغت قيمة المستوردات النفطية في آذار 2006 حوالي (20) مليار دولار لترتفع قيمة المستوردات النفطيّة في الربع الأوّل من العام 2006 إلى حوالي (65.2) مليار دولار أمريكي. و مقارنة بالربع الأول من العام 2001, بلغت المستوردات النفطيّة آنذاك (26.6) مليار دولار، و هو ما يشير إلى الفارق الكبير في الأسعار و التكاليف.
2- زيادة الاستهلاك مع تراجع الإنتاج: إذ إن الطلب على المواد الاستهلاكية و المنسوجات و غيرها من المواد يزداد سنويا بشكل كبير، و تشكّل الصين المصدر الأساس لهذه الواردات نظراً لرخص سعر اليد العاملة الذي ينعكس على الإنتاج الذي يتّميز بسعر زهيد، و لذلك فإن العجز التجاري يزداد دائماً بين الطرفين لصالح الصين، و نستطيع أن نرى ذلك بوضوح عندما نقارن أرقام العام 2001 التي بلغ فيها العجز لصالح الصين حوالي (83) مليار دولار، و أرقام العام 2006 و التي بلغ فيها (232.5) مليار دولار.
2- انخفاض الطلب على التكنولوجيا الأمريكية: فوفقاً لمكتب الإحصاءات الرسمية الأمريكية، فقد حقّقت الصادرات التكنولوجية الأمريكية فائضاً بلغ (4.6) مليار دولار في الربع الأول من العام 2001، مقابل عجز في الربع الأول من العام 2006 مقارنة بالربع الأول من العام 2001 بلغ (7.2) مليار دولار.
3- انخفاض الطلب على الخدمات الأمريكية: فقد مثّل الطلب على الخدمات الأمريكية كالسياحة و التعليم فائضاً بلغ حوالي (13.9) مليار دولار في الربع الأوّل من العام 2006 مقابل (18.1) مليار دولار في الربع الأول من العام 2001.
الصين و اليابان تخوض حرباً اقتصادية ضدّ أمريكا
وفقا لأرقام وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة في حزيران 2006 فإنّ الدول الأجنبية تمتلك ما نسبته 44% (أي 2.090 تريليون دولار) من مجموع الدين العام الفيدرالي المملوك من قبل العامّة، و البالغ قيمته (4.797) تريليون دولار -حتى حزيران 2006-. و تأتي كل من اليابان و الصين و المملكة المتّحدة على رأس هذه الدول الأجنبية بقيمة تبلغ (635.3) مليار دولار, (327.7) مليار دولار و (201.4) مليار دولار، و هذا معناه أن هذه الدول باتت تشكّل مصدر السلفة الأساسي للولايات المتّحدة، و هذا ما يوصلنا إلى استنتاج مفاده أن سحب هذه الدول الأجنبية لقروضها هذه و أموالها سيشكل تهديداً جدّياً للاقتصاد الأمريكي.
لقد استطاعت كل من اليابان و الصين على سبيل المثال أن تحقق حوالي تريليون دولار كاحتياطي عملات عبر فوائض الميزان التجاري لديها. لو أخذنا بعين الاعتبار إحدى أهم و أكبر و أضخم شركات الإنتاج الصناعي في الولايات المّتحدة الأمريكية، و هي شركة (جنرال موتورز) سنرى أن قيمتها في أسواق الأسهم تبلغ حوالي (20) مليار دولار، و هذا يعني أن باستطاعة اليابان أو الصين على سبيل المثال "نظرياً" شراء أعظم شركة أمريكية صناعية على الإطلاق عبر 2% فقط مما تملكه في البنوك من عملات أو احتياطي نقدي.
باستطاعة الصين و اليابان عبر هذه الطريقة حرمان الولايات المتّحدة من مصادر دخلها المتمثلة بالشركات المنتجة عبر شرائها في أسواق الأسهم أو مباشرة.
في العولمة، غالباً ما ينتج عن العنصر الإيجابي لصالح دولة ما عنصر سلبي لدولة أخرى، بمعنى آخر إذا كان هناك رابح سيكون مقابله خاسر. حالياً الولايات المتحدة لا تستطيع أن تنافس المعدلات المنخفضة لأجر العمالة الصينية، و نتيجة لذلك، فقد حققت الصين في العام 2006 وحده فائضاً في الميزان التجاري بلغ (230) مليار دولار. ليس باستطاعتها أيضاً أن تنافس التكنولوجيا اليابانية المتفوقة كما يقول الخبير الاقتصادي توماس هيفنر، و كنتيجة فإن شركة (تويوتا)على سبيل المثال حقّقت أرباحاً في العام الماضي بلغت حوالي (10) مليارات دولار، فيما خسرت شركة (جنرال موتورز) الأمريكية مقارنة باليابانية حوالي (10) مليارات دولار في نفس الفترة، و بلغت خسائر شركة (فورد) حوالي (12.7) مليار دولار.
صحيح أن حجم الاقتصاد الأمريكي ضخم جداً و يوازي أضعاف مثيله في اليابان و الصين، لكن الصحيح أيضاً أن الولايات المتّحدة الأمريكية منهزمة الآن في الحرب الاقتصادية الجارية، و هي تتراجع و غيرها يتقدم, و نستطيع أن نلمس ذلك من خلال التأثيرات التي يتركها العجز التجاري المتراكم سنوياً، تقهقر البنى التحتيّة الصناعية، و بيع معظم الشركات العملاقة الأكثر أهمية في البلاد.
إستراتيجية تأجيل الحل تفاقم من المشكلة
لقد أثّر العجز في الميزان التجاري بشكل كبير على قدرة البلاد في ضبط الدين، و قد قامت الدول الأجنبية بشراء حوالي (13) ألف شركة أمريكية من أفضل الشركات المنتجة. و يؤدي خسارة البلاد لمثل هذه الشركات المنتجة الكبرى إلى تناقص الإنتاج، و بالتالي تناقص الربح، و من ثمّ تناقص قيمة الضرائب و حاصلها، بالإضافة إلى انتقال التكنولوجيا التي تمتلكها تلك الشركات إلى الدول التي قامت بشرائها.
هذا العجز التجاري يتجمّع و يزداد شيئاً فشيئاً في يد الأجانب، و ذلك عبر زيادة ما يبيعونه للأمريكيين مقابل ما يستوردونه منهم. تقوم الدول و الشركات الأجنبية بإعادة استخدام هذا المال لشراء الشركات الأمريكية إما مباشرة، و إما عبر سوق الأسهم، و غالباً ما تكون هذه الشركات من أهم و أكبر و أعرق الشركات الأمريكية الصناعية.
يقول الخبير الاقتصادي توماس هيفنر: "العجز سيزداد، و بالتالي شراء الشركات الأمريكية من قبل الأجانب الذين يملكون هذا الدين سيزداد، و هذا يعني أن عدد الشركات المملوكة في الولايات المتّحدة من قبل الأمريكيين سيكون قليلاً جداً، وسيقل الإنتاج، و لن يعود بإمكاننا السيطرة على العجز أو عكسه، مما سيدفعه إلى الازدياد حكماً حتى نبلغ مرحلة لا نملك فيها أي شركات لنبيعها. لقد بعنا حتى الآن ما يزيد عن ثمانية آلاف شركة من أفضل و أغنى و أكثر شركاتنا إنتاجاً خلال العشر سنوات الأخيرة".
تعمل الولايات المتّحدة حالياً على تجاهل مشكلة الدين هذه، و تعيش على المال المقترض و الوقت المقترض. و وفقاً لمديرة الدراسات الاقتصادية في معهد بروكينجز(سوهيل)، فإنّ الحكومة الفيدرالية تنفق حوالي (400) مليار دولار سنوياً زيادة عمّا تجبيه من عائدات، و هو الأمر الذي أدى إلى تراكم الدين الفيدرالي ليصبح وحده فقط حتى العام 2006 حوالي (8.3) تريليون دولار.
فالأمريكيون إذاً يعيشون الآن على القروض المالية التي تفوق قدرتهم على الإنتاج؛ فمنذ العام 1987 ارتفعت:
1- رهونات المنازل من (1.8) تريليون دولار إلى (8.2) تريليون دولار.
2- دين المستهلك من (2.7) تريليون إلى (11) تريليون دولار.
3- الحد الأقصى للدين في الموازنة غير المسموح للحكومات المحليّة تخطّى حاجزه ليبلغ (9) تريليون.
4- نفقات الأسر تضاعفت أربع مرات حتى الآن.
صحيح أنّه ليس هناك من حل سحري لمشكلة العجز الأمريكي، لكن قد يؤدي التأخير في اتّخاذ تدابير حاسمة و سريعة إلى جرّ الاقتصاد الأمريكي إلى كارثة كبيرة إثر زيادة الديون بشكل مخيف؛ فقد ازداد العجز التجاري بشكل مستمر في هذه الدورة الاقتصادية، و زادت نسبته عن 5% من إجمالي الناتج المحلي منذ العام 2004. و هي نسبة يشير معظم الاقتصاديين إلى أنّ أي عجز تجاري يعبر عتبتها لا يمكن تحمّله على المدى البعيد، و لا معالجته، و ها نحن في العام 2007 و المشكلة لاتزال تتفاقم.
اقرأ أيضا:
انهيار الولايات المتّحدة الأمريكية: (قراءة للوضع الاقتصادي)
"فرص ضائعة: انفاق بوش الدفاعي في غير محلّه"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أمريكا | السمات:أمريكا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























