خاص: القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003-الحلقة الثانية
كتبهاعلي حسين باكير ، في 8 آذار 2007 الساعة: 09:04 ص

علي حسين باكير/السياسة الكويتية
تاريخ:7-3-2007/الجزء الثاني
العرض الايراني السري: نعترف بإسرائيل ونتنازل عن النووي ونوقف دعم حزب الله مقابل منحنا الوصاية على الخليج والاعتراف بنا قوة اقليمية شرعية
تم ارسال العرض الايراني او الوثيقة السرية إلى واشنطن في الوقت المناسب الذي كان يجتمع فيه كل من مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف"-سويسرا في 2 مايو 2003 وقد وصلت نسخة من الاقتراح-الوثيقة الى وزارة الخارجية الأميركية عبر الفاكس, ونسخة اخرى تم تسليمها لوسيط أميركي شخصيا.
عرضت ايران ايضا في هذا الاجتماع الثنائي الخاص قيامها بعمل حاسم وسريع ضد أي مجموعات ارهابية تتواجد على اراضيها وخاصة فيما يتعلق بالقاعدة. ومقابل ذلك طالبت ايران الولايات المتحدة بعمل حاسم ضد المجموعات الارهابية الايرانية لاسيما منظمة مجاهدي خلق (منظمة مجاهدي خلق المعارضة للنظام الايراني الحالي كانت الولايات المتحدة ادرجتها على قائمة المنظمات الارهابية خلال فترة كلينتون وذلك في محاولة لتحسين العلاقات الثنائية آنذاك, ومازالت على القائمة) التي حاربت الى جانب الجيش العراقي في الحرب مع ايران, وان تقوم الولايات المتحدة باتخاذ الاجراءات المناسبة السريعة فيما يتعلق باعضاء المنظمة الموجودين على اراضيها.
وفي هذا الاجتماع الخاص, اقترح جواد ظريف تبادل المعلومات بين الطرفين حول تنظيم القاعدة ومنظمة مجاهدي خلق في اتفاق منفصل. ووفقا لـ فلاينت ليفيريت, فان ظريف عرض على خليل زاد تسليم الولايات المتحدة قائمة بأسماء قياديي القاعدة المحتجزين في ايران, مقابل الحصول على لائحة بأسماء أعضاء منظمة مجاهدي خلق الذين اسرتهم أميركا في العراق.
اما بالنسبة الى العرض الايراني السري, فقد كانت دائرة الأشخاص الذين يعرفون به سواءا من الجهة الايرانية اومن الجهة الأميركية ضيقة جدا, والسبب في ذلك حسبما أشار أحد المسؤولين الايرانيين الرفيعي المستوى أن لا يتحول الوضع الى فضحية ايران-غيت ثانية.
يقول غارثر بورتر وهو مؤرخ وصحافي متخصص في الكتابة عن السياسة الأميركية تجاه ايران, ويبدي تعاطفا شديدا تجاهها وانتقادا لاذعا للادارة الأميركية لعدم التعاون معها وتنمية العلاقات المشتركة للبلدين, وهو احد الاشخاص القلائل الذين اطلعوا شخصيا على الوثيقة الى جانب المتخصص في السياسة الخارجية الإيرانية في جامعة جون هوبكنز للعلاقات الدولية المتقدمة تريتا بارسي: تعترض الوثيقة المؤلفة من صفحتين على الخط السياسي الرسمي لإدارة جورج بوش باتهام ايران بأنها تسعى الى تدمير إسرائيل ودعم الإرهاب في المنطقة".
لقد عرض الاقتراح الايراني السري مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها ايران في حال تمت الموافقة على الصفقة الكبرى وهو يتناول عددا من المواضيع منها: برنامجها النووي, سياستها تجاه اسرائيل, ومحاربة القاعدة. كما عرضت الوثيقة انشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أميركية-ايرانية بالتوازي للتفاوض على خارطة طريق بخصوص ثلاثة مواضيع: أسلحة الدمار الشامل, الإرهاب والأمن الاقليمي, التعاون الاقتصادي".
وفقا لـبارسي, فان هذه الورقة هي مجرد ملخص لعرض تفاوضي إيراني أكثر تفصيلا كان علم به في العام 2003 عبر وسيط سويسري نقله الى وزارة الخارجية الأميركية بعد تلقيه من السفارة السويسرية أواخر ابريل اوائل مايو من العام 2003 .
وتضمنت الوثيقة السرية الايرانية لعام 2003 والتي مرت بمراحل عديدة منذ 11 سبتمبر 2001 ما يلي:
1- عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار, انشاء مؤسسات ديمقراطية, وحكومة غير دينية).
2- عرض ايران شفافية كاملة لتوفير الاطمئنان والتأكيد بأنها لا تطور أسلحة دمار شامل, والالتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل ودون قيود.
3- عرض ايران ايقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية المعارضة والضغط عليها لإيقاف عملياتها العنيفة ضد المدنيين الإسرائيليين داخل حدود إسرائيل العام 1967 .
4- التزام ايران بتحويل حزب الله اللبناني الى حزب سياسي منخرط بشكل كامل في الاطار اللبناني.
5- قبول ايران بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت عام ,2002 أوما يسمى طرح الدولتين والتي تنص على إقامة دولتين والقبول بعلاقات طبيعية وسلام مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما بعد حدود 1967.
واشترطت إيران مقابل تقديمها هذه التنازلات عددا من الشروط التي وردت في هذه الوثيقة السرية المقدمة العام 2003 إلى الإدارة الأميركية منها:
1- إنهاء السلوك العدائي للولايات المتحدة تجاه ايران بما فيه الغاء تصنيفها ضمن محور الشر وتسميتها دولة داعمة للارهاب".
2- رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية كليا عن ايران, والافراج عن الأموال المجمدة لها في الولايات المتحدة واسقاط كافة الأحكام القضائية الصادرة بحقها والمساعدة في تسهيل انخراطها في المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
3- اتخاذ موقف حازم ونهائي ضد من اسمتهم ارهابيي حركة مجاهدي خلق المعاديين لايران خاصة الموجودين على الأراضي الأميركية,واحترام مصالح ايران القومية والشرعية في العراق وعلاقاتها الدينية في النجف وكربلاء.
4- السماح لايران بالوصول الى الطاقة النووية السلمية ومصادر التكنولوجيا البيولوجية والكيماوية.
5- والأهم من كل هذه المطالب, مطلب ايران بالحصول على إقرار واعتراف أميركي بـ(شرعية مصالحها الأمنية في المنطقة كقوة إقليمية شريعة) والتي تعني وفق نفس المصدر الذي اطلع على الرسالة السرية منحها الوصاية اواليد العليا في الخليج والاشتراك في الترتيبات الأمنية المستقبلية للمنطقة, بالاضافة الى الحصول على ضمانات بعدم التعرض لعمل عسكري.
المفاجأة الكبرى في هذا العرض كانت تتمثل باستعداد ايران تقديم اعترافها باسرائيل كدولة شرعية!! لقد سبب ذلك احراجا كبيرا لجماعة المحافظين الجدد والصقور الذين كانوا يناورون على مسألة تدمير ايران لاسرائيل و"محوها عن الخريطة".
بالنسبة لعدد من الأكاديميين الاميركيين المختصين بالشؤون الايرانية وحتى العديد من الأوساط الاسرائيلية البحثية فان ذلك لم يكن ذلك مفاجأ. هم يعرفون ان التهديدات الايرانية لاسرائيل ومسألة العداء هي امر مصطنع وموجه للطبقة العامة من الناس بغرض كسب التعاطف والدعم, وليس ادل على ذلك من الرسائل التي تشير دائما الى وجود علاقات سرية وتعاون بين الجمهورية الاسلامية الايرانية واسرائيل. فعلى سبيل المثال, يقول افرايم كام وهوأحد أشهر الخبراء في مجال الاستخبارات والباحث في مركز جافي للدراسات الستراتيجية في جامعة تل أبيب", في دراسة له اعدها بتكليف من وزارة الدفاع الاسرائيلية: ان ايران من ناحية عملية لا تعتبر اسرائيل العدوالاول لها ولا حتى الاكثر أهمية من بين أعدائها…وعلى الرغم من الخطاب السياسي الايراني المناكف لاسرائيل اعلاميا, الا ان الاعتبارات التي تحكم الستراتيجية الايرانية ترتبط بمصالحها ووضعها في الخليج وليس بعدائها لاسرائيل, وهي تبدي حساسية كبيرة لما يجري في دول الجوار".
ومثله نقل معهد omedia البحثي الإسرائيلي في تقرير مهم له بعنوان إيران بحاجة الى إسرائيل للباحث زيو مائور جاء فيه: أن إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل ولا تريد تدميرها, بل هي في حاجة لإسرائيل وتعتبرها مكسبًا ستراتيجيًا مهما حتى تظل قوة عظمى في المنطقة… وهي تستغل وتستخدم اسرائيل كذريعة لتحقيق أهدافها ولدعم مكانتها الإقليمية ولنشر مبادئ الثورة الإيرانية تحت شعار معاداة اسرائيل".. ان التصريحات الدعائية الإيرانية ضد الولايات المتحدة الأميركية أيضا هي من باب الاستهلاك الإعلامي فقط".
مثل هذه الخلاصات عن حقيقة العلاقة بين ايران واسرائيل ليست يتيمة, وهناك شواهد كبيرة جدا تؤكد وتدعم هذا التوجه لدى عديد من الأطراف بما في ذلك الايرانية والاسرائيلية والأميركية.
تم اهمال العرض الايراني التاريخي الكبير من قبل صقور الولايات المتحدة في البيت الأبيض. لكن اذا كانت ايران طرحت الاعتراف باسرائيل وقدمت كل هذه التنازلات, فما الذي حال دون موافقة الاميركيين على عقد مثل هذه الصفقة?
تشير بعض المصادر ان سبب الاهمال اوالرفض الاميركي هوان العرض لم يكن رسميا ولم يكن باستطاعة الجهات الاميركية التمييز بين ما قامت ايران بطرحه وبين ما اضافه السفير السويسري الوسيط تيم غولدمان", معتبرة أنه كان مجرد بالون اختبار لابتزاز الولايات المتحدة مقابل الحصول على مكتسبات كبيرة جدا. هذا فيما يعتقد البعض الآخر ان السبب هوالمناورة الايرانية وان الاميركيين كانوا سيناقشون الطرح فيما لو تم بطريقة مباشرة ورسمية وليس عبر وسطاء وتسريبات, فيما ترى مصادر اخرى ان السبب الحقيقي لاهمال العرض يكمن في عنصرين أساسيين:
الأول: هوان ايران اعطت نفسها قدرا اكبر من الوزن والقوة والمكانة الإقليمية والدولية عندما ساوت نفسها بالولايات المتحدة وهو الأمر الذي ما كان يتم قبوله للاتحاد السوفياتي فكيف بايران!! وهو الأمر الذي لم يعجب صقور الادارة الذين كانوا يرون ان الولايات المتحدة قادمة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط بدءا من افغانستان وليس انتهاءا بالعراق وقد يكون الدور على النظام الإيراني تاليا, خاصة ان أميركا كانت في موقع قوي عسكريا وسياسيا خاصة ان المقاومة العراقية لم تكن قد بدأت اعمالها بعد.
الثاني: وهو العنصر الأهم, ان المشكلة تكمن في المطلب الايراني باعطائها الوصاية على الخليج والاعتراف بها قوة شرعية. اذ ان الاستجابة لمثل هذا الطلب يعني تحويل ايران الى قوة عالمية تسيطر على نفط العالم عبر الخليج وتتحكم بالممرات وعوامل القوة وتبتز الآخرين متى تشاء, وهذا أمر مرفوض بتاتا في السياسة الأميركية خاصة أن الولايات المتحدة كانت قد حسمت أمرها في اخضاعه لاشرافها مباشرة لاسيما بعد تجربة الشاه وتجربة صدام التي كادت تحول هذين النظامين الى قوة عالمية تتحكم بالدول العظمى.
اما بالنسبة الى الاقتراح الثاني الأقل اهمية الذي ورد في اجتماع جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف-سويسرا, فقد تمت مناقشته في الإدارة الأميركية وعلى الرغم من انه لم يقر بشكله المطروح, الا ان الولايات المتحدة قامت باتخاذ خطوات محددة في ذلك الوقت تجاه جماعة مجاهدي خلق في العراق مقابل الحصول على معلومات محددة من قبل الايرانيين عما هو متوفر لديها من تحركات للقاعدة. وقد أجاز البيت الأبيض عبر الرئيس بوش لوزارة الخارجية متابعة الاتصالات مع الإيرانيين في جنيف.
في هذه الأثناء, كان جناح تشيني, رامسفيلد, وفايث غير مرتاح للنوايا الإيرانية, وحصلت حينها تفجيرت في الرياض ادت إلى مقتل (8) أميركيين وعدد كبير من السعوديين, وقد اتهمت المخابرات الأميركية حينها إيران بإيوائها المخططين لهذه التفجيرات, في حين ان إيران كانت قد أعلنت انه لوكان هناك فعلا عدد من التابعين للقاعدة على أراضيها, فان هذا لا يعني انها تأويهم, اذ لا يمكن مراقبة الحدود الشاسعة اوالسيطرة عليها كليا.
وبغض النظر سواءا كان هذا صحيحا أم لا, فقد استغل الجناح الاميركي المتشدد هذه الحوادث وأقنع بوش بان إيران تساعد القاعدة على استهداف الاميركيين, فقام بوش بإلغاء اجتماع كان من المقرر للأميركيين ان يجتمعوا خلاله بوفد إيراني في 21 مايو ,2003وبذلك قطعت قناة الاتصال الديبلوماسية الوحيدة مع الايرانيين.
جناح الحمائم الاميركي يصطدم بصقور المحافظين الجدد منعا لتغيير النظام الايراني
حاول فريق وزير الخارجية الأميركية كولن باول التحرك لابقاء قناة الاتصال مع الايرانيين مفتوحة, فقرر متابعة موضوع وملف مجاهدي خلق والالتزام بما تم طرحه في الاقتراح الثاني خلال اجتماع كل من مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف"-سويسرا في 2 مايو 2003 وقام كولن باول بإرسال رسالة رامسفيلد -الذي سمح لمجموعات مجاهدي خلق بالتنقل من والى المخيم بحرية- يذكره فيها بأن مجموعات مجاهدي خلق المتواجدين بالعراق هم اسرى لدى القوات الأميركية وليس حلفاء, وانه لا يجوز السماح لهم بالتنقل بحرية من والى المخيم الذي يقيمون فيه.
ونتيجة للتجاذب الاميركي الداخلي, وافقت الادارة الأميركية على اعادة فتح ابواب الحوار مع ايران شرط ان تقوم بداية بتسليم الولايات المتحدة قيادات القاعدة الموجدين لديها اواعطاء معلومات مهمة بشانهم. فنقل ريتشارد أرميتاج -الذي اعرب المسؤولون الايرانيون عبر قنوات خلفية عديدة عن تمنياتهم بان يرأس هوأي وفد للحوار أو الاتصال مع طهران لكونه مهتم جدا بالانفتاح على ايران وعاش فيها عددا من السنوات ولديه خلفية جيدة عنها- هذه الرسالة في شهادة له أمام الكونغرس الاميركي في اكتوبر ,2003 قائلا: الولايات المتحدة ستكون مستعدة لإجراء حوار واسع النطاق مع ايران لكن بعد ان تقوم الأخيرة بتسليم قادة القاعدة الموجودين لديها اومشاركة معلومات مهمة عن جميع قادتها المهمين".
أصر صقور الادارة الأميركية على تطبيق ما اصطلح على تسميه قواعد هادلي في الانفتاح على ايران اذا كانت راغبة في فتح قناة اتصال,. هذه القواعد كانت تفرض على ايران تنفيذ ما يطلب منها اولا ومن ثم الحديث عن المواضيع التي سيتم النقاش حولها.
وبحلول الفصل الأخير من سنة ,2003 كانت ايران رات في برنامجها النووي فرصة لفتح نقاش وحوار مع الدول الأوروبية وبالتالي توسيع أي اطار اقليمي ودولي لمواجهة أي جهد أميركي يسعى لعزلها بعدما شعرت الأخيرة ان المحافظين الجدد جادين في مسألة تغيير النظام الايراني اوعلى الأقل زيادة الضغط عليه في المرحلة المقبلة.
في ذلك الوقت تسربت العديد من السيناريوهات الأميركية لاسقاط النظام في ايران عبر هجوم عسكري كبير, فيما طرحت بعض الاوساط اعتماد اساليب اخرى غير عسكرية لاخضاع النظام الايراني. فقد إقترحت مؤسسة اميركان إنتربرايز أن يتم العمل على تطوير سياسة الحصار الاقتصادي- العسكري لأيران ليصبح حصارا إيديولوجياً أيضا, من خلال مواصلة مشروع إدارة بوش في نشر الديموقراطية في الشرق الاوسط, على أن يتم العمل على تحقيق هدفين:
- منع إيران من الحصول على دعم قوى كبرى. وبرغم ان قطع علاقات إيران بالصين سيكون صعباً, إلا ان الامر ليس كذلك مع الهند التي يمكن إغراؤها بقطع علاقتها مع طهران مقابل إقامة تحالف ستراتيجي بينها وبين أميركا. (وهذا بالتحديد مع فعله بوش خلال زيارته الأخيرة للهند).
- أما الهدف الثاني فهو أن تحتفظ الولايات المتحدة بالمبادرة في مشروعها الجديد للإصلاح والتغيير في الشرق الاوسط الكبير.
فالعزل الحقيقي للنظام الإيراني لن يتحقق إلا حين يغرق هذا الاخير في بحر أكبر من الحكومات الليبرالية القابلة للمساءلة في المنطقة. وإذا ما استقرت الديمقراطية في أفغانستان والعراق, برغم إستمرار أعمال العنف فيهما, فستتعرض إيران الى مخاطر مضاعفة في الداخل.
امتعضت ايران من التصرف الاميركي الذي لم يكافئها على دورها الايجابي وعمل على محاصرتها, فصرح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية آنذاك الإمارات في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الستراتيجية بإمارة أبوظبي في 15/1/2004م قائلا: قدمنا الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق….ولولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة!!… لكننا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة وأصبحنا ضمن محور الشر, وبعد العراق نتعرض لهجمة إعلامية أميركية شرسة".
حاول جناح الحمائم في الادارة الأميركية التوصل الى تسوية, فاقترحت بعض الأوساط الأميركية في تلك الفترة من العام 2004 بأن يتم انتهاج سياسة الانخراط الانتقائي في التعامل مع ايران, وذلك كحل وسط بين عقد صفقة كبيرة مع النظام الايراني تشرعن وجوده وتعترف به قوة اقليمية لها كلمة ووزن فيما يحصل في الخليج, وبين خيار الاطاحة بالنظام الايراني واسقاطه بعمل عسكري, وبالتالي تفادي ما يمكن ان ينتج عن أحد هذين الخيارين من تداعيات اقليمية ودولية.
ويعد كل من روبرت غيتس مدير وكالة المخابرات المركزية سابقا في عهد ادارة جورج بوش الأب ومدير جامعة تكساس, ورد اسمه في فضيحة ايران-كونترا,(أصبح وزيرا للدفاع في العام 2006), وزبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الاميركي في عهد كارتر والذي يعمل مستشارا في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية واستاذا للسياسة الخارجية في جامعة هوبكنز , من أبرز الداعين الى اعتماد سياسة الانخراط الانتقائي مع ايران. وقد شارك الاثنان في اعداد تقرير أصدره مجلس العلاقات الخارجية الاميركي في يوليو2004 على شكل توصيه للادارة الأميركية بعنوان: ايران: حان الوقت لمقاربة جديدة إقترحا فيه اعتماد مواضيع محددة في الحوار المباشر بين أميركا وايران مع استبعاد خياري الصفقة الكبرى من جهة وتغيير النظام من جهة اخرى. وقد جاءت ابرز توصيات التقرير باختصار على الشكل التالي:
1- تقديم عرض لايران بقبول الحوار المباشر معها حول مواضيع تحقيق الاستقرار الاقليمي وذلك عبر تصريح اوبيان يتبعه خطوات عملية في هذا الاطار, لان من شأن هذا التحرك ان يؤسس لتعاون ايراني بناء في دعم حكومتي العراق وافغانستان وبالتالي يعزز الثقة في الحديث عن الهواجس المتأتية من تحركات ايران الاقليمية ومناقشتها بشكل ايجابي.
2- دفع ايران الى توضيح وضع قيادات القاعدة الذين القت القبض عليهم عندها, وفتح حوار حول الموضوع الأمني بشرط ان لا يكون لايران أي دور مشبوه في قضايا العنف والارهاب, ومقابل ذلك تعمل الولايات المتحدة على تفكيك قواعد مجاهدي خلق في العراق بشكل نهائي تمهيدا لتقديم قياداتهم للعدالة.
3- تطوير ستراتيجية أكثر فعالية بخصوص البرنامج النووي الايراني بالتعاون مع الحلفاء في أوروبا وروسيا, والتوصل الى اتفاق مقبول مقابل ان تقوم ايران بالتخلي كليا عن تخصيب اليورانيوم ودورة الوقود الكاملة.
4- العمل على اعادة احياء عملية السلام كي لا تقوم أي اطراف ومن ضمنها ايران باستغلال الوضع.
5- تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع الشعب الايراني والسماح للمنظمات الغير حكومية الأميركية بالعمل في ايران, والبدء في محادثات انضمام ايران الى منظمة التجارة العالمية.
حاولت ايران استدراك هذا الحراك الداخلي الاميركي الذي يدعم الانفتاح معها, فلجأت الى الديبلوماسية الثقافية", وقامت بارسال دعوة رسمية الى رئيس المكتبة القومية الأميركية والأرشيف الدكتور جميس بيلينغتون والذي يعد أيضا من المسؤولين الكبار في السلطة القضائية الأميركية, فقام بزيارته الى ايران في نوفمبر 2004 بعلم وموافقة كل من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الاميركي ليكون بذلك ثاني أكبر مسؤول أميركي يزور ايران منذ اندلاع الثورة الايرانية بعد زيارة مستشار الامن القومي الاميركي روبرت ماكفرلين السرية الى ايران والتي تم الكشف عنها فيما بعد في اطار فضيحة ايران-جيت والمثلث الاسرائيلي-الايراني-الاميركي.
كانت ايران تحاول ارسال رسالة واضحة من خلال هذا النوع من الديبلوماسية على امل ان تكون على منوال ديبلوماسية البينغ-بونغ الأميركية-الصينية. لكن الواقع في الداخل الاميركي كان قد تجاوز هذا الطرح تمام وذلك لان فوز الرئيس جورج بوش لولاية ثانية ادى الى تقوية المحافظين الجدد خاصة بعد ان تم العمل على تصفية الحمائم الموجودين داخل الادارة الأميركية لاسيما في وزارة الخارجية من أولئك المهتمين بالانخراط مع ايران في محاداث مباشرة مفتوحة.
وقد رات الادارة الأميركية الجديدة ان هكذا طرح لن يفيد ولن يوقف ايران عن تحقيق مشروعها النووي العسكري, اذ ان اعتماد هكذا سياسية سيؤدي الى نفس العواقب التي ادت اليها سياسة واشنطن المتساهلة مع كوريا الشمالية ابان فترة كلنتون, حيث لم تنفع المحادثات ولا سياسة الجزرة في ابعاد كوريا الشمالية عن تحقيق برنامج نووي عسكري خاص بها.
وعندما أصبح النقاش الاميركي والدولي يدور حول برنامج ايران النووي والسلاح النووي, انتقل الملف داخليا من يد الحمائم في الخارجية الأميركية الى يد الصقور فيها وتحديدا الى يد جون بولتون نائب وزير الخارجية لشؤون الرقابة على التسلح والأمن الدولي والعضو البارز في تيار المحافظين الجدد الاميركي. لقد كانت سياسة جون بولتون تقتضي زيادة الضغوط على ايران عبر التصويت على نقل ملفها من وكالة الطاقة الذرية الى مجلس الأمن من اجل دفعها الى ايقاف دورة الوقود النووي بشكل كلي.
في هذه المرحلة بالذات قامت ايران بالتواصل مع الدول الاوروبية من اجل منع الولايات المتحدة من تحقيق هدفها في نقل الملف الى مجلس الامن او ايقاف ايران عن اكمال عملها في تحقيق دورة الوقود النووية الكاملة. لكن جميع المؤشرات في تلك الفترة كانت تشير الى ان ايران قد غيرت فعلا توجهها وباتت لا تفضل مناقشة أي طرح او اقتراح او تسوية مع الولايات المتحدة, والسبب في ذلك وفقا لمصادر رفيعة المستوى ان ايران رأت في ذلك الوقت ان الولايات المتحدة قوية جدا وتمتلك جميع اوراق اللعبة في الشرق الأوسط وان هذا سيضعف الموقف الايراني في أي مفاوضات مباشرة ولن يكون لدى ايران ما يمكن ان تستخدمه فيها في تلك المرحلة", وعليه, فقد قرر المرشد الأعلى للثورة الايرانية علي خامنئي -وفق نفس المصدر- ارجاء هذا الموضوع الى حين حصول تغييرات لصالح ايران تمكنها من دخول أي مفاوضات مباشرة من موقع القوة, وهو من اجل ذلك قام بالايعاز الى اجهزة الدولة الايرانية من الباسيج و"الباسدران حرس الثورة وعناصر حزب الله وأجهزة المخابرات والجيش بالتصويت للمرشح الرئاسي أحمدي نجاد لان المرحلة تتطلب تصعيدا ورفسنجاني ليس رجلها. فأصبح أحمدي نجاد الرئيس في العام 2005 وشهدت هذه السنة تصعيدا كبيرا في علاقة ايران مع جيرانها ومع المنظومة الدولية نتيجة لتشدد الرئيس الجديد واتباعه نهج تصدير الثورة الايرانية وافكارها. وكان وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي نقل في مذكراته التي اصدرها اخيرا كلاما مهما عن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد -يعبر عن هذا التوجه الثوري ومداه- قوله في سبتمبر 2005 علينا أن نتمنى أن تعم الفوضى بأي ثمن, لنرى عظمة الله".
(يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ايران | السمات:ايران
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 8th, 2007 at 8 مارس 2007 6:48 م
شكرا لهذا التحقيق…
اتمنى أن أرى تحقيقاتك عن المخططات الصهيونية والامريكية في المنطقة…
ولك جزيل الشكر على هذا المجهود الرائع
مارس 8th, 2007 at 8 مارس 2007 7:36 م
العزيز عبد حمدان, شكرا لزيارتك الكريمة
اعتقد انّك لو شاهدت المدونة سترى فيها ما طلبت, و هذا نموذج اذا احببت على هذا الرابط
http://alibakeer.maktoobblog.com/?post=65314
و سعيد بمرورك و تعليقك
مارس 8th, 2007 at 8 مارس 2007 10:19 م
مجرد سؤال
هل تكن العداء للشيعه بشكل عام ولايران بشكل خاص أم أنك منخصص في شؤونهم؟
والسؤال بحسن نيه
تحياتي
مارس 9th, 2007 at 9 مارس 2007 8:52 ص
عزيزي المجهول, سؤالك عن حسن نية و جوابي سيكون كذلك, هل تقرأ المعلومات التي أكتبها ام تعلّق لمجرّد التعليق.

الجواب بحسن نيّة
سعيد بمرورك و اهلا و سهلا بك
مارس 10th, 2007 at 10 مارس 2007 8:12 ص
كلام سخيف وليس له اثبات. ايران هي المسؤولة عن اول نصر عربي في مواجهة مباشرة مع اسرائيل. انتم المتطرفون تريدون محاربة كل جهة قادرة على مواجهة المشروع الأنجلوصهيوني في المنطقة. من قبل, استخدمتكم امريكا لمواجهة الإتحاد السوفييتي والآن تستخدمكم لمواجهة ايران. صحيح انو المغفلين هم اخوان الشياطين.
مارس 10th, 2007 at 10 مارس 2007 10:52 ص
الأخ يوسف. مرحبا بك في المدونة بداية. تاليا انّ قولك انّ هذا كلام سخيف , فهذا يعود اليك و الى رأيك و انت حر فيه, فالذي يقتنع ان البتفاح هو برتقال لا يمكن لاي قوة في العالم ان تقنعه بان التفاح ليس برتقالا. امّا بالنسبة الى قولك “ليس له اثبات”, فانت مخطئء تماما, الذين انقل الكلام عنهم سواء من مسؤوليين امريكيين او ايرانيين او من مراكز ابحاث كلهم موجوديين و النقل عنهم بشكل دقيق, فاذا كان هذا ليس له اثبات فلا اعرف ما هي عناصر الاثبات لديك.
على العموم لقد تعودنا على هذه المعزوفة و قديما قالوا في فضيحة ايران-جيت ما تقوله انت, و من ثمّ انفضحت, اللهم الاّ اذا كنت ترى ايضا ان ايران-جيت هي كلام سخيف و ليس له اثبات
شكرا على مرورك بجميع الاحوال و اهلا و سهلا بك
مارس 16th, 2007 at 16 مارس 2007 12:27 ص
الاخ علي حسن باكير … لك جريل الشكر على المعلومات وطريقة عرضها والرد على التعليقات بمنطق نفتقده في كثر من الردود .. وكم اتمنى من المخالفين لاي موضوع أن يكون الرد مساهماً إما بتوضيح مدعم بمعلومات حقيقية تنفي باسلوب يقنع المتابع للسجال بين المدون والمنتقد بطريقة ملكية اكثر من الملك كما يقول المثل … ولكنهم للأسف غالباً مايكون الرد ..بعموميات وبضبابية هدفها تميع الموضوع وليس الوصول الى الحقيقة … ومع ذلك لا بد من ان تظهر حقيقة ايران مهما كانت درجة التقية التي تستر ورائها .. عاجلاً أم اجلاً .. ،
مارس 20th, 2007 at 20 مارس 2007 1:05 ص
الأخ الكريم ابو عويصة, الشكر لك و اهلا و سهلا في مدونتك و اتطلع الى رؤية مداخلاتك مستقبلا ان شاء الله
نوفمبر 13th, 2007 at 13 نوفمبر 2007 4:50 م
الاستاذ علي / قرأت المقال كاملاً وأوافقك مائة في المائة وخصوصاً في طيات حديثك عن الاخوة بين اسرائيل وايران والمسرحية التي تنفذ بينهما …
لك شكري وتقديري
مايو 9th, 2009 at 9 مايو 2009 1:16 م
الاخ العزيز علي أشكرك هلى نشاطك وبغض النظر عن صحة معلوماتك من عدمه فأنني أحترم القادة الإيرانيين لأنهم يمتلكون مشروع واستراتيجية يعملون على تحقيقها أما نحن العرب فما نحن الا فريسة لأمريكا أو لاسرائيل أو لايران أو غيرهم فكيف بنا ننظر للخطر الايراني ونغض الطرف عن الخطر الامريكي والاسرائيلي ونطلب من ايران ان تكون ملكية أكثر من الملك وان تدافع عنا ولم تدافع عنا انظمتنا وجيوشنا فالفريسة فريسة لامريكا او لايران