زيارة بوتين التاريخية للجزائر
كتبهاعلي حسين باكير ، في 12 آذار 2006 الساعة: 20:33 م
مكان النشر: مجلة العصر
تاريخ النشر:11-3-2006
بقلم: علي حسين باكير

في اطار الجهود الحثيثة التي تقوم بها روسيا لاستعادة و ترسيخ دورها على الصعيد الاقليمي و العالمي, قام الرئيس بوتين بزيارة تاريخية للجزائر و ذلك بعد فترة قصيرة من جولة امريكية عالية المستوى على دول المغرب العربي في محاولة لتحقيق تمركز امريكي دائم في تلك المنطقة, و هو ما يعكس اهتماما دوليا متزايدا بهذه الدول لاسيما بين أمريكا و روسيا.
زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للجزائر يوم الجمع الفائت في 10-3-2006, زيارة تاريخية بكل ما للكلمة من معنى, ذلك انّها الاولى لرئيس روسي الى الجزائر. و ما زاد من أهميّة هذه الزيارة هي أنّ الجزائر تعدّ اوّل دولة عربيّة وقّعت مع روسيا "شراكة استراتيجية" في العام 2001.
و قد تناولت الزيارة مواضيع الديون الجزائرية لروسيا, قطاع الطاقة و التجارة, صفقات عسكرية.
جذور العلاقة الروسية-الجزائرية:
تمتد جذور علاقات روسيا بالجزائر إلى أوائل الستينات من القرن الماضي عندما نال الشعب الجزائري استقلاله الوطني في غمرة الكفاح المسلح الذي استمر ثماني سنوات. و قد شكّلت عمليات نزع الألغام في الأراضي الجزائرية اولى بوادر التعاون بين البلدين في العام 1963.
اتسعت رقعة التعاون الثنائي فيما بعد وتطور الحوار المتواصل حول القضايا السياسية بما في ذلك على المستوى الثنائي الخاص,و لعبت الجزائر في الوقت نفسه بالنسبة لسياسة موسكو الخارجية دور نافذة مطلة على "العالم الثالث" بشكل عام و على افريقيا بشكل خاص.
في المرحلة التالية شهدت كل من روسيا و الجزائر خضّات على الصعيد الداخلي, الاّ انّ ذلك لم يحل دون بقاء التواصل بين الطرفين, ومن الواضح أن الطاقات الكامنة في العلاقات بين البلدين أثبتت جدواها في ظل النظام الجديد للعلاقات الدولية, ففي عام 2001 وقّع الرئيسان الروسي والجزائري فلاديمير بوتين وعبد العزيز بوتفليقة بيانا حول الشراكة الإستراتيجية بين البلدين.
و لا شكّ انّ روسيا تنظر الى الجزائر من موقع القوّة التي تمتلكها, اذ تتمتع الجزائر اليوم بكل أسباب نجاح التنمية الاقتصادية والازدهار نظرا إلى موقعها الجغرافي الملائم وثرواتها الطبيعية الغنية (تحتل الجزائر المرتبة الخامسة في العالم من حيث مخزون الغاز الطبيعي والمرتبة الثانية من حيث صادرات الغاز) وموقفها المالي الثابت وقوتها البشرية الضخمة.
عقود متبادلة:
تساهم روسيا اليوم في العديد من المشاريع الاقتصادية الجزائرية في مجالات الري والتعدين والنفط والغاز. وتعد الجزائر ضمن أول ثلاثة شركاء تجاريين لروسيا في إفريقيا إلى جانب مصر والمغرب.
ففي محاولة لزيادة روسيا حجم التعاون و التبادل التجاري بين البلدين و الذي يبلغ حجمه حاليا حوالي 364 مليون دولار في العام 2005, عبّر الرئيس فلاديمير بوتين عن استعداد شركات بلاده للعمل في الجزائر مشيرا الى انّها الجهة المفضّلة لها حاليا وشكر الرئيس الجزائري على "الدعم الذي قدمه للشركات الروسية في السوق الجزائري. و قد تمّ خلال الزيارة التوقيع ايضا على اتفاقيات للتعاون بين غرف التجارة في البلدين وحول "تشجيع وحماية الاستثمارات".
و على الرغم من انّه لم يصدر بيان رسمي يشير الى العقود التي تمّ ابرامها بالتفصيل الا ان التقارير تشير الى انّه قد تمّ الاتفاق بين الطرفين على توقيع مذكرة تفاهم بين المجموعة الروسية العملاقة في مجال الغاز "غازبروم" والشركة الجزائرية الحكومية "سوناتراك" بشان التنقيب واستخراج الغاز في الجزائر اضافة الى تحديث شبكة انابيب الغاز الجزائرية في شهر نيسان القادم. و هذا ما اشار اليه وزير الخارجية الروسي عندما قال : "ان الجزائر وروسيا اللتين تصدران القسم الاكبر من انتاجهما من الغاز الى اوروبا، لديهما مصلحة متبادلة للعمل معا ولتنسيق جهودهما في السوق الدولية".
و من المنتظر أن يثير هذا الاتفاق بين روسيا التي تحتل المرتبة الاولى في العالم في مجال الغاز و الجزائر التي تحتل المرتبة (5-7) عالميا من حيث الاحتياط العالمي من الغاز الطبيعي، حفيظة كل من فرنسا بالاضافة الى الولايات المتحدة .
الغاء ديون الجزائر:
تبلغ ديون الجزائر لروسيا وفقا للتقارير الروسية حوالي 4,7 مليار دولار تعود بمعظمها الى فترة الستينات و السبعينات و هي تمثّل حوالي 29% من ديون الجزائر الخارجية البالغة قيمتها قرابة الـ16 مليار دولار. و قد كان موضوع الديون احدى المواضيع الشائكة التي عالجتها زيارة الرئيس بوتين. و قد تمّ خلال الزيارة الاتّفاق على ان تقوم روسيا باعفاء الجزائر من هذه الديون عليها. فقام الطرفان بتوقيع اتفاقية تقوم روسيا بموجبها باعفاء الجزائر من ديونها عليها و البالغة 4,7 مليار دولار مقابل ان تقوم الجزائر بشراء سلع و خدمات من روسيا بمقيمة مماثلة أو أكثر منها.
و بهذه الطريقة تسعى روسيا الى تحويل الاعباء التي تحملها دول العالم الثالث تجاهها الى استثمارات لمصلحتها, و يبدو انّ هذه الاستراتيجية الروسية يجري تطبيقها على نطاق واسع, فقد سبق لروسيا ان اعلنت العام الفائت عن اعفائها للديون المترتبة على عدد كبير م ندول افريقيا تجاهها, و م نشان هذه الطريقة ان تعزّز من نفوذ روسيا الاقتصادي و السياسي في المنطقة في ظل التوحّش الامريكي و سيف القوّة الذي تسلّطه على جميع الدول.
الصفقة العسكرية:
كانت موسكو تحاول دائما الغاء ديون الجزائر عبر عرض صفقة تقتضي منها شراء السحة بقيمة حوالي 4 مليارات دولار, لكنّ حل مسألة الديون كما سبق و اشرنا فتح الباب امام استثمار روسي آخر في المجال العسكري. اذ شهدت زيارة بوتين للجزائر ايضا توقيع عقود لتسليم طائرات قتالية للجزائر تفوق قيمتها 3.5 مليارات دولار، استنادا الى ما اعلنه "الكسي فيدوروف" المدير العام للصناعات الجوية الروسية "ميغ", الذي قال: "لن اكشف سرا اذا قلت اننا وقعنا رزمة مهمة من العقود لبيع طائرات من طراز سو-30 ام كي وميغ 29 اس ام تي وياك-130. وفي الاجمال، تفوق قيمة العقود 3.5 مليارات دولار". مضيفا "ان هذه العقود تتناول الاشهر الثلاثة الاخيرة وان اول طائرات مطاردة ميغ-29 اس ام تي ستسلم اعتبارا من هذا العام الى الجزائر التي تبلغ نسبة اسلحتها السوفياتية او الروسية 85%".
هذا و تؤكّد جهات روسية داخلية انّ الجزائر قامت بابرام صفقات سلاح ضخمة جدا مؤخرا تضم كافّة انواع الأسلحة و تبلغ قيمتها حوالي 7,5 مليارات دولار, فيما اشارت جهات اخرى الى انّه سيصار فيما بعد الى ان تقوم الجزائر بعقد لشراء 16 طائرة تدريبية وقتالية من طراز "ياك-130" بقيمة غير محددة و36 طائرة مطاردة من طراز "ميغ-29" مرفقا بخيار شراء 20 طائرة اخرى وهو عقد تصل قيمته الى 5،1 مليار دولار.
و لعلّ هذا الحجم الهائل من لهذه الصفقات هو الذي يدفع الحكومة الجزائرية الى الاحجام عن الاعلان عنها و عن تفاصيلها.
على اية حال, لا شكّ انّ زيارة بوتين هذه, تشكّل تطورا في العلاقات الاستراتيجية بين البلدين و خطوة متقدّمة لروسيا في اطار تعزيز مكانتها و نفوذها عالميا و هو ما تحاول فعله بشكل تدريجي منذ فترة آملة ان لا تثير غضب الولايات المتّحدة الامريكية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب, روسيا | السمات:العرب, روسيا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























