الدبلوماسية السعودية: من سلبية محافظة الى ايجابية انفتاحية

كتبهاعلي حسين باكير ، في 14 شباط 2007 الساعة: 11:42 ص

مكان النشر: الاسلام اليوم

تاريخ النشر: 11-2-2006

بقلم: علي حسين باكير

 

 

المتابع للتحولات الحاصلة في النهج الدبلوماسي السعودي, يدرك انّ شيئا ما غير تقليدي يتفاعل داخلها و ان لم يرق بعد الى مستوى النهج الثابت و المؤسساتي و التخطيطي.

من المعروف انّ الدبلوماسية السعودية هي دبلوماسية محافظة جدا تعتمد السلبية الى درجة تصل الى حد الانعزال بحجّة عدم التدخل في شؤون الغير. و من صفات الدبلوماسية السعودية التقليدية ايضا انّها تعتمد على الأشخاص بقدر كبير و بالتالي على توجه ذاتي غير مؤسساتي او تخطيطي و يدور في الفلك الأمريكي بالتحديد على اعتبار انّ الولايات المتّحدة الأمريكية هي الحليف الاستراتيجي الاول للمملكة بشكل عام و للدول الخليجية بشكل خاص.

لكنّ الدبلوماسية السعودية واجهت محنة كبيرة في هجمات 11 أيلول عندّما اضطرت الى استخدام اسلوب مضاد للهجمات السياسية التي تعرّضت لها, حتى من قبل حلفائها الغربيين و في مقدّمتهم الولايات المتّحدة الأمريكية, و التي رآى العديد من قادتها انّ السعودية تتحمّل جزءا كبيرا من مسؤولية تداعيات هجمات 11 ايلول, على اساس انّ عددا كبيرا من الـ 19 فردا الذين قاموا بالهجوم يحملون الجنسية السعودية.

حصلت في تلك الفترة حالة من عدم الثقة المتبادلة بين المملكة و الولايات المتّحدة الأمريكية, و في دراسة كتبها دانييل بايمن و جاءت بعنوان: "مضامين تغيير القيادة في العالم العربي: العربية السعودية, سوريا و مصر", يذكر الكاتب انّ القادة السعوديين و منهم الملك عبدالله يدركون أهمّية الروابط الأمنيّة مع الولايات المتّحدة الأمريكية و يقدرون دورها في الدفاع عن السعودية…. و لكنهم يخشون أن يكون الالتزام عابرا و مؤقتا".

هذا توصيف دقيق للمسألة, و يبدو انّ الملك عبدالله اخذه في عين الاعتبار عند توليه العرش. اذ يستطيع المراقب ان يرصد بوضوح تغييرا في طبيعة الدبلوماسية السعودية في بعض "الزوايا" و ان لم يرق ذلك بعد الى مستوى التغيير الشامل كما سبق و ذكرنا, الاّ انّه جدير بالاهتمام و المتابعة.

و اذا ما اردنا ان نكون دقيقيين في اعطاء نماذج عن بداية التحول, فانّ اعتلاء الملك عبدالله للعرش قد يكون المؤشر الزمني على بداية التغيير, لكن المؤشّر الموضوعي العملي يكمن في عنصرين أساسيا:

الأول: الانفتاح على القوى العالمية الأخرى و خاصة التي لها مستقبل كبير كالصين او ذات النفوذ المؤثر كروسيا. اذ ترافقت التغييرات التي نتحدّث عنها في الطبيعة الدبلوماسية السعودية مع بداية تولي الملك عبدالله للعرش و التي استهلها بزيارة تاريخية الى دول شرق آسيا في يناير من العام 2006 و التي شملت دول مثل الصين, الهند, ماليزيا, الباكستان. و لهذا دلالة كبيرة جدا من الناحية السياسية و من ناحية التوقيت في كون الزيارة تعدّ الأولى التي قام بها الملك الى خارج المملكة بعد توليه العرش.

هذه الزيارة لا يمكن لنا ان "نصرفها تحليليا" الاّ في اطار البحث عن تعزيز العلاقات مع القوى الدولية و خاصة الصاعدة منها و ذلك في اطار بناء دبلوماسية منفتحة و معتمدة على خيارات متعددة و غير محصورة بالولايات المتّحدة الأمريكية, او يمكننا على الأقل تبني وجهة نظر تقول بوجود مخاوف سعودية من توجّهات الولايات المتّحدة المستقبلية دفعها الى الاهتمام بدول مثل الصين, و التي ترى بعض الأوساط فيه انّ هكذا انفتاح في علاقات المملكة الخارجية يشكّل تهديدا للمصالح الأمريكية في المنطقة و أنّ المواقف الامريكية تتخوّف من ان تصبح الصين مستقبلا البديل الاستراتيجي عن الولايات المتحدة الامريكية في الخليح و خاصّة في السعودية.

و يمكننا ان نعزو اسباب الانفتاح الحاصل في الدبلوماسية  السعودية على الصعيد الخارجي فيما يتعلق بالولايات المتّحدة الى عدد من العناصر اهمها:

1- انّ السعودية بدات تشعر و خاصة بعد احداث 11 ايلول بضغوط امريكية غير مسبوقة و انّ الولايات المتحدة باتت تنتقد السعودية بشكل غير مسبوق و تتدخل بشكل غير محدود في القضايا الداخلية للمملكة, و هذا ما يحتاج الى توسيع آفاق العلاقات السعودية مع الدول الاخرى و الانفتاح عليها, خاصّة انّ المملكة تستطيع ان تفعل ذلك بكل سهولة نظرا لتمتعها بثروة النفط من جهة و لسوقها الكبير "بالمفهوم الشامل".

2- انّ الأمريكيين قد هددوا مرارا و عبر دعايات و ترويجات لرجال سياسة و دين و عسكر بضرب المملكة العربية السعودية, و هناك تسريب دائم لمثل هذه السيناريوهات, و هو ما يعتبر دافعا اضافيا للمملكة في التفكير جدّيا بالحصول على غطاء غير امريكي مستقبلا او الحفظ على علاقات قوية مع قوى أخرى.

3- انّ هناك دول و في طليعتها الصين و روسيا مستعدة لتقديم كل التكنولوجيا الموجودة لديها عسكريا و صناعيا و حتى نوويا و مساعدة المملكة على التطور بشكل غير محدود و هو ما لا تقدمه الولايات المتحدة للمملكة الا بشروط تعجيزية اذا حصل ذلك.

و تعدّ مرحلة الثمانينات مثالا مهما على هذه النقطة, حيث قامت المملكة بعقد صفقة سريّة مهمة جدا مع الصين بعد ان رفضت الولايات المتّحدة تزويد الأولى بصواريخ متوسطة المدى على اعتبار انّها من الممكن ان تشكل تهديدا أمنيا لاسرائيل, فاتجهت المملكة الى عقد الصفقة السريّة مع الصين و حصلت بموجبها على صواريخ باليستة متوسطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية و يبلغ مداها 3000 كلم و هي قادرة نظريا على الوصول الى معظم مناطق الشرق الاوسط.

الثاني: محاولة مواجهة التغلغل الايراني في الوسط العربي , و الحفاظ على علاقات ايجابية مع جميع الدول العربية بمن فيهم تلك التي على خلاف مع المملكة, و ذلك لرأب الصدع الحاصل بين المكونات في بعض الدول العربية التي تعتبر ساحات ساخنة أو ادوات للتنافس الاقليمي و العالمي. و الجهد الدبلوماسي المبذول في هذا الاطار يأتي في اطار عدد من المعطيات الحاصلة و منها:

1- انّ هناك فراغ كبير في المنطقة العربية و هناك تنازع اقليمي تقوده ايران للسيطرة عليها, و تنازع دولي تقوده الولايات المتّحدة, و انّه لا يوجد أي مشروع عربي موحّد يعمل على سد هذه الثغرة الكبيرة و الخطيرة, لذلك فقد استعاضت بعض الدول العربية الكبرى ذات النفوذ –المملكة واحدة منهم- على "الدبلوماسية الفردية" لفتح قنوات اتصال مع اكبر قدر ممكن من الفاعلين الاقليميين و الدوليين لمواجهة تداعيات هذه الثغرة للحد من امكانية نشوء حرب جديدة.

2- انّ طبيعة التصدّعات الحاصلة في بعض الدول العربية نتيجة للتغلغل الايراني الكبير فيها قد انقلب الى صراع داخلي و هو الأمر الذي من شانه ان يجعل الساحة العربية ساحة مساومات للنفوذ الخارجي, اذ تسعتمل ايران أدواتها داخل الدول العربية للضغط على الولايات المتّحدة و المساومة على اتفاقات ثنائية, فيما تقوم الولايات المتّحدة بدعم الطرف الثاني اذا كان لها مصلحة في ذلك (في العراق مثلا ليس لديها مصلحة في دعم المقاومة العراقية على الرغم من انّها لا تقبل ايضا بالنفوذ الايراني). انّ مثل هذا الوضع يستلزم دبلوماسية قوية و فعّالة و حذرة و على مسافة واحدة من كل الاطراف كي يتم التوصل الى حلول ناجعة.

و يعدّ الاتفاق الذي حصل بين فتح و حماس في مكّة المكرّمة بعد النداء الذي وجهته المملكة للطرفين انتصارا دبلوماسيا كبيرا ما كان سيرى النور لو انّ المملكة انحازت علنا الى أحد أطرافه و هو الأمر الذي لو حصل لكان سيزيد الوضع الداخلي الفلسطيني سوءا.

و من هذا المنطلق, تحاول المملكة ايضا عبر النمط الدبلوماسي الانفتاحي الايجابي الجديد ايجاد قواسم مشتركة بين جميع الأطراف المتنازعة في البلدان العربية التي تشهد تنافسا امريكيا-ايرانيا للسيطرة عليها. اذ تقوم المملكة بجهود كبيرة لحل الأزمة اللبنانية الحاصلة قبل ان يؤدي انفجارها الى تشظّي المنطقة بأسرها.

النمط الجديد للدبلوماسية السعودية, خطوة جيّدة و لكنها تبقى ناقصة و مشوّهة ما لم تأخذ بعين الاعتبار عنصرين أساسيين هما:

1- ضرورة انّ يكون هذا العمل الدبلوماسي ناجما عن خطّة و مؤسسة و ليس تصرّفا فرديا و ردّة لفعل , اذ يجب تفعيل "الدبلوماسية الوقائية" بشكل آلي دون انتظار الوقوع في المازق.

2- ضرورة التخلي كليا عن فكرة الحليف الاسترايجي الواحد المتمثّل بالولايات المتّحدة, و الاعتماد على اقامة علاقات متينة ايضا و بنفس القوّة مع دول أخرى, لايجاد نوع من التوازن و هو الامر الذي سيوفّر لصانع القرار السعودي و الدبلوماسية السعودية مساحة أكبر من المناورة و عددا اكبر من الخيارات و الفرص في أي ازمة اقليمية او دولية.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

14 تعليق على “الدبلوماسية السعودية: من سلبية محافظة الى ايجابية انفتاحية”

  1. بادر لكي نجعل من يوم الخميس 15/02/2007 يوما لنصرة الأقصى بإدراج تدوينة تخص الحدث وهذا أقل ما يمكن أن نعمله…

    أخي المدون

    أختي المدونة

    لا تبخل على أقصاك

    ***********************************************

    انتفاضة المدونين لأجل الأقصى

    تدوينة موحدة لأجل الأقصى

    إنهم يهدمون أولى القبلتين و مسرى سيد الثقلين فما انتم فاعلون ..

    نداء لكل المدونين العرب و المسلمين و كل الحريصين على الحق في هذا العالم الى الانتفاض من أجل الأقصى الجريح

    يا مدونين…يا أحباب الأقصى و الحق ندعوكم الى يوم تدويني لأجل مسجدنا المبارك و ذلك بإدراج تدوينة موحدة يوم الجمعة 16 فبراير 2007

    تدوينة نبرز فيها العدوان السافر على مقدساتنا و أرضنا

    تدوينة تثبت للعالم أجمع أن القدس و الأقصى في قلوبنا

    تدوينة لأجل الحق يا أصحاب الأقلام و الكلمة

    لا لتهويد الأقصى…لا لانتهاك المقدسات

    للمزيد من المعلومات يرجى: الاتصال بالآنسة نزهة صاحبة الفكرة

    http://arttige.jeeran.com/awra9/archive/2007/2/157015.html

    والصحفي محمد لشيب

    http://www.lachyab.jeeran.com/

    نعتمد عليكم

  2. عزيزي علي حسين باكير ….النظام السعودي يعاني ازمة داخلية اكبر بكثير من الازمة الخارجية …وهي ازمه النظام السياسي السلفي الذي فقد الكثير من مقومات بقاءه …وهو يحاول جاهدا مده باكسير الحياة والبقاء لفترة اطول …الا ان ديناميكية الحياة تابى ذلك …ان متابعة المد السياسي والثقافي والاجتماعي المتنامي في المملكة يواكد ذلك …

    اذا لم ياتي الاصلاح من الداخل فانه لا محال قادم من الخارج وعند اذن لكل حادث حديث

    د.سعد الطائي

  3. الدكتور الفاضل السيد سعد, شكرا لك على مرورك و ملاحظتك. الأزمة السياسية في العالم العربي غير مختصّة بنظام معيّن, لذلك فقد كان من الأجدر ان تشير الى أزمة النظام السياسي دون اضافة الوصفة السلفية :), لأن الأنظمة العربية الاخرى و منها ملكي و منها رئاسي و منها ليبيرالي و منها محافظ و كلها في ازمة عميقة, و هذا دلالة على شمول الازمة و ليس خصوصيتها. نأمل ان يتم التغيير من الداخل لان تغيير الخارج نموذجه اسوء و لنا في أفغانستان و العراق أكبر برهان.

    شكرا جزيلا لك و اهلا و سهلا بك

  4. الأخت فاطمة الزهراء, شكرا على المرور و الاشارة.

  5. بالفعل أخي علي هناك تغير ملحوظ في السياسة الخارجية السعودية ، لكن تظل الفترات التي غابت فيها الفاعلية السياسية العربية عموماً - تجاه قضاياها - نتيجة انعزالها، تشرذمها - انشغالاتها بترتيبات لا تنتهي ..الخ .. عاملاً في جعل خطواتنا متأخرة كثيراً ..نحتاج إلى طفرات برأيي للتغلب على تلك التأخيرات المستمرة …

    تقديري لمدونتك ، لقراءتك

  6. ألا ترى أخي الكريم أنه لابد من أن تخطو السعودية هذه الخطوة حتى يعود ثقلها السياسي ولكن الأمر يحتاج لمزيد من التخطيط الدقيق.

  7. هل يعني ذلك ان لقاء مكة كان فقط لاعادة صورة السعودية الفاعلة في المنطقة؟ وليس لرأب الصدع بين فتح وحماس؟ و حتى لا تستنجد حماس بايران؟

  8. السلام عليكم اخ علي وعلى كل القراء، اولا نرى بان السعودية منذ هجمات 11 ايلول مرورا بغزو افغانستان والعراق بدأت التفكير جديا بالخروج من الفلك الاميركي لان بذلك تحريرا لدورها الاقليمي والدولي بعدما اخذ نجم دول اقليمية بالبزوغ متل ايران التي تملكت عناصر نفوذ مهمة في مختلف الدول العربية من العراق وافغانستان الى لبنان وفلسطين والبحرين والكويت اخيرا والسودان وحتى في المملكة نفسها لذلك اصبحت المملكة تجد نفسها محاصرة تتلقى اوامر فقط فاخذت تتحين الفرص للذهاب الى حماية او تغطية دولية غير الولايات المتحدة وهنا ارى ان السعودية ذهبت الى اوروبا وخاصة فرنسا حيث نرى التطابق السعودي الفرنسي في تجاه مختلف القضايا العالمية والاقليمية وايضا الجولات والزيارات العديدة للدبلوماسية الفرنسية الى الرياض وللدبلوماسية السعودية الى باريس. مع تنويع هذه التغطية وتركز بعد فرنسا على روسيا والصين

    والدليل الكبير على السعي للخروج من الفلك الاميركي هو المسعى السعودي في كل من فلسطين ولبنان لحل الازمات

  9. الأخ عيد الخميس, شكرا جزيلا على مرورك و اهتمامك. اوفقك وجهة نظرك و ادعو الى دعم التخطيط البعيد المدى و ليس الارتجالي و الآني.

  10. العزيز الخبير الاماراتي, مرحب بك دوما في المدونة. كلامك صحيح مئة في المئة. شكرا على مرورك.

  11. الكريمة أم آدم, لماذا لا يكون الهدف الاثنان معا؟ :), جزيل الشكر على المرور و اهلا و سهلا بك دوما.

  12. صديقي عدنان, عليكم السلام و الاكرام, وجهة نظر قيمة و نرجو ان تكون السعودية مدركة لذلك. شكرا جزيلا لك على المرور, و اتمنى رؤيتك هنا دوما.

  13. هل تعتقد بأن السعودية قادرة ولو بعد 10 سنوات من التخطيط بالتخلص من تبعيتها لأمريكا
    وهل تعتقد بأن الأسرة الحاكمة في السعودية قادرة على الحفاظ على عرشها دون حماية امريكية ؟
    عموماً مقالك جميل ورائع
    وإن كنت أجد فيه نوع من النظرة المثالية

  14. علي حسين باكير قال:

    العزيز ماشي صح , شكرا لك و لمرورك و لكل الماشيين معاك :).



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر