نحو علاقات صينية-خليجية استراتيجية

كتبهاعلي حسين باكير ، في 25 نيسان 2006 الساعة: 18:52 م

مكان النشر: مجلة آراء حول الخليج, العدد 18, آذار 2006, مركز الخليج للأبحاث

تاريخ النشر: نشرت بتاريخ 1-3-2006 على الرابط التالي

بقلم: علي حسين باكير

 

 

 

من المعروف انّ دول الخليج العربي غالبا ما كانت و لا تزال تعتمد في سياساتها الدولية على حليف استراتيجي واحد و هو "الولايات المتّحدة الأمريكية". لكنّ هذا الاعتماد و ان تمّ بناءا على مصالح مشتركة بين الطرفين في البداية, الاّ انّه و في نفس الوقت حدّ من خيارات هذه الدول و بالتالي من سياساتها و نفوذها على الصعيد الاقليمي و الدولي.

و ان كانت دول الخليج العربي مضطرة اثناء الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة الأمريكية و الاتحاد السوفيتي الى أن تتجنب التعاون مع الأخير نظرا لعقيدته الماركسية المتعارضة مع فطرة أهل الخليج و عقيدتهم الاسلامية, فانه و مع انهيار الاتحاد السوفيتي لم يعد هذا الوضع موجودا.

و اذا ما أخذنا بعين الاعتبار انّ عالم "الأحادية القطبية" الذي نعيشه اليوم هو مرحلة انتقالية قصيرة المدى, و انّ العلاقات الدولية قد ألفت العالم المتعدد الأقطاب, وجب على دول الخليج حينها ان تعيد النظر في سياسة الحليف الاستراتيجي الواحد خاصّة مع انحدار القوّة الامريكية و فقدانها السياسات العادلة و المتوازنة و اهمالها لمصالح دول و شعوب المنطقة مع الانحياز الواضح و الفاضح لاسرائيل و الاعتماد على سياسة القوّة المطلقة.

من هذا المنطلق, تتواجد على الساحة العالمية العديد من القوى بعضها ناشئ (الصين, روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي) و الآخر موجود و لكن يعمل على تحسين موقعه (فرنسا, ألمانيا) و لجميعها مصالح مع دول الخليج العربي و ان بنسب متفاوتة, و مع هذا فاننا ندعو الى توثيق و تقوية العلاقات الصينية-الخليجية القائمة و تحويلها الى علاقات استراتجية بناءة للطرفين اعتمادا على المحاور التالية:

 

أولا: لماذا اخترنا الصين من بين جميع الدول الاخرى؟

1- أنّ الصين و على الرغم من انّها احدى اهم القوى الدولية الناشئة من الناحية الاستراتيجية, الاّ انّها لا تزال تعد من دول العالم الثالث, و هي  بناءا عليه ليس لديها أي ماضي استعماري يثير الحساسيات حول خلفية العلاقات معها او اهدافها, كما انّ الصين لا تزال رغم قوّتها تتعامل مع الدول الاخرى من باب الاحترام و التواضع و ليس من باب الاملاءات و الغطرسة و الضغوط.

2- أنّ الصين منفتحة في الجوانب الثقافية و التجارية و تهتم بالآخر من هذه الناحية( و نستطيع ان نلمس ذلك مثلا من خلال المواقع الالكترونية الرسمية التي تعرض فيها صفحات و أقسام باللغة العربية و هو ما تتجاهله معظم ان لم نقل كل الدول التي لديها علاقات و مصالح استراتجية أقوى من الصين مع دول العالم العربي) ,و هذا الامر يسهّل طرق التعامل و التعاون و يزيد الثقة بين الطرفين من باب الاحترام و التقدير المتبادل.

3- أنّ الصين تعتمد منذ فترة على ضرورة دعم قيام عالم متعدد الأقطاب و هو الأمر الذي يتناسب مع توجهات معظم دول العالم و من بينها الدول العربية و دول مجلس التعاون الخليجي من اجل تحقيق مستوى اكبر من العدالة على الصعيد الاقليمي و الدولي و نسبة أكبر من الاستقرار.

4- القوّة الاقتصادية الصينية الهائلة و المتسارعة. هذا الاقتصاد يأتي في المرتبة الثانية عالميا بحجم 7,124 تريلوين دولار لعام 2004 اذا ما اعتمدنا على القوة الشرائية مقابل الناتج المحلي الاجمالي, امّا اذا ما قيس بسعر الصرف فهو بحسب نشرة البنك الدولي لشهر كانون أول 2005 يأتي في المرتبة  السادسة عالميا بحجم 1,981 تريليون دولار لعام 2005 و هو في المرتبة الرابعة عالميا اذا ما تم اضافة اقتصاد هونج كونغ اليه. كما انّ الصين هي ثالث أكبر دولة تجارية في العالم.

5- أنّ العلاقات الاقتصادية الصينية-الخليجية تشهد تطورا لافتا و متسارعا خلال السنوات الاخيرة, و انّه لا يجوز انّ يكون المستوى السياسي أقل من المستوى الاقتصادي الذي تمّ تحقيقه حتى الآن بين الطرفين.  

6- انّ العلاقات غير الرسمية العربية-الصينية قديمة قدم طريق الحرير و الخلافة الاسلامية, و هذه ارضيّة جيّدة للانطلاق بعلاقات رسمية جديدة خاصّة مع وجود أكثر من جالية اسلامية في الصين تتراوح تقديراتها بين 25 و 250 مليون مسلم صيني "لا توجد احصاءات دقيقة".

 

ثانيا: ماذا تستطيع دول الخليج أن تقدّم للصين؟ (مصالح الصين في دول الخليج)

الاقتصاد الصيني هو محور اهتمام جميع القوى العالمية بما فيها الولايات المتّحدة الأمريكية, ذلك انّ هذا الاقتصاد و منذ عام 1978 تقريبا و هو ينمو بمعدل 6-13% سنويا. هذا النمو الكبير للاقتصاد الصيني يحتاج الى استهلاك كميات كبيرة من المواد الأولية و السلع الاستراتيجية لكي يحافظ على وتيرته هذه, كما انّ الصين تحتاج الى أسواق خارجية تقوم ببيع منتجاتها فيها و استثمار أموالها لتوسيع رقعة انتشارها المالي و الاقتصادي من أجل استغلال نموذجي للطفرة التي تشهدها على الصعيد الاقتصادي لاسيما أنّها تأتي في المرتبة الثانية عالميا في الاحتياطيات النقدية بمبلغ 400 مليار دولار بعد اليابان التي تأتي بالمرتبة الأولى.

من  هذا المنطلق فانّ دول الخليج العربي تستطيع أن توفّر عنصرين اساسين في استراتيجية الصين الاقتصادية, ألا و هما النفط و الأسواق التجارية.

1- النفط: تعتبر الصين و منذ عام 2003 المستهلك الثاني للنفط في العالم بعد الولايات المتّحدة, و قد تخطّت الصين في تلك الفترة اليابان و احتلّت مركزها فيما يتعلّق باستهلاك النفط مع طلب كلي يساوي 6,5 مليون برميل يوميا (ب/ي). و تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يبلغ الطلب الصيني على النفط 14,2 مليون برميل يوميا (ب/ي) بحلول عام 2025 مع استيرادها الصافي لحوالي 10,9 مليون برميل يوميا (ب/ي). و بازدياد الطلب العالمي على النفط و تقلّص المنتوج النفطي او تدهوره, تستطيع دول الخليج التي تستحوذ بالاضافة الى ايران و العراق على ما يقرب من 45% من احتياطي النفط المعروف منذ عام 1945 و 59% منذ نهاية عام 2003, خاصّة أنّها تمتلك المراتب الاولى و الخامسة و السادسة (السعودية 20%, الامارات فوق 8% بقليل, الكويت أقل من 8% بقليل) من الاحتياطي النفطي العالمي, و التي تتميز حقولها النفطية بطول متوسط عمرها البالغ 90,1 سنة متجاوزة المتوسط العمري العالمي للآبار البالغ 50,9 سنة,  تستطيع انّ تمدّ الصين بما تحتاجه من امدادات نفطية و لفترات زمنية طويلة, أو ان تصبح الصين على الأقل الزبون النفطي الاول لدول مجلس التعاون الخليجي.

2- الأسواق التجارية: دول الخليج العربي ثامن أكبر شريك تجاري للصين في العالم وثامن أكبر سوق في العالم للمنتجات الصينية، وتاسع أكبر سوق تصدير للصين. وحقق تعاون الطرفين في مجال المقاولات والطاقة والاستثمار تقدماً إيجابياً. هناك طلب كبير على الأزياء والمنسوجات والإلكترونيات ومنتجات الاتصالات الصينية في السوق الخليجية، كما أن الطلب كبير على البترول والغاز والمنتجات الكيماوية في السوق الصينية. ولكن على الرغم من ذلك، وبالنظر إلى القوة الاقتصادية وإجمالي حجم التجارة الخارجية للطرفين، تعتبر التبادلات التجارية بينهما قليلة حتى و ان كان الميزان التجاري بين الصين ودول الخليج يبلغ 65% من إجمالي حجم التجارة بين الدول العربية والصين حاليا.

 

 لذلك فالمطلوب حاليا تدعيم اتفاقية السوق المشتركة الخليجية-الصينية التي سيتم التوصل الى اتفاق بشانها بين الطرفين في نهاية عام 2006 بمشاريع اقتصادية و فتح الأسواق الخليجية و القطاعات الاقتصادية فيه للاستثمارات الصينية و من ضمنها القطاع النفطي و مؤسسات المال و التجارة. و مواكبة الاقتصاد الصيني الذي من المتوقع ان يصل حجمه إلى حجم الاقتصاد الياباني بحلول عام 2020 ثمّ يتخطى حجم اقتصاد الولايات المتّحدة بعد ذلك بسنوات قليلة. و استيعاب جزء مهم من فوائضه التجارية الهائلة في هذه السنوات و التي بلغت في العام 2005 وحده 100 مليار.

 

ثالثا: ماذا تستطيع الصين أنّ تقدّم لدول الخليج؟

1- باستطاعة الصين و هي عضو دائم في مجلس الأمن تقديم دعم سياسي و دولي غير محدود لدول الخليج و تاليا للدول العربية في المحافل الدولية, على انّ ما يميز السياسة الصينية هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول و احترامها الخصوصية التي تتمتع بها.

2- باستطاعة الصين تقديم دعم تكنولوجي و صناعي لا محدود للدول الخليجية التي تمتلك رؤوس أموال قادرة على تحويل اقتصادياتها عبرها الى اقتصاديات صناعية شرط تجاوز بعض العوائق المتعلقة بالأمر.

3- تستطيع دول الخليج العربي الاعتماد على التسلح الصيني خاصّة في المسائل الحسّاسة و التكنولوجيا النووية لاسيما انّ الصين تقدّم هذه الامتيازات دون أي شروط او قيود كبيرة و هو عكس ما تقوم به أمريكا تجاه هذه الدول.

4- تستطيع الصين و عبر أسواقها و قطاعاتها الاقتصادية أن تكون ملجأ ممتازا لرؤوس الاموال و الاستثمارات الخليجية و خاصّة اثر الفوائض المالية المحقّقة نتيجة ارتفاع اسعار النفط التي بلغت وفق تقرير النفط الشهري لمركز الخليج للأبحاث عن كانون اول 2005 وحده 20 مليار دولار , و هو الأمر الذي سيؤمن ارباحا كبيرة اذا ما تمّ استثمار هذه الفوائض في اقتصاد نامي و نشيط كاقتصاد الصين.

5- تستطيع الصين و عبر بناء علاقات استراتيجية معها كسر التحالف الاحادي مع امريكا و

الهيمنة المطلقة لامريكا و المفروضة بالقوة في المنطقة, و تحقيق توازن سياسي و عسكري و اقتصادي ازاء الانفراد الأمريكي بدول الخليج على كافة الصعد, و من شان هذه العلاقات أن توفّر لدول الخليج خيارات اكبر و سياسة ارصن و أكثر تحررا من الضغوطات.

 

6- تستطيع الصين تاليا تحقيق توازن في الصراع العربي-الاسرائيلي, بعد الدعم اللامحدود الأمريكي-الأوروبي لاسرائيل. و من ايجابية التحالف الخليجي مع الصين, انّ للصين علاقات طيبة و جيدة مع العديد من الدول العربية الاخرى مثل السودان, سوريا, مصر, الجزائر و بذلك فهذا النوع من التحالفات لا يتصادم مع سياسات الدول العربية المختلفة و هو على عكس ما كان قائما ابّان الحرب الباردة من انقسام الدول العربية بين الاتحاد السوفيتي و الولايات المتّحدة الامريكية.

 

7- تقديم الخبرة الادارية و الاقتصادية في تحقيق التنمية و التقليل من البطالة و ادارة الاستثمارات و جذبها, و تطوير النظام التعليمي العالي لاسيما

 

رابعا: عوائق في وجه علاقات "صينية-خليجية" استراتيجية

1-    عدم وجود سياسة خارجية موحدة و رؤية استراتيجية مؤسساتية لدى دول المجلس رغم العوامل المشتركة العديدة, و بالتالي اعتماد السياسة الخارجية على ردود الأفعال و اقتصارها على قرارت شخصية في اغلب الأحيان مع اعتماد سياسة خارجية محافظة جدا و غير براغماتية.

2-    قلّة عدد الباحثين و المهتمين بالشأن الصيني في هذه البلدان نسبة الى عدد و اهتمامات زملائهم في اختصاصات الولايات المتّحدة الأمريكية و أوروبا, و قلّة انتشار معاهد تعليم اللغات الصينية لدى العرب و العربية لدى الصين على الرغم من تقدّم الصين قليلا على العرب في هذه الناحية.

3-    ضعف التعاون الثقافي و الاعلامي و الذي لا يرقى بتاتا الى مستوى العلاقات و المصالح الاقتصادية بين الطرفين و العلاقات التاريخية القديمة

4-    الهيمنة الأمريكية المطلقة و الاحادية على الخليج في كافة المجالات و التي تشكّل العائق الأول و الاكبر في وجه علاقات استرايتيجة صينية-خليجية.

5-    تردد الصين في الوقت الحالي في انشاء علاقات استراتيجية على شكل تحالفات نظرا لضعف الجانب السياسي لديها مقارنة بالجانب الاقتصادي و خوفا من ان يحدث تحرّكها هذا ردّة فعل سلبية لدى الولايات المتّحدة فتدخل معها في دائرة صراع قبل أن تتهيأ لهذا الوضع.

 

و في جميع الاحوال, تبقى العلاقات الصينية-الخليجية علاقات حسنة حاليا و تحتاج الى تدعيم كبير, و قد كانت زيارة الملك السعودي عبدالله , التي قام بها الى الصين مؤخرا مؤشرا ممتازا على توجه جديد لاسيما انّها الزيارة الرسمية الاولى له خارجيا منذ توليه الحكم و هي الاولى لملك سعودي الى الصين منذ بدء العلاقات الدبلوماسية بينهما. و لا شكّ انّ هذه الخطوة تصب في الاطار الذي نبغيه, بانتظار المزيد.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : استراتيجيا, الصين | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر