حماس و ضرورة إعادة تقييم الأوضاع
كتبهاعلي حسين باكير ، في 6 شباط 2007 الساعة: 15:25 م
بقلم: علي حسين باكير
بتاريخ: 4-2-2006

قبل ثمانية أشهر تقريبا, كتبت مقالاً بعنوان: "هل أخطأت حماس في دخولها المعترك السياسي؟" تضمّن الهواجس من اشتراك حماس في الانتخابات التي حصلت آنذاك، في محاولة لاستشراف المستقبل. و قد أشار المقال في حينه إلى أن الاشتراك كان خطأ إستراتيجياً للحركة، و قد تمّ إرفاق ذلك بعدد من الحجج و المسوغات التي تؤكّد هذه النتيجة.
و مما جاء في المقال "إنّ مجريات الأحداث المتوقعة تشير إلى أنّ اشتراك حماس في اللعبة السياسية قد تنجم عنه تداعيات سلبيّة تغيّر من موقع الحركة على الساحة الداخلية المحليّة أو الإقليمية، و هو الأمر الذي سيلحق بالحركة أضراراً جسيمة، و ذلك لعدد من الأسباب منها:
1- المناخ السياسي سيضغط باتجاه تحجيم و محاصرة حكومة حماس…
2- خسائر هذا الاشتراك السياسي أكبر بكثير من الفوائد المترتبة عليه…
3- إن الأولوية تفترض إكمال مسيرة المقاومة و استغلال ذلك للتفاوض مع أي جهة…
بالإضافة إلى التداعيات السلبية لمثل هذا الاشتراك السياسي و المتمثلة في:
1- إمكانية حدوث انشقاقات كبيرة داخل صفوف المقاومين سواء في داخل حماس أم بين حماس و فصائل المقاومة الأخرى…
2- إمكانية استغلال دول إقليمية لحركة حماس إيجابياً أو سلبياً لأهداف و غايات ذاتيّة تخصّها في صراعات إقليمية و دولية ليست فلسطين ساحتها الأساسيّة…
3- التضحية بورقة المقاومة العسكرية و عدم كسب ورقة اللعبة السياسية، و بالتالي الخروج من هذه المعركة بـ"خُفيّ حنين" …
4- فتح الباب أمام فصائل غير فلسطينية أو فلسطينية ساخطة منشقّة ترى في أن المقاومة الفلسطينية و تحديداً حركة حماس قد تنازلت عن الحد الأدنى المقبول في مقارعة العدو، و ذلك مقابل ثمن سياسي … و لعلّ القاعدة ستكون أكبر المستفيدين…"
الآن و بعد حوالي ثمانية أشهر من هذا الكلام نستطيع أن نرى بوضوح أن ما تمّ ذكره يبدو توصيفاً للحالة الفلسطينية اليوم أكثر من كونه تحليلاً. و على الرغم من كل الانتقادات الساخطة التي جاءت في حينه على المقال، إلاّ أن الواقع اليوم لا يكذّبه بتاتاً. من هذا المنطلق و حرصاً على حركة حماس بالدرجة الأولى، لا بدّ أن يتم أخذ عدد من الأمور بعين الاعتبار لتصحيح الخلل، و الوضع القائم اليوم و لا مانع من أن تقوم الحركة بمراجعة لما حققته خلال فترة فوزها في الانتخابات و حتى اليوم.
في الحقيقة لقد تجاهلت الحركة عدداً كبيراً من المعطيات الهامة، فأوقعت نفسها في مأزق. و إذا ما أصرت الحركة اليوم على موقفها الحالي فإنّ هذا سيزيد الوضع تعقيداً في المستقبل، و ستخسر الكثير من المعطيات التي هي لصالحها. فقد كان من الخطأ الجسيم استلهام أو استنساخ تجربة "فصيل معيّن" في دولة مجاورة و تطبيقها في الداخل الفلسطيني. و لا نعرف هل تمّ ذلك بأمر أم بنصيحة منهم أو بتصرف ذاتي من الحركة نفسها. المفروض إن كانت حسابات حركة حماس صحيحة ألا نكون في الوضع الذي نحن فيه اليوم في فلسطين. نعلم علم اليقين أن الضغوط و العراقيل و المؤامرات و الحصار ينهال عليها من كل جانب لإفشال تجربتها، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ألم تكن الحركة تعرف أنّ هذا سيحصل؟! أم أنها كانت تتوقع أن ينهال الدعم عليها من كل حدب و صوب؟!
إن اللعبة الأفضل لحركة حماس و التي يجب عليها اتّباعها من الآن فصاعداً هي وضع الخصوم السياسيين في فوهة المدفع، فلماذا تقدّم الحركة نفسها قرباناً و تقضي على نفسها بنفسها؟!
الجميع يعلم أن أي سلطة سياسية في فلسطين ستكون مضطرة في مرحلة من المراحل إلى التفاوض مع الإسرائيليين، فلماذا تتسلم حماس السلطة و هي تعرف أنها لن تستطيع التفاوض، فإن تفاوضت تمّ اتهامها بالخيانة، و إن لم تتفاوض يحصل الحصار الحاصل اليوم.
إن الطريق الأفضل لحماس للخروج من هذا المأزق و تفادي السلبيات التي ذكرناها أعلاه من ثمانية أشهر و التي تتراكم مع مرور الوقت- إجراء إعادة تقييم سريعة، و وضع خطّة واضحة المعالم لأي ممارسة سياسية مستقبلية؛ إذ يبدو من الواضح تماماً أن الحركة لا تملك أي خطة سياسية على الإطلاق خاصّة بعد استشهاد الرنتيسي. و من الواضح أن الجناح الخارجي للحركة يزايد على الجناح الداخلي، و هذا أمر طبيعي في جميع الحركات التي يكون لها تمثيل خارجي قوي، و ذلك لأنّ الضغوط على الجناح الخارجي عادة ما تكون أقل من الداخلي، و بذلك تكون سياسته أشد و لا تأخذ بعين الاعتبار معطيات الأرض، بالإضافة إلى أن ابتزازه من قبل من يحتضنه قد يفرض عليه ذلك في كثير من الحالات.
لا شك أن الدول العربية قد ساعدت في تفاقم الوضع في المرحلة الأولى من تولي حماس للسلطة مما دفع بها باتجاه المحور السوري-الإيراني الذي يستخدمها بكل وضوح في حسابات خاصة لا علاقة لها بالداخل الفلسطيني على الإطلاق.
من هذا المنطلق يجب أن تتحلى الحركة بوعي كبير، و ألاّ تنجر إلى سياسة محاور، و أن تضع عدداً من العناصر في أي خطة مستقبلية منها:
أولاً: السعي دائماً إلى أن تكون الحركة العامل المؤثر في الخلفية، و ليس في الصورة المباشرة؛ لأنّ الصورة المباشرة تحرق الحركة و تدخلها في متاهات و صراعات تبعدها عن الهدف الحقيقي و هو مقارعة العدو الإسرائيلي.
ثانياً: على الحركة أن تسعى إلى أن تحرج خصمها السياسي من خلال وضعهم في المقدمة؛ حيث يكون عليهم التفاوض و عليهم الحرص على الشفافية، فإن حصلت تنازلات ضخمة فإن الحركة بإمكانها التملص في وقت لاحق من هذا، على أساس أن الجهة التي تفاوض لا تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله، و إن حصل هدر و فساد، فإنّ هذا يضرّ بالخصم قبل غيره، و لا يترك له مصداقية في الشارع الفلسطيني. و قد رأينا تماماً مفعول هذا العامل في الانتخابات التي نجحت فيها حماس.
ثالثاً: إذا حصلت انتخابات تعلم حماس من خلال التوقعات على الأرض أنها ستنتصر فيها انتصاراً ساحقاً كما حصل في المرة الأولى، فعليها أن تعمل على تقليص حجم هذا الانتصار و تحجيم نفسها (على الأقل في هذه المرحلة) بحيث تبقى قوة فاعلة تستطيع قبول أو رفض أي طرح من الخلفية و ليس من الواجهة. بمعنى ألاّ تترك الانتخابات فتخسر التمثيل السياسي، و لا تربح الانتخابات كاملة؛ لأنّ كلا الخيارين له نفس النتائج السلبية، بل إن الانتصار الساحق سلبياته أكبر.
رابعاً: الحرص على أن يكون وضع حماس خارج السلطة السياسية أقوى من وضعها في داخل السلطة السياسية. لأنّ حماس السياسية لا تملك أي أوراق ضغط أو تفاوض لا على الإسرائيليين و لا على خصومها السياسيين، بينما حماس المقاومة تملك ورقة مهمة جداً تستطيع بوساطتها أن تضغط على جميع الأطراف، و إن كانت خسائرها البشرية ستكون أكبر في هذه الحالة.
خامساً: ألاّ تنخرط في أي سياسة محاور إقليمية أو دولية؛ لأن هذا يجعلها مجرد ورقة تافهة يمكن التفاوض عليها في أي وقت بحيث تصبح الضحية، ولنا في العرض الإيراني للعام 2003 مثال، و بالعرض السوري قبل شهر مثال آخر.
سادساً: أن تركز الحركة على العنصر الإسرائيلي و ليس على العنصر الفلسطيني؛ لأنّ الاشتغال بغيره سيفتح باب الانشقاقات الداخلية الفلسطينية كما نرى حالياً.
و في جميع الأحوال فإن الحركة صاحبة القرار الأول و الأخير على أرضها و بين جمهورها، لكنّ ذلك لا يمنع أن تعيد النظر بأوضاعها الحالية؛ فهذه هي المرحلة المفصلية الثانية بعدما شكّل فوزها في الانتخابات المرحلة المفصلية الأولى، و نأمل ألاّ نتّجه إلى الأسوأ في المرحلة الثالثة القادمة.
اقرأ: هل أخطأت حماس في دخولها المعترك السياسي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حركة اسلامية | السمات:حركة اسلامية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























فبراير 7th, 2007 at 7 فبراير 2007 6:03 ص
كاتب كبير ، يا بكير
أظن حماس لم تتوقع فوزها بالانتخابات ، ولم تتوقع ضخامة المؤامرة ، ولم تتوقع أن نذالة وخيانة الفتحاوية ستكون بمثل هذه الصفاقة والوقاحة .
فبراير 12th, 2007 at 12 فبراير 2007 8:27 م
الأخ الكاتب, شكرا لك على مرورك و ابداء رأيك
يونيو 8th, 2008 at 8 يونيو 2008 10:46 م
رائع في هذا النضج المبكر لاستقراء الامور , ورغم انني قرات الموضوع اليوم اي بنتاريخ 9/6/2008 الا انني اشعر انك كتبته اليوم وهذا دليل على قدرة رائعة لديك لاستشراف المستقبل خاصة ن حماس فشلت بلا حدود في السياسة , واظن انها لم تعد الصورة النقية في المقاومة بعد ان قام مقاتلي القسام بذبح اخوانهم الفلسطينيين ببشاعة في غزة