اهانة المسلمين و عقيدتهم: اعمال فرديّة ام استراتيجية امريكية؟
كتبهاعلي حسين باكير ، في 17 أيار 2005 الساعة: 03:33 ص
مكان النشر: مجلة العصر
تاريخ النشر: 16-5-2005
بقلم: علي حسين باكير
يشهد العالم الاسلامي حاليا ثورة من الغضب ازاء ما ورد من معلومات حول تدنيس الأمريكيين في سجن غوانتانامو للقرآن الكريم, و ازاء هذا الغضب شدّدت الادارة الأمريكية في تصريحات لها أنّ العمل ان وقع فهو فرديّ! ثمّ أصدرت تصريحات أخرى مفادها انّ التقارير أشارت الى انّ احد السجناء هو الذي مزّق القرآن!!
و في هذا الاطار نتساءل هل انّ اهانة المسلمين و عقيدتهم و كرامتهم و عزّتهم و شرفهم عمل فردي كما يدّعون؟ و هل هو استثناء؟ ام انّ الأمر أخطر من ذلك بكثير و هو استراتيجية أمريكية مدروسة بعناية و لها أهداف و مرامي عديدة؟!
* قراءتين في هذا الموضوع:
برز في اطار الاجابة على هذه التساؤلات قراءتين للموضوع:
- القراءة الاولى: تقول انّ مثل هذه الاهانات للمسلمين و للعقيدة الاسلامية هي أعمال فردية لا تعبّر الاّ عن أصحابها و هم في الغالب امّا لا يعلمون ماذا يفعلون و امّا تنقصهم الثقافة حول المسلمين و عقيدتهم و تقاليدهم (كمّا يتم الادّعاء دائما في اطار تبرير الاهانات المتكررة للمسلمين و عقيدتهم), و يذهب أصحاب هذه القراءة الى القول انّ المعلومات التي تظهر عن التعذيب تشير الى شفافية الاعلام الغربي و انّ الولايات المتّحدة يجب ان تتابع الموضوع و انّ هذه الافعال ليست استراتيجية امريكية لأنّ مثل هذه الأفعال تسيء الى مصداقية الولايات المتّحدة الأخلاقية في وقت هي بأمس الحاجة اليها للترويج لمعتقداتها عن الديمقراطية و الحرية, كما انّ هذه الأفعال من اهانة للقرآن الكريم و اغتصاب للنساء و اذلال الرجال و انتهاك انسانيّة المسلم في أبو غريب و غوانتانامو و في سجون كابل و غيرها من السجون التي تخفى عنّا, ليست في مصلحة أمريكا نفسها و تضرّ بمساعيها لتحسين صورتها في العالم الاسلامي. هذا و غالبا ما لا يتعدى موقف أصحاب هذه القراءة التبديد أو الاستنكار لمثل هذه الأعمال و التي تتكرر دائما على مرآى و مسمع المسلمين, و يطالب أصحاب هذه القراءة بأن تقوم الولايات المتّحدة بتحقيق لكشف ملابسات الموضوع و معاقبة المسؤولين عنه و ينتهي الموضوع.
- القراءة الثانية: هذا فيما نعتبر ان القراءة الأولى ساذجة جدا و الى حدّ كبير و تبريرية و انهزاميّة, تبرز قراءة اخرى تقول انّه لا مجال الى اعتبار أنّ هذه الأفعال هي أفعال فردية أو استثنائية, فهي سياسة مدروسة و استراتيجية أمريكية دقيقة تقوم على مبدأ "الصدمات المتوالية" حتى يفقد الآخر في النهاية الاحساس بقيمة الشيء أو ينهار لعدم قدرته على رد كل ما يتعرّض له من اهانات و اذلال. و يعطي أصحاب هذه القراءة دليلا على ما يذهبون اليه من تحليل فيقولون انّ الاستثناء او العمل الفردي يكون في حالة معيّنة شاذّة خارجة عن المألوف لسبب واضح لا لبس فيه امّا ما نشاهده الآن من أفعال أمريكية فقد بدى أنّ احترام المسلم و عقيدته هو الاستثناء و هو العمل الفردي و ما دون ذلك استراتيجية أمريكية, و الاّ بماذا تفسرون هذا التكرار في التعذيب و الاهانة و الامتهان الذي تقوم به أمريكا و ما يعجز القلم عن وصفه و الصورة عن التقاطه و ما لا يرضى عنه لا حجر و لا شجر و لا بشر و لا حتى حيوان؟. هذا و يعتبر أصحاب هذا الراي انّه لا فائدة من المطالبات بالاعتذار أو الشكوى الى مجلس الامن أو المطالبة بمحاكمة الفاعلين خاصّة بعد المهازل التي مثّلتها لجان التحقيق في قضية أبو غريب حيث هرب الجميع من المسؤولية بل و نال بعضهم أوسمة على خدماتهم في العراق مثل الجنرال سانشيز فيما تلقى صغار القوم عندهم عقوبات بالغة القسوة تمثّلت في تخفيف رتبتهم العسكرية!! و انّ المطلوب من امريكا أكثر من هذا بكثير, اذ يجب عليها عدا عن تقديم اعتذار رسمي من قبل البيت الابيض, الافراج عن جميع المعتقلين المسلمين في سجونها و الذي لم يثبت عليهم شيء الى الآن بشهادة الجميع, و الانسحاب من جميع أراضي المسلمين التي احتلّتها مع التعهد بعدم تكرار ذلك, و انّه في حال عدم تنفيذ أمريكا لذلك فهي تراوغ و انّه لا سبيل الاّ الجهاد لاعادة عز و شرف و مجد و هيبة هذه الامة و الدين. و يضع أصحاب هذا الاتجاه اللوم على الحكام و طبقة العلماء التي تعمل عندهم, على اعتبار انّّهم لا يحرّكون ساكنا ازاء الحدث الجلل و غيره من احداث الاذلال التي يتعرض لها المسلمون و يرون انّه اذا لم يكن هؤلاء الحكّام بقادرين على حماية المسلمين فليرحلوا بسلام هم و موظّفيهم من علماء السلطان و ليتركوا الساحة للعلماء الربّانيين المجاهدين و لكل انسان غيور على عقيدته و دينه و كتاب ربّه و سنّة نبيّه و على شرفه و كرامته و عزّته لتروا كيف ستجري الأمور.
* تقرير تدنيس القرآن الكريم: تسريب للخبر أم نقل له؟ و ما الأهداف؟
كان الخبر الذي نقلته مجلة نيوزويك الأمريكية الاسبوع الماضي حول تدنيس القرآن الكريم الدافع في اشعال ثورة غضب عارمة بدأت في أفغانستان و باكستان و امتدّت الى كافّة الدول الاسلامية فيما بعد. و ما نرجّحه من خلال متابعتنا للسياسة الاعلاميّة الأمريكية هو انّ هذا الخبر قد تمّ تسريبه عن عمد و لم يتم نقله بشكل عادي, خاصّة انّ مسألة تدنيس القرآن الكريم كان قد تحدّث عنها جميع المعتقلين السابقين الذين تمّ الافراج عنهم من قبل من سجن غوانتانامو و لم يلتفت أحد الى أقوالهم و لم تطالب الدول الاسلامية و العربية بأي تحقيق في الامر, و مرّ الموضوع مرور الكرام فلماذا أعيد طرحه الآن؟ و ما يدفعنا لترجيح انّ الخبر قد تمّ تسريبه عن عمد هو الاجراءات الغير مسبوقة للاحاطة بسريّة تامة حول معتقل غوانتانامو, فلا احد يعرف ما يدور في داخله سوى المعتقلين و الجلادين, فكيف نقلت نيوزويك الاخبار من داخل السجن؟! و ان كان الخبر قد تمّ تسريبه عن قصد , فلا بدّ حينها من أن يكون هناك أهداف لهذا التسريب و نرجّح بناءا على ذلك أن تكون هذه الأسباب قريبة ممّا سنقول ان لم تكن هي بعينها:
أولا: بطبيعة الحال فانّ الحدث كبير في الصدمة التي شكّلها (و صغير بنفسه و الأشخاص الذين فعلوه) و بالتالي فقد تريد أمريكا تمرير موضوع مهم من خلال الضباب و الضجيج الذي تركه موضوع تدنيس القرآن حيث تحوّل تسليط الاعلام للضوء عليه و قد تكون احداث القائم السبب أو هناك سبب آخر نجهله الى الآن.
ثانيا: انّ تسريب خبر تدنيس القرآن قد يكون بالون اختبار و معيار لقياس ردّات فعل الشعوب الاسلامية و العربية و معرفة أكثرهم تمسّكا بدينه أو اهتماما بالأمر و بعدها الاستفادة من هذه النتائج لمشاريع مستقبلية فكرية, تنصيرية او عسكرية.
ثالثا: قد يكون هذا العمل من اجل فحص مدى استقرار الحكّام في المنطقة و أيّهم أكثر تأثّرا بردّة فعل الشارع و أيّهم أكثر استعدادا للتنازل لمطالب الشارع و من هم الذين سيسكتون و من هم الذين سيعترضون و ذلك لاخذ فكرة شاملة عمّا سيأتي فيما بعد من سيناريوهات و أي من هؤلاء يجب استبداله.
رابعا: فحص ردّة فعل من يسمون بالاسلاميين المعتدلين و ما هو سقف مطالبهم ازاء الموضوع, هل سيعلنون الجهاد مثلا , هل سيطالبون بتحقيق, هل اعتذار. هل سيسكتون و يلملمون الموضوع , او سيصفوه بالعمل الفردي؟ و بعد ذلك بناء مواقف أمريكية تجاه هؤلاء الاسلاميين و مدى قدرتهم على "ضبط النفس" فيما لو حصل ذلك و هم في السلطة مثلا على اعتبار انّ أمريكا و كما ذكرت العديد من التقارير في الآونة الاخيرة تجري حوارا مع هذه الفئة لمعرفة مدى امكانية أن تكون بديلا عن الأنظمة الحاكمة في عدد من الدول.
خامسا: احداث هزيمة نفسية و معنوية بالمسلمين خاصّة بعد الفشل الذريع الذي تعاني منه أمريكا في أفغانستان و العراق على أساس انّ هناك اعتقاد في الغرب أن الصدمات المتوالية من شانها ان تؤدي الى هزيمة هذا الطرف عبر استهداف أغلى ما عنده من عقيدة و شرف و كرامة و عزّة, لكن يبدو أنّ الامريكيين و الغرب ينقصهم الكثير في هذا المجال, فهذا العمل و هذا الاسلوب قد ينفع مع المجتمعات الغربية الضعيفة معنويا و روحيا و المنهارة اجتماعيا و اخلاقيا ,امّا مع الشرق و خاصّة المسلمين فانّه يؤدي الى نتائج عكسية ترفع من معنويات المسلم و تحثّه على بذل نفسه و التضحية بها فداء للمقدسات و للعزّة و الكرامة و الشرف و بطبيعة الحال فلا شك انّ امريكا ستكون هدفا لهذا النوع من الناس لفترة طويلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أمريكا, تعذيب | السمات:أمريكا, تعذيب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























