منطق الانسحاب الأمريكي من العراق

كتبهاعلي حسين باكير ، في 17 شباط 2006 الساعة: 01:32 ص

المصدر: فصلية واشنطن الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية و الدولية, عدد ربيع عام 2005, ص67-80.

الكاتب: باري روبين

ترجمة: علي حسين باكير

 

بالرغم من تعقيدات حرب العراق، فإن الجدل الحاصل و الخيارات السياسية المقترحة في نقاش هذا الموضوع تمّ ربطها و تحديدها و بشكل كبير في إطار جدول اعمال الولايات المتحدة. فحقائق العراق، غالبا ما يتم إهمالها أو إساءة فهمها أو تجاهلها. والواقع هو أن المفهوم الأساسي لدى إدارة بوش وأكثر معارضيه،فيما يخص الوضع في العراق، هو مفهوم خاطئ و كارثي جداً. فالمقولة السائدة في واشنطن هي انّه عبر الحضور و البقاء الأميركي الواسع النطاق في هذا البلد، هزيمة المتمردين، وتعزيز مكانة حكومة منتخبة، من الممكن ان يتم تحقيق  كل من الاستقرار والديمقراطية في العراق. فالانتقادات لهذه السياسات المتّبعة يؤكّد على التعامل الخاطئ للحكومة الأمريكية مع مشاكل العراق, او ربما عدم التعامل معها نهائيا. و على الرغم كل ذلك، و سواء نجحت هذه السياسيات أو فشلت، فان الوضع الراهن في العراق، يتطلب نظرة أمريكية جديدة للمستقبل.

 

اذا فشلت الاستراتيجية الامريكية الحالية وتعمقت الفوضى الجارية، فان كل من الزعماء العراقيين الجدد وواشنطن سيدعون إلى تقليص الدور الأميركي. وإذا ما نجحت (الاستراتيجية) بإقامة حكومة قوية منتخبة، فمن المرجح أن يصرّ هذا النظام الجديد على الانسحاب الأميركي الكامل او الجزئي ضمن فترة زمنية معقولة.و بكلتا الحالتين, فانّ توقع احتمال أن تستطيع السلطة في العراق إنهاء العنف الجاري من خلال المفاوضات السلمية والدبلوماسية أو أن تنجح في جعل القوات الأميركية مرحب بها يعدّ ضئيلا.  فالمتمردين لن يستسلموا، وربما في الحقيقة هم سيصعِّدون معركتهم في ظل توجه العراق نحو حكم شيعي محتّم. و الحكومة ستذهب الى ان تأكّد على سيادتها و شرعيّتها و تضع استراتيجيتها الخاصّة بها لمحاربة الحرب الأهلية. و وحده اختبار الأسلحة سيحدّد مسار البلاد المستقبلي.

 

مثل هذه المحصلة الحتمية والعنيفة يمكن أن تؤدي إلى نتيجتين بالنسبة لواشنطن. فإذا ما استمرت الحرب بشكل لا نهائي، أو اذا انتصرت الحكومة العراقية من خلال القمع الوحشي وقتل آلاف الأشخاص، فان العالم سيحمّل الولايات المتحدة الأميركية المسؤولية. أمّا إذا ما ظهر نظام منبثق عن التمرد الذي تحاول الولايات المتحدة هزيمته، فسيكون ذلك خسارة هائلة للمصداقية الأميركية و سيكون ذلك قد أسّس لعدو جديد في العراق سيبقى قائما لعقود قادمة. و عليه, فانّ على الولايات المتّحدة أن تقرر أي من القوى السياسية تريد أن تدعم في العراق، وان تبدأ بوضع استراتيجية خروجها منه. وعلى الرغم من أن على الولايات المتحدة أن لا تسحب قواتها بسرعة أو تسرّع، فانّه من الحكمة أن تنسحب خلال الأشهر الاثني عشر أو الثمانية عشر التي تلي صياغة دستور عراقي جديد وإجراء انتخابات جديدة في كانون أول ديسمبر من العام الحالي.

 

* الفرضيات الخاطئة

 

خلال الحملة الرئاسية في الولايات المتحدة العام 2004، اتفق كل من الرئيس جورج بوش ومنافسه السيناتور جون كيري على أرضية مشتركة فيما يخص السياسة الأمريكية تجاه العراق، وتتمثل في أن تبقى القوات الأمريكية إلى حين يؤسس العراقيون حكومة مستقرة، تحقيق هزيمة المتطرفين العنيفيين، واثبات مصداقية الولايات المتحدة. و على الرغم من انّ ذلك يبدو موقفا مسؤولا, لكن هل هو كذلك في الحقيقة؟!

و في الواقع، هذه الاستراتيجية تستند على خمسة فرضيّات تبدو منطقية من حيث المبدأ لكنها غير عملية للتطبيق على ارض الواقع في العراق. و هذه الفرضيات هي:

 

أولا: انّ هذه الاستراتيجية تقترض انّ بقاء الولايات المتحدة والتحالف سيساعدان على دعم حكومة العراق من اجل ضمان الاستقرار وإعادة البناء وتحقيق الهزيمة الحاسمة للقوات الراديكالية.

ثانيا: أنّ الثبات الأميركي سيحقق تعاطف الشعب العراقي الذي سيلمس تقدّم الديمقراطية في العراق و ارتفاع مستوى المعيشة لديه، وحينها سيدعم الشعب العراقي حكومته و يعبّر عن امتنانه للولايات المتّحدة و يقر بفضلها وسينقلب على المتمردين.

ثالثا: انّ العمليات العسكرية الأميركية ستوفر الوقت المطلوب لتعزيز القوات المسلحة العراقية القادرة على إدارة القتال في العراق، وهو ما سيؤدي الى تخفيض عدد المقاتلين الأجانب و بالتالي عدد الضاحيا الذين من الممكن ان يسقطوا , ما سيسمح للتحالف بتقليص عديده ونشاطاته و تحقيق قبول واسع له من قبل معظم العراقيين والعالم العربي وأوروبا، وحتى في داخل الولايات المتحدة.

رابعا: انّه يمكن للقوات المسلحة الأميركية أن تحتوي و تهزم المتمردين، وتحول دون قدرتهم على زعزعة أمن العراق وإبطاء إعادة بنائه.

خامسا  واخيرا: انّه يمكن للولايات المتحدة تشجيع الديمقراطية والاستقرار في العراق مع البقاء على الحياد فيما يخص السياسات العراقية الداخلية.

 

و لسوء الحظ، فانّ أيا من هذه المقترحات لا يبدو انه فعّال في العراق، على الأقل في المدى المنظور من الآن و لاحقا.

في الحقيقة، فإن حكومة عراقية منتخبة ستطالب بإخراج قوات الائتلاف وتقليص قوة الدعم السياسية الأميركية لعدة أسباب. و بدلا من أن يبدو الحضور الأميركي على أنه عامل استقرار وتوحيد للبلاد، فانّ الحكومة الجديدة ستعمل على إثبات استقلاليتها و وطنيّتها بالمطالبة بمغادرة قوات الائتلاف للعراق. وبدلا من الترحيب بتأثير الولايات المتحدة على اعتبار انّه وسيلة لإنجاز الديمقراطية، فان الزعماء العراقيون الجدد سيعملون على منع التدخل الأميركي في حالات يقومون فيها بانتهاك حقوق الإنسان، الديموقراطية, و النزاهة في ممارسة في الحكم. فهم سيرغبون بالاستمرار في الحكم و السلطة, و التمتع بالمنافع والمكاسب المادية, و يرون انّ هذه هي الطريقة الوحيدة لتأكيد ذلك. و أخيراً، بدلاً من أن يتم النظر إلى القوات الأميركية كحامية لهم، فان الزعماء العراقيين الجدد سيعملون على تأكيد أن لا تحد السياسة الأميركية من استخدام الطرق الوحشية التي يعتبرونها و يرونها ضرورية للقضاء على التمرد.

 

انّ زعماء اقوى الأحزاب السياسية العراقيّة قد أوضحوا نواياهم. فأحمد الشلبي، السياسي العراقي الذي انتدبته الولايات المتحدة في مرحلة من المراحل كزعيم للعراق الجديد، كتب في صحيفة وول ستريت جورنال (22  كانون أول  2004) أن "المهمة الأولى للبرلمان المؤقت المتخب حديثا هي التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة لتحديد وضع قواتها في العراق والتوافق على جدول زمني للانسحاب". والشلبي هنا لم يتحدث عن انسحاب مفاجئ و غير مسؤول, بل عن انسحاب مخطط له بدقة وتدريجي.

إن الحقيقة هي  أنّ الإبقاء على تواجد أميركي واسع النطاق لخلق حكومة ما بعد صدام، هو امر غير مرغوب و لن يستمر. و بالرغم من الفرضيات الأميركية، فان إطالة الحرب بقيادة الولايات المتحدة لن تربح للشعب العراقي, و لن تؤمن الاستقرار أو تهزم المتمردين.

بل على العكس من ذلك، سيكون له تأثيرات عكسية. و عليه, فعلى الولايات المتحدة أن تغير الاتجاه وأن تستعد للانسحاب بعد إقامة الحكومة العراقية بحلول انتخابات كانون أوّل عام 2005. وهذا الموقف يعارض الخطط السابقة التي تقول بضرورة بقاء القوات مهما كانت الفترة حتى يتم تحويل العراق إلى ديموقراطية مثالية، و بناء قواعد كبيرة للجيش الأميركي لتخدمه على المدى البعيد. و على الرغم من انّ هذا الانسحاب لن يرض كثير من القادة الأميركيين و بعض العامّة، إلا انه سيوفّر فرصة من اجل إعلان الانتصار بمفردات معقولة, و اعادة الجنود إلى منازلهم. البديل هو احتجاز مهمة القوات الأميركية كرهينة لعدم استقرار الحكومة العراقية  أو لتعليق حضور البرلمان و دوره ، وهو سيناريو ستكون نتائجه كارثية و اكبر بكثير من المشاكل الحالية.

 

* تجاهل الحقائق السياسية العراقية

 

على الرغم من أن الديموقراطية في الشرق الأوسط قد جرى الإعلان عنها من قبل الأمريكيين كهدف أساسي، إلا أنّ الفاعلين السياسيين في  العراق ركزوا على مسائل البقاء وكسب السلطة, التأكيد على هيمنة أتباعهم, هزيمة أعدائهم بكل الوسائل، إضافة إلى تحصيل المنافع و المكاسب المادية. وفي غياب الاعتدال، مجموعات المصالح الديمقراطية, تمّ سد الفجوة السياسية من قبل المنظمات الدينية والطائفية التي لها أهدافها الخاصة غير المرتبطة بالديموقراطية. القوة السياسية الأكثر حضورا في العراق الممثّلة بالائتلاف العراقي الموحد, المشكّل و المدعوم من قبل آية الله علي السيستاني، ملتزم بالوصول إلى سيطرة الغالبية الشيعية لتكوين نظام اسلامي , مع العلم انّه غير راديكالي. و في مقابل الحفاظ على تعاونهم المستقبلي, عرض الائتلاف (الذي يمثّل الشيعة و هم حوالي 55% من السكان) على الأكراد (20 %)  حكما ذاتيا محليا بادارة محلّية. و اعتمادا على هكذا سياسة , فانّه من الممكن للائتلاف العراقي ان يتمكن من تأسيس دولة مستقرّة و غير راديكالية و هي محبّذة جدا من اجل تحقيق المصالح الامريكية, و لكنّها لن تكون ديمقراطيّة بالكامل ، على سبيل المثال فأن حقوق النساء ستعاني من نظام موجه إسلاميا، كما انه لن يشكّل صيغة للسلام الداخلي باعتبار أن المسلمين السنة (20 – 25% من السكان) والمصدر الرئيسي للعنف الحالي، سيكونون مستائين و غير راضين عن هكذا نتيجة.

إلى الآن، فقد كانت الولايات المتحدة الأميركية محايدة إلى حد كبير فيما يتعلق بالسياسات الداخلية العراقية لكي تثبت بأنها تعطي للديموقراطية فرصة جيدة، وان ليس لديها أطماع أو طموح امبريالية  او استعمارية في العراق. لكنّ هذا الحياد كان له سلبيات. فبدلا من تأسيس نظام عراقي جديد بسرعة , كان على سلطة الاحتلال التي تمتلك قليلا من المعرفة و الخبرة عن البلاد ان تتعامل مع العراقيين بشكل مباشر. و هذا التصرّف فشل في اعادة النظام و لم يسكّن من شكوك العارقيين, و لم يأسّس لائتلاف داخلي قائم على الوطنية بدلا من الطائفية. وبالفشل في اختيار زعيم علماني مثل الشلبي، بصرف النظر عن أهليته، فقد تُرك الباب مشرعا أمام صعود الطبقة الدينية الشيعية وهي القوة الوحيدة المنظّمة في العراق إضافة إلى نظام صدام حسين القديم.

 

* إهمال الحرب الأهلية الوشيكة

 

لقد قبل الشيعة بشكل اساسي الاحتلال مع الصبر على تواجد القوات الامريكية, آملين بانّه اذا تجنّبوا قتال الولايات المتّحدة فانّهم سيسيطرون و يثبّتون أيديهم من خلال الانتخابات و هو ما سيساعدهم على كسب الاستقرار و الشرعية لسلطتهم. و مناقشة لهذا الموضوع, فانّ وزير الخارجية الأميركية السابق هنري كيسنجر، و هو  مؤيد لفكرة الالتزام الأميركي ببقاء طويل المدى في العراق، يرى عكس ما تمّ شرحه. فهو يرى انّ حكومة عراقية منتخبة ستجلب مزيدا من المشاكل , و كما يقول فانّ "التمرد في المنطقة السنية ليس فقط كفاحا وطنيا ضد أميركا، بل هو وسيلة ايضا لإستعادة الهيمنة السياسية…، و عليه, فانّ الانتخابات في العراق يجب أن تعتبر البداية لسباق بين المجموعات المختلفة، مع ما يتضمّنه ذلك من مخاطر نشوب حرب أهلية, أو من اشتعال كفاح وطني ضدّ الولايات المتّحدة, أو كلا الخيارين معا.

وجهة نظر كيسنجر صحيحة. فإما أنّ الولايات المتّحدة ستبقى عامل الوجود العسكري الرئيسي في العراق و تصبح جزءا من الحرب الأهلية ، أو انّها ستتنحى جانبا وتدع الحرب الأهلية تندلع. فاذا تواجدت اعداد كبيرة من القوات الامريكية، فانّه و بالتأكيد سيتم جرّ الولايات المتّحدة في القتال، فإذا ما حمت السُّنة، فهي بذلك ستضع نفسها في مواجهة الحكومة و ستجلب لنفسها عداوة الأغلبية العراقية. و اذا ما وقفت الى جانب الحكومة, فانّ السنّة في العالم العربي اجمع سينظرون بعدائية الى الولايات المتّحدة أكثر ممّا ينظرون الياها بنفس الطريقة الآن. و ستظهر الولايات المتحدة كراعي لنظام إسلامي شيعي قاصر عن الوصول إلى المعايير الديمقراطية. وبالتالي فان أفضل حل للولايات المتحدة هو في الشروع بإخلاء قواتها قبل بدء تلك المعارك.

 

* البحث عن كبش الفداء

 

علاوة على ذلك، فإذا ما أبقت الولايات المتحدة في العراق وكراعي رسمي للنظام الجديد، فانها سوف تتلقى اللائمة جرّاء كل عيوب هذا النظام و الحكومات المتعاقبة. فإذا ما كان النظام قمعيا، فان العراقيين سينسبونه إلى سوء الأمريكيين تجاه العراق وسيعتبرونه دليلا على نفاق الولايات المتحدة فيما يخص الديموقراطية. من ناحية أخرى، فانّه إذا لم يكن النظام حازما بما فيه الكفاية، واستمرت الفوضى، فسيلوم العراقيون أمريكا على عدم الاستقرار والفشل المستمر في إنهاء التمرد. بل أن البعض سيدّعون و يعتقدون بالفعل بأن الولايات المتحدة تروّج للتمرد كعذر لتبرير بقائها في العراق.

و كذلك فسيتم لوم امريكا على الفساد الحكومي الحاصل في العراق, و بينما تضع الحكومة سياساتها التي ستنحاز الى طرف , سيعتبر الآخرون انّ الولايات المتّحدة هي السبب في ذلك و سيلومونها عليه.

و لكسب رضا الناس, سيلعب الحكّام الجدد على ورقة معاداة امريكا  وذلك تماشيا مع المزاج الشعبي العام. و عمليا، فانّ الطريق الوحيد للنظام الجديد لإثبات وطنيّته أو  اوراق اعتماده الاسلامية هو في عرض استقلاله عن الولايات المتحدة ورفض احترام النصائح والطلبات الأميركية. و الدعاية التي سيثيرها العديد من القوميين العرب والإسلاميين داخل وخارج العراق، ستشجّع هؤلاء الحكام الجدد على التحرك بهذا الشكل. فالشعور المعادي لأمريكا سيكون سلاحا قويا لقطاعات ساخطة و كبيرة من الشعب العراقي. وستستغل هذه المجموعات (إذا واصلت أميركا تواجدها في هذا البلد) خطابها الذي سيثير الحس القومي والإسلامي ضد المحتلين الأميركيين على اعتبار انّهم السادة الحقيقيين للعراق.

 

* مساعدة التمرّد

 

علاوة على ذلك، وعلى الرغم من الانتصارات المؤقتة على الأرض، وللمفارقة، فانّ قوات التحالف تساعد التمرّد أكثر مما تؤذيه، فحتى أربعة سنوات اخرى لن تستطيع القوات الامريكية ايضا ايقاف الحرب  فالوجود الأميركي المتواصل في العراق سيعطي المتمردين الفرصة لحشد الاسلاميين, القوميين, و حتى العلمانيين السنّة ضدّ "الاحتلال".

انّ السبب الحقيقي في عدم قدرة القوات الامريكية على الانتصار ضدّ المتمرّدين ليس الانتقادات التي يوجّها النقّاد الغربيين للقوات الأميركية بقدر ما هو في حقيقة الامر عدم  القدرة على كسب المعركة ضد التمرد في العراق لأنّ هزيمة التمرد تتطلب هزيمة موالي صدام، إرهابيي القاعدة، إضافة إلى المتطرفين الشيعة الاسلاميين. وعلى الرغم من أن المتمردين يتلقون الدعم من الأقلية في وسط العراق من المسلمين السنّة، وغير قادرين على السيطرة على البلاد، إلا أنهم فعّالون جدا في ترويع الناس, و فعّالون أيضا في الترويج لأنفسهم ضدّ الأمريكيين في الدعاية التي يستخدمونها. ويغتبطون لنتائج الأعمال الإرهابية التي تقتل عددا كبيرا من المدنيين - من الشيعة ومن المدنيين الأجانب وعمال الإغاثة- وبسبب رغبة هؤلاء الإرهابيين بالقتل وتدمير الاقتصاد والمجتمع العراقي، فان الهزيمة لن تلحق بهم إلا اذا تمّ ابادتهم بالكامل.

على الرغم من الفضائح الاستثنائية النادرة مثل فضائح أبو غريب, الاّ انّنا نستطيع ان نقول انّ القوات الامريكية التزمت بضبط النفس. و كانت مصمّمة على تفادي أنواع الانتهاكات التي حدثت في فيتنام، بحيث سمحت للمراسلين بتغطية الأحداث والتأكد من أن هذه القوات تتصرف بشكل ملائم تجاه المدنيين العراقيين. فقد أدرك الجيش الأميركي بأنه لن ينتصر في المعركة او يخسر بها إلا نتيجة لكسب ثقة الشعب العراقي أو لفقدانها. ولسوء الحظ، و على الرغم من أنّ هذا التصميم جدير بالاحترام، الاّ انّه فشل. إذ يتطلب كسب ثقة الشعب تفادي الإصابات بين المدنيين،الاّ انّ الأمر يتطلب أيضا إبادة المتمردين. و يبدو انّ الشيعة مستعدّون لقبول سقوط أعداد كبيرة من المدنيين السنّة في سبيل منع الارهابيين السنّة من قتل المدنيين الشيعة.ومحاولة إقناع هؤلاء المتمردين لن يدفعهم لإلقاء سلاحهم، ولا يمكن لأي جهد أميركي أن يطمأنهم إلى النوايا الأميركية و الى اجراء انتخابات سيكونون الخاسرين فيها. فالقوّة هي طريقهم الوحيد للسلطة, و معاداة امريكا هي طريقهم الوحيد لحشد الجماهير وراءهم.

انّه من المستحيل على القوات الأميركية وعلى القوات الحليفة لها، عمليا، استخدام الأساليب الضرورية اللازمة لهزيمة التمرد العراقي. ففي كل مرة يَقتل جندي أميركي مدنيا عراقيا أو يطلق النار على مسجد، فان عشرات الملايين من العرب (والكثير من العراقيين) سيعتبرون ذلك دليلا على أنّ الولايات المتّحدة معادية للعرب و للاسلام.

و لكي اكون واضحا, فان وجود القوات الامريكية قد يمنع او يحد من مناطق انتشار التمرّد , لكنّ المناطق السنيّة على الأقل ستكون عرضة و بشكل دائم لعدم الاستقرار كما انّ قدرة المتمرّدين على تخريب جهود بناء إعادة الاعمار ستتواصل. لذلك ليس هناك من شيء افضل من قوات عراقية راغبة في استعمال الطرق الضرورية لانهاء التمرّد خاصّة انّها "مسلمة" و "وطنيّة الولاء" و من الضروري ان يتم قيادة القوات العراقية بحكمة عالية ما يعزِّز مكانتها الخاصة تجاه السلطة و تجاه مصالحها. إلا أن قوات عراقية ناشئة، غير مدربة بشكل جيد، و تنتظر من الولايات المتّحدة التعليمات الحرفية (كمن يلقّن الاملاء) للتحرك في فرض قواعد المعركة، لن تنجح او تنتصر أبدا. علاوة على ذلك، فانّ هذه القوّات تواجه دعاية ثابتة حاليا يتم الترويج لها و تقول انّهم مجرّد أدوات في يد الولايات المتّحدة الامريكية. وبالتالي فإن هؤلاء الجنود، وخاصة مع إدراك الجمهور وأجهزة الإعلام بأنهم تابعين للأجنبي، غير المسلم وغير العربي، سيرفضون القتال الى جانب الامريكيين و سيكونون كوكلاء للمتمردين.

و بالمحصّلة، فانّ استراتيجية تعتمد على قوات الائتلاف كقوة قتال رئيسية و اساسية لن تنجح في هزيمة التمرد. واستمرار الحضور الأميركي، سواء اكان ذلك حتميا ام للتلاعب الاعلامي العدائي , سيعتبر اهانة مؤكدة للوطنيين العراقيين و للحس الاسلامي الموجود، وبالتالي يسمح للتمرد بحشد مزيد من المؤيدين و المناصرين الذين ما كان باستطاعته ان يحشدهم لولا ذلك. في نفس الوقت، و طالما أن بقيت القوات العراقية خاضعة للقادة الاجانب، فان الذين يقومون بالعنف سيكذّبون الحكومة العراقية و القوات العراقية نفسها ايضا. إضافة إلى ذلك, فأن استمرار القتال سيعرقل تحسين الأوضاع المعيشية للشعب العراقي و التقديمات و الخدمات الاجتماعية الضرورية لكسب تأييد الشعب للحكومة. فالبقاء الامريكي في العراق لا يساعد الحكومة على هزيمة التمرد، بل يساعد التمرد على بقائه و يقنع العراقيين بدعمه.

 

* الرد على منتقدي الانسحاب

 

إحدى أكثر الحجج القويّة ضد الانسحاب الأميركي المبرمج و المنظّم , المخطط له والمرحلي من العراق، تتعلق برغبة الإدارة الأميركية بالبقاء في العراق من أجل الحفاظ على سمعتها الخاصّة و على المصداقيّة الأمريكية. ويعتبر صناع السياسة الأمريكيون، أن الإصرار على عدم الانسحاب من العراق هو الطريق الوحيد لضمان مستوى عال من المصداقية للولايات المتحدة تجاه خصومها في المنطقة. ويجادلون بأن الانسحاب الامريكي من العراق كما فعلت في فيتنام, او السماح بهزيمة حلفائها كما حصل مع الشاه في ايران , سيرسل اشارات خاطئة الى المتمردين و ستعتقد القوى الراديكالية انها قادرة على مهاجمة المصالح الأميركية وتجاهل تهديداتها.

وعلى الرغم من أن هذه الحجة تبدو مقنعة، إلا أنها لا تعكس بدقة الوضع الحالي في العراق، إذ أن الولايات المتحدة قد أنهت نظام صدام و أسقطته وأثبتت مصداقيتها. لكن كون الولايات المتّحدة تخوض حربا لا نهاية لها في العراق فانّ هذا سيضعف من موقفها و مكانتها في المنطقة. فالولايات المتّحدة غارقة الآن في العراق لدرجة أنّها عاجزة عن مباشرة أي عمل أو اتّخاذا أي قرار يتعلق بأية قضية أخرى في المنطقة، أو في أي مكان آخر في العالم، وأعدائها يدركون ذلك جيدا. فالوجود الامريكي في العراق تمّ استخدامه كموضوع لحشد و تعبئة المؤيدين و المناصرين ضد هذا الوجود. و قلّة الانتصارات الامريكية تمّ تصويرها كدليل على ضعفها , و الأخطاء الامريكية السيئة تمّ اختراعها او تضخيمها للدلالة على انّ للولايات المتّحدة نوايا سيئة و شريرة تجاه العرب و المسلمين.

علاوة على ذلك، فقد أصبح العراق نقطة تجمّع مركزية لجميع الجهاديين المعاديين لأمريكا , وساحة لحرب سرية من قبل إيران وسوريا ضدّها ايضا. وجرى إشغال الولايات المتحدة في العراق مما منعها من اتّخاذ أي إجراء جدي تجاه البلدين, حيث قُدّمت المساعدة المالية والمتطوعين السعوديين و الآخرين المنقادين بشعور معادي للأميركيين. و عندما تنسحب القوات الأميركية من العراق، ستتحرّر واشنطن من هذه الضغوط و تعود اليها قوّتها الهائلة و الرادعةو ارداتها باستخدامها ضدّ اعدائها اذا ما استثاروها بشدّة.

إن تحسين مكانة القوة الاستراتيجية الأميركية في العراق ستنسحب أيضا لجهة الحرب على الإرهاب. لقد نقل الارهابيون الاسلاميون السنّة عملياتهم الرئيسية الى العراق حيث يريدون إستعادة أمجادهم ثانية كما فعلوا في أفغانستان ابّان محاربة السوفييت. ويتفاخر أسامة بن لادن بانّ الوجود الامريكي في العراق و عدم قدرته على هزيمة المتمردين , يحوّل ذلك إلى أداة جيّدة للتجنيد. إو عندما يصير رحيل الولايات المتّحدة من العراق امرا حتميا، سيدّعي الارهابيون انّهم حقّقوا النصر و هزموا الولايات المتّحدة، و يكسبون على ذلك مزيدا من المؤيدين ليقوموا بثورات اسلامية في اماكن اخرى. لكنّ نهاية ما بعد الاحتلال لن تكون سعيدة للإرهابيين كون النظام العراقي سيهزمهم و يكذّب طروحاتهم اكثر ممّا استطاعت الولايات المتّحدة ان تفعله.

 

حجّة أخرى ضدّ الانسحاب من العراق, و هي انّ ذلك يؤدي الى ترك العراقيين يواجهون ديكتاتورية فظيعة. لكنّ هذا المنطق على ايّة حال, قد اصبح ملغيّا, اذ ابطلته الحكومة العراقيّة المنتخبة و التي تعكس رغبة الاغلبية. و هو أكثر ما يمكن انجازه واقعيا  و في الوقت الحالي, و لا شكّ انّ تشكيل حكومة منتخبة لفترة ما بعد الديكتاتورية هو تطوّر لافت و ملحوظ. لكن و مع ذلك , فقد يقول البعض انّ على الولايات المتّحدة البقاء لأنّ هناك من العراقيين من يريد و يدعم وجودها و يحتفظ بآراء ايجابية تجاهها. فبعد ان تمّ خلع صدّام, أمل الكثيرون ان يتم تحسين الاوضاع المعيشية في ظل الوجود الأمريكي, كما توقّع الشيعة ان يقوم الامريكيون بتسليمهم السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر, و هو ما دفع السيستاني الى الصبر و حث مؤيديه على تجنّب الصدام مع القوات الامريكية و وقف ايّ تمرّد حتى لو كان شيعيا, مثل تمرّد مقتدى الصدر الذي اراد ان يقاتل القوات الامريكية. فالسيستاني و آخرون مثله فكّروا انّه لماذا عليهم ان يخوضوا حربا ضدّ القوة الاولى في العالم طالما انّها ستسلّمهم السلطة و تخرج بعد ذلك من العراق. لكنّ بقاء القوات الامريكية الآن في العراق, قد يدفع الشيعة الى القول انّ القوات الامريكية تعرقل سيطرتهم الكاملة على السلطة و تمنعهم من ممارستها, و بالتالي يؤدي ذلك الى ازدياد الغضب الشيعي و العنف حتى ضدّ وجود قوات التحالف نتيجة لظهور الشعور الذاتي في المصلحة و الحفاظ على الذات. و في هذه النقطة بالذات ستصبح الولايات المتّحدة عدوّتهم بعد أن كانت حليفتهم. و اذا ما حصل مثل هذا السيناريو فانّه سيكون بمثابة الكابوس الذي يؤدي الى ان تصبح العراق دولة تابعة بأكملها لايران و عدوّة لأمريكا. ففي الظروف العادية, و كضمانة ضدّ هكذا نتيجة, فانّ الحل يكمن في تمكين الشيعة من تحقيق سلطة ناجزة بالكامل. ففي هذه الحالة لن يكون على الشيعة أن يذعنوا لأوامر ايران الغير عربية, و التي مات في المواجهة معها سنة 1980-1988 العديد من الشيعة الذين قاتلوا ضدّها في الحرب العراقيّة- الايرانيةّ. و محاولات ايران لتخريب الوضع في العراق و عرقلة الحكومة العراقية, سيدفع العراقيين الى الانقلاب على طهران بشكل اكيد و فعّال و بطريقة ما كانت الولايات المتّحدة لتستطيع ان تفعل مثلها. و الطريقة الوحيد التي ستجعل من شيعة العراق الى جانب ايران, هي في انّهم اذا اعتقدوا انّ الطريقة الوحيدة لاخراج امريكا هي في التعاون مع ايران, فعلى الولايات المتّحدة ان تخرج قبل حصول ذلك.

 

* رفض أسلوب الأُمنيات‏

 

انّ أسوأ نتيجة مستقبلية محتملة, هي في ان ترى الحكومة الامريكية استراتيجيتها العسكرية تنهار, و هي تحاول و تفشل في أن تعالج مواضيع شائكة, مع صعوبة تغطية الحقيقة الحاصلة. و عندها سيتم مزاوجة الادعاءات الزائفة عن تحقيق تقدّم في قتال التمرد, مع جهود إخفاء تزايد مشاكل الحكومة العراقية الفاشلة و العدائية. هذه الأوضاع ستقسم الرأي العام الأميركي بشكل مرير، وسيجري تكذيب الرئيس الأميركي , مما سيفسد قدرة امريكا على التأثير في الاحداث العالمية.

هناك سبب وجيه للخشية من قوة التفكير عبر الأماني لأنّها تؤدي الى نتائج كارثية. و هي بالفعل أدّت إلى ثلاث كوارث سياسية رئيسية في السنوات الأخيرة في الشرق الأوسط. في هذه الحالات، بالغت واشنطن في تقدير قوة المعتدلين، وحتمية البراجماتيّة، والمنافع الموضوعية لأعداء الأميركيين.

 فخلال عملية أوسلو للسلام، على سبيل المثال، اقتنع صناع السياسة الأميركيون والنخب السياسية في الولايات المتحدة بأن تاريخ الهزيمة والمعاناة سيقنعان الزعماء الفلسطينيين والدول العربية بعقد سلام مع إسرائيل، إذا ما وضعت أمامهم صفقة جذابة. لكن و في الحقيقة , فانّ ياسر عرفات رفض شروط اتفاقية كامب ديفيد عام 2000 وخطة كلينتون، لأنه اعتقد أن النصر سيكون حتميا فيما بعد. كذلك الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، الذي تصرف بنفس الطريقة عندما رفض السلام بوساطة امريكية مع إسرائيل في نفس العام. ثانيا, لقد أخطأت أمريكا قبل هجمات 11 أيلول عندما قلّلت من  التهديد الذي يشكّله الإرهاب الإسلامي الراديكالي. و أخيرا ولجهة العراق، تفاءل صناع السياسة الأميركيون و بشكل خاطئ بأن العراقيين سيكونون شاكرين و ممتنّين للولايات المتحدة لتحريرهم من صدام و انّهم سيعتنقون الديمقراطية بلهفة.

و على الرغم من انّ تقييم الولايات المتّحدة كان صحيحا في الشرق الأوسط لجهة انّ الديكتاتوريات في المنطقة كانت سببا اساسيا في المشاكل التي تعاني منها هذه المنطقة, و انّهم كانوا يخفون عجزهم بلوم الولايات المتّحدة, لكنّ ذلك لا يعني انّ امريكا تستطيع أن تصحّح الوضع و تعالج المشكلة من خلال الاطاحة بالأنظمة.

حالات الفشل السياسية هذه تشير إلى أن الوقت قد حان من اجل مزج الأهداف النبيلة والنوايا الطيبة مع تقييم واقعي لأوضاع المنطقة وفق معاييرها الخاصة.

و من البداية, فانّ الحرب على العراق و ما نتج عنها من مفاعيل  قد تمّ النظر اليها من منظورين اساسيين. بالنسبة لمؤيدي الحرب، فقد جرى التوقع بأنه بعد قيام الولايات المتحدة بطرد سريع لصدام، ولمن هم في دائرته من الطفيليات، فان الشعب العراقي سيكشف عن الطبيعة المعتدلة في فطرته. الاّ انّ وجهة النظر هذه و هذا التوقّع قد أثبت فشله. امّا بالنسبة لمنتقدي الحرب، فقد اعتبروا انّ الولايات المتّحدة هي الطرف السيء في العراق. مثل وجهات نظر هذه تمّ تغليفها بنظريات المؤامرة،لكي يتهمون أميركا بالعمل كبلد استعماري و امبريالي متلهف للنفط والقوة. وقد بدا هؤلاء النقّاد كامتداد للعقائد القومية العربية والإسلامية المتطرفة التي تسيطر على الحديث الإقليمي.

رغم ذلك، وعلى نقيض الأفكار الشائعة عن إدارة بوش، فان الحافز الأميركي الفعلي، بالرغم من الخطأ الاستراتيجي، كان حافزا تحرريا وإنسانيا، نظر إلى العراقيين كمتحضرين يتلهفون إلى الديموقراطية وتوقع منهم تصرفا عقلانيا وإقامة نظام سياسي سلمي وعملي، وقد تمنت الإدارة الأميركية بان يرى العالم العربي العراق كبرهان على نواياها الحسنة وأن يرفض التطرف.

و نتيجة لهذه التصورات الخاطئة فقد دفعت السياسة الامريكية في عراق ما بعد صدام ثمن أخطاء كبرى ارتكبتها مثل حل الجيش العراقي و الدفع بأعداد قيليلة جدا من القوات الامريكية في صلب المعركة.

لكن الاختيار بين هاتين الرؤيتين الخاطئتين ترك مساحة بسيطة لحقيقة الوضع على الارض. و على الرغم من أنّ الامريكيين كانوا يصرّون على انّ الديمقراطية تتقدّم في الشرق الاوسط بشكل فعّال, فانّ المعارضين و الخصوم ركّزوا على مهاجمة الحوافز الامريكية و على التأكيد انّ العراق ليس جاهزا لمثل هذه القفزة.

من جهة اخرى فانّ قليلين ابدوا استعدادهم للاعتراف انّ الكراهية العامّة, و ثقافة العنف و التطرف, و القادة بطموحات شخصيّة و عدم وجود ايديولوجيا بديلة للاسلاميين و لها قائد حقيقي و شعبي كلّها كانت عوامل باعثة على جعل مستقبل ما بعد الحرب قائما على المساومات و المفاوضات.

 

* مستقبل الاستراتيجية الأميركية

 

طبقا للسياسة الأميركية الحالية، فقد ألزمت واشنطن نفسها بالدفاع عن الحكومة العراقية المنتخبة حديثا. وستكون الولايات المتحدة مجبرة لاحقا على التعامل مع النزاع السياسي العراقي الداخلي الذي يمكن أن يتطور بسهولة الى حرب أهلية بين الإسلاميين والوطنيين، بين السنة والشيعة، بين الأكراد والعرب، بالإضافة إلى التنافس بين المستبدين المنتظرين للحفاظ على استقرار النظام و شرعيته و على المصالح الامريكية ايضا. و سيكون على الولايات المتّحدة ان تتساءل في هذا الوضع عن مدى سيطرتها على النظام الذي تدعمه؟ و هل ستدعم هذه الحكومة السياسات الامريكية المحلّية؟ أم انّ حكّام بغداد الجدد سيتوجهون الى توثيق علاقاتهم بالدول العربية ليبرهنوا عن وطنيّتهم و رصيدهم الاسلامي, و بالتالي يكون ذلك برفض و تجاهل التمنيات الامريكية العملية؟ وبالرغم من أن الولايات المتحدة ستنجح في إجراء انتخابات حرة وصياغة دستور، مع انفاق مليارات إضافية من الدولارات وخسارة مئات إضافية في الأرواح الأميركية، لكنها لن تكون قادرة على توقع زيادة حجم التعاطف معها من قبل النظام العراقي الجديد. أضف الى ذلك أنّ كل هذا يعتمد على وجود السيستاني المستمر كعامل مساعد, لأنّ موته على سبيل المثال سيخلق حالة و وضعا صعبا جدا. و هذه شروط غير مواتية لبقاء الولايات المتّحدة في العراق,و لا يمكن للولايات المتحدة أن تتوقع مساعدة دولية حقيقية تساعد على ايجاد حكومة عراقية شرعية و منتخبة ديمقراطيا. لقد كتب كيسينجر يقول: "الطريقة الواقعية لايجاد الاستقرار في العراق هي في تدويله و الحصول على الدعم الداخلي الثابت في امريكا" و قال ايضا "ينبغي على الدول الاخرى و باب المصلحة ان يشاركوا على الاقل في مسائل اعادة البناء السياسية و الاقتصادية". نعم ينبغي عليهم و لكنّهم لن يفعلوا,  فباستثناء المملكة المتحدة فإن أي مساعدة هامة، استثمار، أو مساهمات عسكرية في العراق، هي إسهامات غير موجودة.

العالم العربي أيضا، لن يقدم المساعدة للولايات المتحدة بعيدا عن أي جهود أو تنازلات أميركية فيما خص النزاع العربي الإسرائيلي، باستثناء الأردن الذي يساهم بشكل نشط مع الولايات المتحدة الأميركية. فالنجاح الأميركي في العراق يتعارض بقوة مع مصالح الحكومات العربية،لأنّه يعطي الولايات المتّحدة قدرة اكبر على التأثير على المنطقة بحيث يشجع ضغطها مواطني الشرق الأوسط بالمطالبة بالإصلاح والديموقراطية في بلدانهم. وهكذا، بالرغم من أن المسؤولين الأميركيين يواصلون إعلان القوائم الطويلة عن البلدان الداعمة ، لكن الولايات المتحدة ستكون لوحدها دائما  باستثناء الدعم البريطاني  أمام القضايا الكبيرة.

قبل الحرب، كان لدى المسؤولين والضباط العسكريين الأميركيين توقعات غير واقعية حول وجود أميركي واسع النطاق وطويل المدى في العراق. الولايات المتّحدة أخفقت في وضع اطار زمني للانسحاب من العراق. هذه العوامل أدّت إلى زيادة عوامل الشكوك العراقية التي يغذّيها اصلا إثارة القوى الراديكالية المحلية والعربية، و كذلك الاعلام الرسمي العربي الداعم لها. و أصبح المتمردون قادرين على القول بأن العنف ضروري لإجبار الأميركيين على المغادرة.. ومع استمرار الوجود الأميركي في العراق، فإن الولايات المتحدة تزود المتمردين بالحجّة اللازمة لإقناع العراقيين الشيعة الذين سيدركون انّ كلام الارهابيين صحيح حول وجود نوايا عدائية لدى الولايات المتّحدة تجاه الاسلام و انّها تريد تدمير العراق و السيطرة عليه و تدمير الاسلام ايضا. و بربط الخروج الامريكي ايضا بقضية تحقيق الاستقرار و تثبيت الديمقراطية في العراق, فانّ المتمردين سيسطرون على الوضع. اذ انّه باستطاعتهم ان يستمرّوا في استعمال العنف من اجل تخريب الاستقرار و بالتالي دفع القوات الامريكية للبقاء مدّة اطول بناءا على حجّتها تلك, ثمّ يدّعون انّهم يستعملون القوّة من اجل اخراج القوات الامريكية. هل ستكون القوات الامريكية في هذه الحالة ان تغضب النظام ذي الاكثرية الشيعية للدفاع فيما بعد عن حقوق الطائفة السنيّة في حال انتهاكها و التي يمتلك قادتها من السنّة عداءا كبيرا للولايات المتّحدة؟ و اذا ما ارادت الحكومة الجديدة ان تسحق التمرّد بطريقة تتعارض مع المعايير الاخلاقيّة و القانونية الامريكية, فهل ستتدخّل لتوقف ذلك؟

تبني استراتيجية انسحاب أميركي سوف لن يكون ناتج عن حالة جبن أو غباوة, لكنها ستكون الخيار الأفضل من بين مجموعة خيارات غير جذابة. فبدلا من أن يكون التأثير الأميركي على العراق من خلال التواجد العسكري، يمكن للولايات المتحدة أن تتبنى استراتيجية تأثير غير مباشرة, تدعم من خلالها البناء الاقتصادي و السياسي و تهدف إلى قيام علاقة حسنة مع الحكومة الجديدة. فالهدف سيكون انشاء علاقات استراتيجية بالنظام العراقي الجديد أقوى من العلاقة مع مصر ومشابهة للتحالف مع الأردن. و مع انتهاء العام 2005, على الولايات المتّحدة أن تخطّط لانسحاب منسّق مع الحكومة العراقية الجديدة

فالبقاء الطويل في العراق سيجعل الولايات المتّحدة في مواجهة الحكومة العراقية و الأغلبية الشيعية. و الولايات المتّحدة اذا ما بقيت, فانّه سيتم تحميلها مسؤوليى كل نزاع داخلي , و اثم كل خطأ يرتكبه النظام الجديد ايضا. و على امل ان تدفع الانتخابات الشعب العراقي و زعمائه الى الديمقراطية و التعاون  و الوحدة و السلام, فانّه يمكن للولايات المتّحدة بهذه الحالة ان تتعامل مع الحكومة العراقية الجديدة كشريك حقيقي يمكنه تحمّل مسؤولية البلاد. وبغض النظر عن النتيجة، فإن هذا هو الوقت لفهم المسائل، و بدلا من أن تجبر الأزمات الأمريكيين على المغادرة و بالتالي الهزيمة المذلة. ليس هنا خيارات مثالية، هناك خيار واقعي واحد.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ترجمات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر