لبنان رهينة سياسة ابتزاز الأقليّة

كتبهاعلي حسين باكير ، في 15 أيلول 2009 الساعة: 16:14 م

مكان النشر: صحيفة الحياة

تاريخ النشر: 14/9/2009

بقلم: علي حسين باكير

بينما ينتظر اللبنانيون تشكيل حكومتهم العتيدة، يشير الوضع الراهن إلى إمكانية انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة اللبنانية في ظل الشلل المفروض عليها عبر سياسة التهديد والابتزاز والتعطيل التي تمارسها الأقليّة منذ سنوات.

فالحكومة ستدخل شهرها الرابع في وضع تصريف الأعمال في حدّه الأدنى، ومراسيم تعيين الموظفين والتشريعات الهامة المتعلّقة بحياة المواطنين ومعيشتهم معلّقة في الهواء. أمّا البرلمان فقد تحوّل إلى "ديكور" في ظل المطالب العجيبة بتمثيل كل الشرائح اللبنانية في الحكومة التي من المفروض أنها أداة تنفيذية يتطلّب سير عملها تشكيلة منسجمة وفعّالة من الوزراء بقيادة ممثّل الأكثريّة التي أفرزتها الانتخابات النيابية، وليست تجمعا لأقطاب متناحرة ومتناقضة وذات أجندات وتوجهات مختلفة.

أمّا رئيس الجمهورية فيتعرّض لحملة تهديد استباقيّة تنال من هيبته ومكانته، وسيف "التوافق" المزعوم مسلّط على رقبته كي لا يمارس صلاحيّاته في قبول تشكيل حكومة أكثرية أو حكومة أمر واقع باعتبار تصرّفه هذا انحيازا يفقده صفة "التوافقي".

ويشكل هذا الوضع الهش فرصة مثالية لدى العديد من الشرائح السياسية التي تسعى إلى فرض نفسها، باعتباره مناسبة لاستعراض القوّة على التعطيل وشل البلاد كما حصل في فترات سابقة في السنوات القليلة الماضية.

على الصعيد الميداني، لا شك أنّ "حزب الله" وتوابعه لا تزال تسيطر عسكريا وبقوّة السلاح، فان ليس باستخدامه نحو الداخل كما حصل في 7 أيار، فبالثقل الذي يمثله والهيبة التي يفرضها والمربّعات الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لحدود دويلته التي يقيمها على حساب الدولة اللبنانية، ما يلغي مفاعيل أي أكثريّة تحكم عبر الشرعيّة الرسمية ومؤسسات الدولة.

وبالرغم من أنّ الجميع اعترف بمفاعيل الانتخابات الأخيرة وما أسفرت عنه، إلاّ أننا لاحظنا فيما بعد كيف تمّ التنصّل من هذا الاعتراف وتفريغه من مضمونه. فبعد الحديث عن أكثرية وهمية قبل الانتخابات، انتقلنا إلى الحديث الديماغوجي عن أنّ الأكثرية النيابية هي أقلّية شعبية، وهو منطق جدلي تضليلي يخفي وراءه رفض الواقع والاعتراف به. فهناك محاولات مستميتة من قبل الأقلية للسيطرة على ما تبقى من المؤسسات الرسميّة اللبنانية واخذ الدولة برمتها رهينة، خاصة بعدما خسر "حزب الله" دوره كرافعة إيرانية-سورية عبر فقدانه دوره وموقعه على الحدود مع إسرائيل نتيجة لتداعيات حرب تموز 2006.

لذلك أصبح البديل عند "حزب الله"، الإطباق على الداخل اللبناني واستعمال الوضع السياسي فيه كرافعة، وورقة للمساومات الإقليمية والدولية لصالح إيران وسوريا. وهنا بالتحديد يأتي دور زعيم "التيار الوطني الحر" "ميشال عون" الذي يشارك مع المعارضة في لعبة توزيع الأدوار المتقنة. فـ"حزب الله" ولكي لا يصطدم بمنطق الصراع السني-الشيعي الذي أفقده الكثير من رصيده المحلي والإقليمي لاسيما بعد اعتداءاته في 7 أيار، يكلّف العماد عون أو لنقل يدعمه ليقوم بالمهمّات الغير نظيفة عنه.

فـ"حزب الله" يدعم "عون" في هجومه على منصب رئاسة الوزراء في محاولة منه لسلبه الصلاحيات الممنوحة له بعد الطائف وتحويلها لرئاسة الجمهورية، ليس تقوية لمنصب الرئاسة وإنما تمهيدا لاستحواذه عليه، بدليل أن عون يمارس بنفسه دورا كبير في تقويض صلاحيات رئيس الجمهورية عبر تعطيل انتخابه في المرحلة السابقة أولا، وعبر العمل على حرمانه من الحصول على كتلة نيابية في الانتخابات الأخيرة ثانيا، وعبر المطالبة بالوزارات السيادية المحسوية عليه ثالثا.

وإذا كان من المفهوم أن يتبنى "حزب الله" هجوم "عون" على موقع رئاستي الحكومة والجمهورية لأنه يضرب اتفاق الطائف وهو الهدف الخفي الذي يسعى إليه "حزب الله" عبر ممارساته منذ سنوات، ولان "حزب الله" أيضا لن يخسر شيئا من "كيسه" كما يقال في ظل حقيقة انه يسيطر على ارض الواقع عمليا فيما يمتلك شريكه الشيعي الثاني ممثل "حركة أمل" "نبيه بري" مفاتيح مملكة البرلمان اللبناني، إلاّ انّه ليس من المفهوم تبني "حزب الله" لمطالب "عون" في تشكيل الحكومة الحالية، ولا يوجد تفسير لذلك سوى انّه يريد الإطباق على الدولة اللبنانية بأسرها.

فوزارة الداخلية التي طالب بها "عون"، وعلى الرغم من محدودية مواردها وكوادرها، أدّت دورا ممتازا في المرحلة السابقة لأنها كانت غير خاضعة للأقلية، ويراد السيطرة عليها الآن لتعطيل هذا الدور وتجييره والاستفادة منها في الانتخابات البلدية القادمة.

أمّا وزارة الاتصالات فقد كانت المفتاح الذي أوصل إلى الكشف عن العديد من الجرائم والتفجيرات التي حصلت، وهي بهذا المعنى تصبح وزارة أمنيّة بامتياز، ومن المعروف كم العراقيل الكبيرة التي وضعها "جبران باسيل" صهر "عون" في وجه السلطات الرسمية لعدم الاستفادة منها امنيا بحجج مختلفة.

وإذا ما أضفنا هاتين الوزارتين إلى وزارة الخارجية التي هي من حصّة الأقليّة، فماذا يبقى للأكثريّة في هذه الحالة؟ ومن يتحكّم بالدولة اللبنانية ومؤسساتها؟

ويبدو أنّ هذا التصرف يتناغم مع توجهات خارجية ليس من مصلحتها قيام حكومة لبنانية بالمطلق، أو أن تكون غير فعالة في حال قيامها. وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن دور سوريا وإيران في عملية تعطيل تأليف الحكومة.

فالعلاقات السورية-الأمريكية وبعد أن شهدت انفراجا جزئيا في مرحلة سابقا، عادت وتدهورت مؤخرا لا سيما في ظل المعلومات القائلة بعدم حصول صفقة على حساب إلغاء مفاعيل المحكمة الدولية، وهو الأمر الذي يدفع سوريا إلى إعادة اللعب بورقة لبنان من جديد. وعدم تشكيل حكومة أو تشكيلها رضوخا لسياسة الابتزاز ووفقا لمطالب الأقليّة المتحالفة معها يعد شكلا من أشكال التعبير عن مدى قوّتها في الساحة اللبنانية. ولعل تفجيرات بغداد الأخيرة واتّهام بغداد لدمشق بالقيام بها مؤشّر واضح على عودة السياسة السورية إلى ورقة التلاعب بالساحة الداخلية للدول العربية.

إيران من جهتها تسعى إلى ردّ اعتبارها بعد خسارتها المهينة التي تلقّتها اثر سقوط حلفائها في الانتخابات التي حصلت في لبنان، ويبدو أنّ الفرصة مناسبة لها في هذا المقام لـ"ضرب عصفورين بحجر واحد"، فعرقلة تشكيل الحكومة يعني استرجاع جزء من قدرتها عبر حرمان الأكثرية من ممارسة دورها وبالتالي تفريغ الانتصار الانتخابي من معناه. أمّا تشكيل الحكومة وفقا لمطالب الأقليّة فيعني الإطباق على الواقع السياسي والميداني للدولة اللبنانية وبالتالي فورقة لبنان أصبحت جاهزة في خدمة الأجندة الإيرانية في المواجهة أو المساومة المرتقبة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر