معالم النهج الأمريكي الجديد في أفغانستان
كتبهاعلي حسين باكير ، في 29 أيار 2009 الساعة: 08:55 ص
مكان النشر: مجلة البيان
تاريخ النشر: عدد أيار 2009
بقلم: علي حسين باكير

في آخر شهادة له أمام لجنتَي الخدمات المسلَّحة لمجلسَي الشيوخ والنواب، في شهر كانون الأول/يناير الماضي؛ لخّص وزير الدفاع الأمريكي «روبرت غيتس» موقع أفغانستان في لائحة المهام الحيوية والإستراتيجية للإدارة الأمريكية الجديدة، وذلك بقوله: «إن أفغانستان هي أعظم تحدياتنا العسكرية حالياًً، والرئيس (أوباما) أعلن بوضوح أنّ المسرح الأفغاني يجب أن يكون على رأس أولوياتنا العسكرية عبر البحار».
ويأتي هذا الكلام في إطار الصورة الكليّة للوضع الأفغاني المتدهور لغير صالح قوات الناتو وأمريكا والحكومة الأفغانية؛ إذ تبدو (كابل) معزولة عن باقي الأقاليم، وتعاني الطبقة الحاكمة التي أتى بها الاحتلال الفسادَ المستشري فيها، ولا تتمتع بالكفاءة اللازمة لإدارة البلاد، ومعظم الطبقة السياسية فاشلة وتركِّز على المصالح الشخصية وعلى نطاقها القبلي الضيّق، وهو ما جعل الموقف الأمريكي والتحالف الدولي في غاية الإحراج أمام إستراتيجية طالبان التي تتقدَّم منذ مدة طويلة ببطء لكن بثبات؛ لاستعادة السيطرة على أفغانستان.
ولم تسعف القوّة العسكرية الأمريكية على الأرض المخطط الاستراتيجي لإزاحة طالبان عن المشهد الأفغاني، بل عزّزت الضربات الجويّة التي تقوم بها قوات التحالف - والتي تعدُّ الوسيلة الوحيدة حالياً في ظل التخوف من العمليات البرية حيث تميل الكفّة لصالح طالبان - نقمة المدنيين الأفغان وحصَّنت وضع الحركة داخلياً وحسَّنته.
وأمام هذا الواقع كان لا بد للولايات المتّحدة من أن تنتهج أحد الخيارات المتاحة أمامها في هذه المرحلة بالذات بعد اعتلاء الرئيس (أوباما) سدَّة الرئاسة هناك واتّخاذه عدداً من الإجراءات التي من شأنها أن تحدث تحوّلاً في سياسة أمريكا الخارجية والذي يحمل مؤشرات على أنّ أفغانستان ستكون الوحيدة التي تدفع ثمن هذه التحوّلات؛ في وقت يُفتح فيه باب الحوار مع القوى الكبرى، مثل: روسيا والصين، وباب البازار مع تجَّار المنطقة من إيران إلى سورية.
الخيارات الثلاثة
حيال الوضع في أفغانستان:
يجري الآن التباحث في ثلاثة خيارات رئيسية في واشنطن حول الوضع في أفغانستان والطريقة التي يجب من خلالها مواجهة صعود طالبان، وتراجع موقع قوات التحالف الدولي وسلطة (كرزاي) في ظل الخوف الأمريكي من ضياع كل المجهود السابق منذ العام 2001م وحتى اليوم.
• • •
وتتمحور هذه الخيارات
الرئيسية الثلاثة حول:
1- زيادة عدد وعتاد القوات العسكرية لدول التحالف والأمريكية منها خصوصاً، على أن يتم مواكبة ذلك بزيادة قوات الحكومة الأفغانية والجيش الأفغاني.
2- الخيار القبلي.
3- خيار التفاوض مع طالبان.
وبملاحظة أولية على الخيارات المطروحة نستطيع أن نلاحظ أنّه قد تمَّ فعلاً تطبيق الخيارين الأول والثاني في العراق، وقد نجح ذلك للأسف إلى جانب عوامل كثيرة في إضعاف المقاومة العراقية مع استغلالية القوى الأخرى لا سيما الإيرانية التي كان لها أكبر أثر في تحويل مسار المقاومة العراقية وتشتيت جهودها وانكفائها بعد مجازر التصفية والتطهير الطائفية التي قام بها أتباع إيران والجماعات الموالية لها في العراق؛ لتجلس في النهاية على طاولة الحوار مع الأمريكيين للاتفاق على اقتسام الكعكة العراقية والقضاء على المقاومة، بينما كانت الأخيرة مشغولة بمواجهة المحتل.
أمّا الخيار الثالث فيُعدُّ طرحاً جديداً، وحاولت الإدارة الأمريكية من قبل تسريب خبر حوله لتفجير (بالون اختبار) يتبين من خلاله مدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية والمحلية لتقبُّله.
وفي تقييم أولي للخيارات الثلاثة على طاولة البحث الأمريكية تبرز الملاحظات التالية:
فيما يخص الخيار الأول: ليس هناك إجماع بين التحالف الدولي على زيادة عدد القوات العسكرية على الأرض في أفغانستان لا سيما من قِبَل فرنسا وألمانيا وكندا؛ نظراً للخطر الحقيقي الذي ستتعرض له هذه القوات في ظل تطور قدرات طالبان العسكرية بشكل فعّال وحاسم. أمّا الجيش الأمريكي فهو مرهق وغير قادر أيضاً على تلبية نقص العدد مباشرة دون التخلُّص من تبعات العراق أولاً. أمّا الحديث عن زيادة حجم الجيش الأفغاني في مواجهة طالبان؛ فيعتقد أنّ هذا الخيار يحتاج إلى وقت طويل، ويلزمه تطوير قدرات الجيش القتالية وتدريبه وتحديثه خاصّة أنه غير قادر على الصمود في ظروفه الحالية في مواجهة قوات طالبان خارج حدود (كابل)، وقد أثبتت إستراتيجية طالبان العسكرية فعاليتها؛ ليس فقط في مواجهة الجيش الأفغاني وإنما في استنزاف قوات التحالف ووضعها في موقف دفاعي انعزالــي لا يتلاءم مع المهمة المنوطة بها، والمرسلة من أجلها.
وفيما يتعلّق بالخيار الثاني: يبدو الوضع القبلي أكثر تعقيداً من العراق، وقد لا ينجح الخيار العراقي القبلي الذي نجح في تشكيل كتل قبلية مضادة لبعض فئات المقاومة العراقية؛ في تطبيقه على الواقع الأفغاني هنا؛ بسبب أغلبية طالبان البشتونية من جهة، وضعف القيادة القبلية لدى الفئات الأخرى من جهة ثانية. كما أنه من غير الواضح كيف يمكن توظيف العامل القبلي في خطَّة أكبر لتقويض سلطة طالبان العسكرية ونفوذها الشعبي في أماكن تركُّزها!
أمّا الخيار الثالث: فهو يعتمد على المثل القائل: «إذا لم تستطع هزيمته فتفاوض معه» كما يجادل الأوروبيون دائماً. والحقيقة أنّ هذا الخيار ينطوي على احتمالات متعددة انطلاقاً من الهدف المنشود من المفاوضات في ذهن كل طرف. فعلى سبيل المثال: من الممكن استخدام المفاوضات للمناورة والعمل على خلخلة صفوف طالبان من الداخل؛ كأن يتم مكافأة من يقوم بالانفصال أو ترك السلاح والانخراط السياسي. وفي حين لم تظهر بوادر الموقف الطالباني إزاء هذا الخيار باستثمار التأكيد على أنّ أي مفاوضات سيكون هدفها انسحاب قوات الناتو من أفغانستان؛ يجب أن لا نصوّر المفاوضات مع أمريكا على أنها شيطان، بل قد يكون هذا الخيار بوّابة لتحقيق المطالب التي يعمل المقاتلون على تحقيقها بالسلاح على أرض المعركة في قلب أفغانستان، أو قد تكون في أقلّه رديفاً للعمل العسكري الضاغط على قوات التحالف وظهيراً له، كما أنّ من إيجابيات هذا الخيار في حال تطبيقه وَفْق المبدأ القائم على انسحاب قوات التحالف في نهاية الأمر:
1 - أنه يحفظ ثمار العمل المقاوم ويحول دون تحوّلها إلى جهات خارجية كما يحصل عادة مع كثير من الحركات الإسلامية عبر التاريخ، حيث تقوم هي بالعمل المقاوم وتبذل الغالي والنفيس، ونرى أنّ نتائــج هــذا العمــل تحصده دول أو جماعات أخرى، كما حصدت إيران ثمار العمل في العراق.
2 - يبعثر أوراق التحالف الغربي وينقل المعركة إلى صفوفه بين من يفضِّل التفاوض ومن يفضِّل الخيار العسكري وزيادة القوات. ومن المهم جداً دائماً أن لا يتم حشر العدو في زاوية محددة، وإنما الذكاء يكمن في ترك ثغرة له تؤدي في النهاية إلى الطريق الذي نريد له أن يمر به وَفْق رؤيتنا. بمعنى آخر: إلغاء هذا الخيار يعني أنّه سيكون بالفعل على قوات الناتو زيادة عدد القوات في النهاية بوصف ذلك خياراً نهائياً، وهذا ما لا نريده ولا يريده أي عاقل.
وفي جولة على مواقف الأطراف الإقليمية والدولية من هذا الخيار نلاحظ أنّ الأوربيين يعكسون موقفاً إيجابياً منه؛ خاصة بعدما أبدت فرنسا وبريطانيا دعمهما لفتح أمريكا حواراً مع طالبان، بينما تبدو إيران أكثر المنزعجين منه؛ لأنه في حال حصوله ونجاحه فهذا يعني خروجها من إطار اللعبة، إذ تحرص إيران على أن تساوم على أرواح الأفغان للحصول على مكاسب قومية خاصة بها تتعلق بموقعها في المنطقة ونفوذها الإقليمي بحيث تتحول أفغانستان إلى مجرد ورقة على طاولة البحث والتفاوض مع أمريكا في محاولة لتكرار المشهد العراقي، بحيث يؤدي التفاهم إلى تحالف أمريكي - إيراني للقضاء على المقاومة الأفغانية، بينما تحصل إيران على المكافأة تكريساً لنفوذها أو غضَّاً للنظر عن برامجها العسكرية أو إطلاق يدها في أفغانستان والمحيط الجيو - استراتيجي لها؛ خاصّة أنها تعوّل على سياسة الرئيس الأمريكي الجديد (باراك أوباما) التي تعتمد على الحوار والمصالح المشتركة، وتأمل أن يكون ذلك الطريق الذي يوصلها إلى تحقيق أهدافها.
والجدير بالذكر أنّ الموقف الإيراني جاء علنياً هذه المرة وليس في الكواليس كما هو دأبها في العادة، وهو ما يعكس استياء كبيراً وخوفاً شديداً من احتمال حصوله؛ لذلك فهي أعلنت صراحة في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام في 2008/10/20م «معارضتها لمبادرات إجراء حوار مع حركة طالبان الأفغانية، موضحة أن الحوار مع طالبان قد يؤدي إلى نتائج عكسية!». وقال وزير الخارجية الإيراني «منوشهر متقي» في تصريح له قبل ذلك بيوم: «نحن ننصحهم (أي: الأمريكيين) بالتفكير في عواقب المحادثات (مع طالبان) التي تجري في المنطقة وفي أوروبا، وألا يُلدَغوا من الجحر نفسه مرتين».
وهو ما يدفعنا بطبيعة الحال إلى دراسة الوضع الإقليمي والدولي دراسة جيّدة، قبل التفكير في الخيارات الممكنة، حيث يتوجب على المقاومة الأفغانية استغلال نقاط الضعف لدى الأطراف المواجهة لها والعمل على استثمارها، على أن يضمن ذلك لها تحقيق الحد الأدنى من المطالب ولو كان وَفْق اتفاق، حتى لا تضيع الجهود وتصب في إناء آخر لا سيما مع الاحتراز الدائم من التقاء مصالح الغرب وإيران على حساب الآخر وهو ما شاهدناه وما زلنا نشاهده منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أمريكا, استراتيجيا | السمات:أفغانستان، الاستراتيجية الجديدة، اوباما، أمريكا، الناتو، ايران، طالبان، كابل، تحالف أمريكي ايراني، صفقة، ر
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























