2009 عام الحسم في البرنامج النووي الإيراني
كتبهاعلي حسين باكير ، في 18 آذار 2009 الساعة: 19:14 م
مكان النشر: مركز الخليج للأبحاث- مجلة آراء حول الخليج
تاريخ النشر: عدد آذار 2009
بقلم: علي حسين باكير

يشكّل العام 2009 مرحلة مفصلية في مشوار البرنامج النووي الإيراني الذي ما لبث يتطور على وقع إستراتيجية "المفاوضات لاستغلال الوقت" الإيرانية، حيث تحوّلت المفاوضات من وسيلة لإيجاد مخرج للأزمة النووية إلى غاية يتم الاستفادة منها لإطالة أمد الأزمة قدر المستطاع إلى حين انجاز ما يمكن انجازه لتخطّي عتبة "اللاعودة النووية".
العام 2009 سيكون عاما مختلفا مع تسلّم الرئيس باراك أوباما سدّة الحكم في الولايات المتّحدة الأمريكية، والبرنامج النووي الإيراني سيدخل مرحلة الحسم إن كان باتجاه التوصّل إلى تسوية شاملة أو ما يعرف "بالصفقة الكبرى" أو باتجاه المواجهة الشاملة والحسم العسكري.
ولا شك انّ بداية هذه الفترة ستكون فرصة لاستكشاف الوضع وإعادة تقييمه لاسيما من قبل الجانب الأمريكي الذي يدخل بذهنية جديدة وسياسة جديدة تهدف إلى التواصل الوثيق مع جميع الحلفاء والأصدقاء، للتوصل إلى نهج جماعي يكون أكثر فعالية وتأثير سواءا في الخيار الأول أو الخيار الثاني، ويضع حدّا لعملية تضييع الوقت التي تقودها إيران، في تعبير يقول "انّ يدنا ممدودة للتوصل إلى حل"، لكنّ المشكلة ستكون كبيرة إن فهمت إيران الرسالة بشكل خاطئ على أنها تعبير عن ضعف الموقف الأمريكي مما سينهي إمكانية التوصل إلى اتّفاق وسنشرع في خيار المواجهة العسكرية الحقيقية.
معطيات الموقف الحالي من وجهة النظر الأمريكية
ويتحرك الأمريكيون في هذه المرحلة الآن وفق منطق يقوم على 3 معطيات رئيسية، تحدد إطار الحقبة المنتهية من إدارة بوش وتعدّ تقييما للتحركات التي حصلت خلال تلك الفترة، وهي:
1- ليس هناك من إمكانية واقعية من أن تؤدي ضغوط الولايات المتّحدة الأمريكية بشكلها السابق لوحدها إلى تخلّي القيادة الإيرانية عن تعليق تخصيب اليورانيوم لاختلاف وتضارب المصالح بين القوى الكبرى ولاسيما روسيا والصين من جهة وأوروبا وأمريكا من جهة ثانية، بل وحتى أوروبا وأمريكا نفسها من جهة ثالثة في العديد من المراحل. ولأن القيادة الإيرانية لا تشعر بأنّ العقوبات مؤلمة كفاية لكي يتم التخلي عن الطموح النووي، خاصّة انّ الكثير من العقوبات كان بالإمكان الالتفاف عليها بسهولة نسبية.
2- التركيز على الضربات العسكرية قبل حشر إيران في الزاوية ستؤدي إلى تأجيل أو تأخير البرنامج النووي الإيراني في أحسن الأحوال، ومن المرجّح أن يزيد من عزيمة الإيرانيين في الحصول على أسلحة نووية بدلا من التخلي عن هذه الفكرة، لذلك فلا بد من وضع الكرة في الملعب الإيراني أولا وبشكل صريح وواضح بانتظار الاستماع على الرد الإيراني الذي قد يكون مدخلا لحل الأزمة او مدخلا لشرعة العمل العسكري ضدّها في حال رفضها.
3- إنّ استنزاف المرحلة السابقة من دون ملامح واضحة لإمكانية تقديم طرح متكامل بموافقة واشتراك جميع القوى الكبرى من حلفاء وأصدقاء الولايات المتّحدة في العالم والمنطقة، جعل الأمور ضبابية وقد صبّ ذلك في نهاية المطاف في المصلحة الإيرانية لناحية تضييع الوقت في مفاوضات ذات دائرة مفرغة. لذلك، فان تقديم مبادرة ديبلوماسية مع اقتراح متكامل بالتعاون مع أصدقاء وحلفاء الولايات المتّحدة إلى إيران، سيساعد على تحسين وضع ودور الولايات المتّحدة وإعطائه مصداقية دولية، ويؤدي في نفس الوقت إلى رفع أسهم إمكانية التوصل إلى اتفاق وحل في الموضوع النووي. واعتمادا على رد إيران، قد يؤدي الاتفاق إلى خدمة مصالح أمريكا على أكثر من صعيد أو الدخول في مواجهة كما في البنود السابقة أعلاه.
الإستراتيجية الأمريكية في المرحلة المقبلة
لا شك أنّ بداية العام 2009 سيتم استغراقها بنقاشات حول السياسة المتّبعة تجاه إيران إضافة إلى استشارة الحلفاء والأصدقاء، والتحضير للمفاوضات المرتقبة، ليتم تقديم عرض أولي في أسرع وقت ممكن، علما انّ الانتخابات الإيرانية التي ستتم في منتصف العام قد تشغل الأوساط المحلية في الداخل الإيراني وبالتالي سيكون التعامل مع الملف النووي بطيئا.
وتهدف الإستراتيجية الأمريكية للمرحلة المقبلة إلى تغيير طبيعة اللعبة مع إيران لكي تكون الولايات المتّحدة والمجتمع الدولي في موقع أفضل يتيح لها النجاح في مساعيها، وهو ما يتطلب نقل الكرة أكثر فأكثر إلى الملعب الإيراني لنقل الضغط إليه ودفعها إلى الخيارات الحقيقية والصعبة. ولهذا نستطيع أن نلاحظ انّ هناك سحب للتهديد العلني باستخدام القوّة العسكرية ضدّ إيران على المدى القريب، وذلك لصالح إعطاء الأولوية للتأكد من وضع البرنامج النووي الإيراني، والتفاوض المباشر مع إيران على عدد من المواضيع، بالتزامن مع تحضير الولايات المتّحدة لعرض يؤدي إلى دعم المصداقية الأمريكية أمام المجتمع الدولي والشعبي العالمي بما فيه الشعب الإيراني وذلك بالتعاون وباستشارة حلفاء أمريكا وأصدقائها.
مضمون الإستراتيجية المرتقبة يقوم كما يبدو على دفع إيران إلى طاولة الصفقات بدون شروط مسبقة، بحيث يتم صياغة الاقتراحات لتكون واضحة محددة وشفافة وعقلانية، بحيث انّه إذا قامت إيران برفضها، سيكون عليها تحمّل تبعات ذلك بشكل وضاح، حيث سيعي المجتمع الدولي والجمهور العالمي والشرق أوسطي بما فيه الجمهور الإيراني والشعب الإيراني أنّ إيران لا تريد التوصل إلى حلول وأنها مخطئة وستتحمل نتائج خطئها. كما تقوم هذه الإستراتيجية على إخراج إيران من الصورة النمطية "لمحور الشر" وتعتمد على وضع الرئيس الأمريكي الجديد للعلاقات الأمريكية-الإيرانية على سكّة جديدة مختلفة كليّا عن السابق. وباستطاعة الولايات المتّحدة استئناف المفاوضات مع إيران على أكثر من صعيد وعبر مجموعة الخمسة زائد واحد أو بشكل ثنائي اعتمادا على التحضيرات المتّبعة والمقترحة مع أصدقاء أمريكا وحلفائها.
نقاط الضعف الإيرانية
ولا شك انّ الولايات المتّحدة تأخذ بعين الاعتبار وجود نقاط ضعف مستجدة في الواقع الإيراني وفي طليعتها الوضع النفطي للبلاد والاقتصاد الكليّ.
1- إذ انّ الاستهلاك المحلي يتصاعد بشكل كبير جدا مقابل انخفاض حاد في معدّلات إنتاج النفط سنويا بسبب انعدام القدرة الذاتية والاستثمارات اللازمة والتكنولوجيا الغربية والأمريكية تحديدا لرفع معدّلات الإنتاج. وإذا ما علمنا انّ النفط يشكّل أكثر من 85% من مجموع الصادرات الإيرانية وانّ العائدات الناجمة عن تصديره تشكّل أكثر من نصف العوائد الحكومية، فهذا يعني انّ النفط موازي في أهميته للنووي الإيراني أن لم يكن أكثر منه، لأنه يؤثّر على يحافظ على بقاء النظام الحاكم هناك.
2- كما انّ الوضع الاقتصادي متدهور وليس هناك من عقود لتطوير صناعة النفط والغاز وهناك حصار مالي فرضته عقوبات الأمم المتحدة على الرغم من 10% تقريبا من التأثير هو نتيجة العقوبات المفروضة امّا باقي النسبة فهي بسبب الخوف من نفوذ الولايات المتّحدة حيث تفضّل الشركات الكبرى الأوروبية والعالمية عدم الانخراط في علاقات اقتصادية مع إيران، وان حصل ذلك فهو يتم بطريقة غير مباشرة وبأساليب ملتوية.
وهذه معطيات لم تكون موجودة بشكل مؤثر في الفترة السابقة، وهذا يعني انّ الإيرانيين يعانون من ثغرات قوية في موقفهم التفاوضي مثلما كان الوضع الأمريكي سابقا.
آلية الانخراط الأمريكي مع إيران
تُبدي العديد من الجهات المختصّة في الولايات المتّحدة حاليا اهتماما بإمكانية الاشتراك في مفاوضات مع إيران من دون شروط لكن مع ممارسة ضغط قوي وكبير، بمعنى أن تكون المفاوضات هذه مقرونة بضغوط قوية جدا حتى لا تصل الرسالة مغلوطة إلى إيران فتعتقد انّ الانخراط معها في مفاوضات من غير شروط هو علامة ضعف أو خضوع لابتزازها.
عرض السفير "دينيس روس" لهذه الآلية وهذه الرؤية ضمن الشهادة الرسمية التي قام بالإدلاء بها أمام لجنة العلاقات الخارجية والأمن في الكونغرس الأمريكي في نيسان من العام 2008 والتي ضمنّها 3 خيارات رئيسية للتعامل مع إيران كان إحداها "الانخراط في مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة ولكن مع تشديد العقوبات". وفي هذه الحالة، ليس على إيران على سبيل المثال أن توقف تخصيب اليورانيوم أولا، فالهدف ليس إيقاف تخصيب اليورانيوم، وإنما تقديم بوابة لإيران للخروج منها بشكل مشرّف على اعتبار انّ البرنامج النووي سيكون له تكاليف حقيقية موجعة لإيران وبالتالي فالتسوية ستكون أفضل وتأتي بنتائج ايجابية.
ويهدف هذا الخيار للوصول إلى عقول القادة الإيرانيين وينهي الصورة القائمة من انّ هناك ثمنا للحديث مع الولايات المتّحدة الأمريكية من دون أن يتم اللجوء إلى إذلال الإيرانيين. ومن الممكن لأمريكا إذا ما أرادت اعتماد هذا الخيار دون الظهور بمظهر الخاضع للابتزاز الإيراني أن يتم بشكل غير مباشر عبر إعلانها الانضمام إلى المفاوضات الأوروبية- الإيرانية وبالتالي وحتى لا يعتقد الإيرانيون أنهم حققوا نصرا، على الولايات المتّحدة أن تحصل على الثمن من الأوروبيين وليس الإيرانيين، بمعنى أن يلتزموا بتشديد العقوبات بشكل كبير وصارم على إيران ماليا واقتصاديا وتكنولوجيا واستثماريا أو على الأقل فيما يخص قطاع الطاقة الإيراني، وعندها يتم الإعلان عن اشتراك أمريكا في المفاوضات بين أوروبا وإيران لكن بعد أن يتم تبني العقوبات الجماعية من قبل الأوروبيين، وقد يتم مكافأة الروس والصينيين أيضا على نهجهم.
الاستعداد لاحتمالات الرد السلبي
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ماذا ان فشلت المساعي السلمية والديبلوماسية في إقناع إيران عن التخلي عن طموحها النووي والسعي للسلاح النووي؟ ماذا ان كانت إيران ترى انّ السلاح النووي أكثر فعالية في ضمان أمن النظام الإيراني والرادع الأكثر فعالية والذي لا يمكن مقايضته بصفقة مهما بلغت أهميتها؟
الحسابات تقول، انّ على الولايات المتّحدة أن تتحضّر لكل السيناريوهات الممكنة من القبول الإيراني إلى الرفض مرورا بالردود المبهمة أو الغامضة أو التي تعتمد المماطلة. ولذلك فان وضع برنامج زمني لأي مفاوضات قادمة يعتبر الحجر الأساس في التحضير لسيناريوهات ما بعد المفاوضات، وقد تختار إيران المضي في المفاوضات النووية من جهة والتعاون في أمور أخرى مع الولايات المتّحدة الأمريكية كالعراق وأفغانستان والقاعدة من جهة أخرى للحصول على مكاسب جزئية، وقد تفضّل السلّة المتكاملة او الصفقة ا لكبرى، وقد لا ترضى بكل ذلك، وهو ما يفرض على الولايات المتّحدة التحضّر لكل الاحتمالات ومنها الخيار العسكري كآخر الخيارات الممكنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : استراتيجيا, ايران | السمات:ايران، أمريكا، البرنامج النووي، 2009، مفاوضات، اوباما، أوروبا،الاقتصاد
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مايو 6th, 2009 at 6 مايو 2009 10:31 م
لقد بثت الجزيرة خلال هذا الشهر فيلم وثائقي عن ” ايران والغرب ” والفيلم تضمن معلومات مهمة للغاية عن الدور الايراني في مساعدة امريكا وحلفائها في غزو واحتلال افغانستان والعراق ، وعن مسار العلاقات بين ايران والغرب .
يا ليت تكتب تحليل حول ما ورد في الفيلم الوثائقي .