جهابذة الكتّاب في اغتيال الجميّل… و بائع البطاطا

كتبهاعلي حسين باكير ، في 23 تشرين الثاني 2006 الساعة: 23:34 م

جهابذة الكتّاب في اغتيال الجميّل… و بائع البطاطا

 

بقلم: علي حسين باكير

 

و يتساءلون لماذا التخلّف يلفّنا من جميع الجهات, و لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من الانحطاط السياسي و الثقافي و الاجتماعي و السياسي و العسكري!!

 الجواب بكل بساطة هو أنّه عندما ينعدم الفرق بين العام و الخاص و بين الجاهل و المتعلّم و بين الصادق و الكاذب و بين المحلل و المتفلسف و بين المسؤول و "الرويبضة", لا بد و ان نصل الى ما وصلنا اليه نحن اليوم في العالم العربي و الإسلامي.

لم يكد يمضي بضع "سويعات" على الحدث فيما يتعلّق باغتيال الوزير "بيار الجميّل" حتى فاجأنا حشد كبير من الكتّاب و المحللين أصحاب الهمم العالية و الرؤية النافذة و البصيرة الما-ورائيّة و الأهم من ذلك من أصحاب الاكتشاف الهائل من أنّ الموساد الإسرائيلي وراء العملية و السي أي ايه الأمريكية.

نعم المخابرات الاسرائيلية وراء العملية. هم لم يطرحوا الأمر كفرضية!! خلاص كان أمرا مقضيّا!! كن فيكون, هي اسرائيل و أمريكا من غيرهما؟. لم يدعوا مثلا مجالا للشك او للتحليل او لدعم مثلا رأيهم او وجهة نظرهم ببعض الخيوط و المؤشرات او الدلائل. ابدا, كيف ذلك و هم الخبراء في التحليل و علم الجريمة و التعقيدات السياسية في لبنان.

صحيح انّ كل الاحتمالات واردة في بلد مخترق من أعلاه الى اسفله و من يمينه الى شماله و بحره الى برّه كلبنان و هو ما يعطي الأفضلية لفريق الموساد في التخريب و الذي لا نعفيه و غيره, و لكن ما هكذا تناقش الفرضيات و ما هكذا يتناولها المحلّل و الكاتب, و الاّ فلا فرق حينها بين بائع البطاطا و بين المحلّل (ملاحظة مهمة: قد يكون العديد من بائعي البطاطة اشرف من مليون كاتب و لكن حديثنا ليس عن الشرف هنا) الذي من واجبه توعية الناس و اشراكهم فيما يجري من تطورات سياسية حوله و إيصال الرسالة لهم بأقل قدر ممكن من التعقيد.

 

نناقش فرضيات و اطروحات هؤلاء "الجهابذة" و سنحاول اعطاء مثال تحليلي عن عملية اغتيال بيار الجميّل:

 

الفرضية الاولى: الموساد الاسرائيلي

اصحاب هذه النظرية يعتبرون انّ الموساد مسؤول عن جميع الاغتيالات التي تجري في لبنان و التفجيرات و عدم الاستقرار و من بينها العملية الأخيرة بدليل انّ العملية اضرّت المعارضة التي كانت تنوي النزول الى الشارع و اسقاط الحكومة و اذا بالموازين تنقلب. (طبعا الجهابذة من الكتّاب لم يحلّلوا الأمر هكذا بل قالوا الموساد و بعدها نقطة, و لكن انا اشرح لكم).

طيب جميل جدا هذا الطرح و لكن عليه تساؤلات, الاّ اذا كنتم تريدون طبعا ان نعفي عقلنا من التفكير أبعد من ذلك لأنّ هذا الجواب يرضينا و يريح عقلنا و جيبنا و يؤمّن لنا انسياق عدد كبير من الجهلة للتصفيق.

هذا الطرح كان من الممكن له ان يستقيم فيما لو كان الموساد قد اغتال عددا محدودا من هذه الشخصيات, يعني مسؤول او اثنين, لكن ان يقوم الموساد بـ 14 عملية قتل لما يعتبرهم بشار الأسد و حلفائه في لبنان من حزب الله و غيرهم "عملاء لاسرائيل و أمريكا" فهذا يطرح علامة استفهام كبيرة حول من هو العميل؟. و طالما انّ الموساد واصل لهذه الدرجة و يريد خلق فتنة, لماذا مثلا لا يقوم بقتل و اغتيال أي من الأطراف الأخرى من جماعة سورية و حلفائها في لبنان؟ لماذ كل الذين يموتون هم من المعارضين لسوريا؟ سيقول البعض انّ الهدف من هذه الطريقة هو ان تذهب الاتهامات في اتّجاه سوريا, لكن الجواب على هذا الطرح يكون و هل سوريا نأت بنفسها عن هذه التهمة كي نقول انّ الموساد يحاول توريطها؟!! سوريا ليل نهار تتّهم هؤلاء بالعمالة لاسرائيل و قبل يوم من عملية الاغتيال كان السيد حسن نصرالله يحرّض الناس على الحكومة التي يعتبر الوزير فردا منها و يخوّنها, و قيام اسرائيل باغتيالهم الواحد تلو الآخر -حسب نظرية الطرح اعلاه- يعني انّ هناك تلاقي بين سوريا و حلفائها في لبنان و بين الموساد على التخلّص من هؤلاء!! و يقوم الموساد بترك من يصرّح انه يريد اغتيالهم و يغتال حلفائه بدلا عنهم.

ههمم هل هذا معقول مثلا؟ الله اعلم.

 

الفرضية الثانية الولايات المتّحدة أو أطراف خارجية

طبعا الأخوة الكتّاب من النوع الذي وضّحناه جيدا في المقدّمة لم يكلّفوا أنفسهم و يشرحوا لنا كيف انّ المخابرات الأمريكية هي التي تقوم بهذه العمليات, على الأقل مداراة لمستوى فهمنا المنخفض و لعدم قدرة عقلنا على الاستيعاب مقارنة بقدراتهم العقلية الفائقة. السي أي ايه هو الفاعل, فتشوا عن امريكا و خلاص, امّا ان تقبل هذه الفرضية او تكون انت عميل او مأجور!!

على العموم سأشرح لنفسي اولا و للقراء, اصحاب هذه النظرية يرون انّ المخابرات الأمريكية في لبنان هي وارء هذه العمليات و انّ الهدف من ذلك هو ايقاع الفتنة بين اللبنانيين و ليتسنى لها الهروب من العراق و المجيئ الى لبنان و لانه لا سبيل الى تجميع الشارع المنتمي للسلطة الاّ بهذه الطريقة.

 هممم, صراحة لم أعد قادرا على الاستعياب, فحكومة السنيورة وفق تعبير السيد حسن نصرالله هي "حكومة أمريكية تأتيها الأوامر من السفارة الأمريكية في لبنان" , و تقوم المخابرات الأمريكية بقتل الوزراء في هذه الحكومة و بقتل كل عملائها و عبيدها في لبنان لكي لا يبقى في لبنان الاّ المقاوم التابع لسوريا و السوريين!! نعم تقوم المخابرات الامريكية بقتل الوزراء في هذه الحكومة و لم يبقى سوى قتل وزيرين و ينفرط النصاب الدستوري للحكومة و بذلك لن تكون قادرة على اتخاذ أي قرار او الموافقة على المحكمة الدولية!! بكل بساطة الولايات المتّحدة تريد الاطاحة بالحكومة الموالية لها كما يقولون و الاتيان بحكومة حزب الله و سوريا!!

هل هذا معقول مثلا؟! نعم معقول اذا اتفقت امريكا مع سوريا على ان تخدمها الاخيرة في اقتلاع المقاوميين في العراق مقابل خلط الوضع اللبناني من جديد, و تكون هنا سوريا مدانة بعمالتها لأمريكا و اسرائيل و بفتكها باهل السنة في العراق, و هنا نتساءل ايهما اقل ضرر اتهامها بقتل الجميّل او بعمالتها لامريكا و اسرائيل و بقتل العراقيين المقاومين؟! ها هل هي فرضية ممكنة برأيكم أم لا؟ الله اعلم.

 

الفرضيّة الثالثة: السوريين و حلفائهم في لبنان

لا عليكم, صاحب المقال امّا عميل و امّا مأجور, و لا تستمعوا اليه يريد خلط الامور و التشويش عليكم. هي الموساد او السي أي ايه لا يوجد غيرهم!!

أي تخلّف في التحليل أكبر من هذا التخلّف!! لا الوم الجمهور و العامة كان الله في عونهم, لكن ماذا عن الجهابذة الكتّاب الذين حقّقوا في عملية الاغتيال و حلّلوا و قضوا الأمر في غضون ساعة من عملية الاغتيال!! ما شاء الله قدرات فذّة عندنا.

البعض تسوقه عاطفته تجاه البلد سوريا ليدافع عن النظام و هذا الخلط واضح جدا, و في المقابل نحن ضدّ الاتهام السياسي العشوائي لسوريا, و لا بأس للكاتب بالتحليل و طرح الفرضيات دون ان يسوق القارئ و يلغي عقله. انا مثلا تبنّيت فرضية قيام جهات خارجية بقتل الحريري و لكنّي طرحت ما كان موجودا بين يدي من قرائن و لم ادّع او احسم الأمر و تركت مجالا للتحرّك,و لا يعني ذلك اني امنح صك براءة للنظام السوري من الناحية السياسية و الاخلاقية و الأمنية حتى لو ثبت براءته جنائيا. و ذكرت انّه اذا ثبت عكس ذلك بدليل قاطع فلا مشكلة لدي ابدا بتقبّل الموضوع بعد دراسته. لكن ماذا عن كتّابنا اصحاب الخوارق؟ هل هم مستعدين لتقبّل الموضوع اذا ظهرت الحقيقة؟ و من ثمّ نسألهم لماذا يخافون المحكمة الدولية طالما انّهم بريئين براءة الذئب من دم يوسف؟ بالعكس في هذه الحالة يجب ان يكونوا هم اوّل المطالبين بهذه المحكمة كي يبرؤوا ساحتهم و يسحبوا هذه التهمة و الورقة المهمة من ايدي خصومهم, و لكن هل هذا هو الحاصل اليوم؟

 

طبعا هناك فرضية رائعة لم أناقشها معكم و قد شاهدت احد الكتّاب يعرض لها, و هي انّ فريق 14 آذار يقتلون أنفسهم ليتّهموا الآخرين!! اترك لمخيّلتكم الذهاب في هذه الفرضية و اكتفي بما قلته.

 

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : خواطر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

10 تعليق على “جهابذة الكتّاب في اغتيال الجميّل… و بائع البطاطا”

  1. أؤيد تماما ما كتبت. بالفعل إنها دكتاتورية الرأي العام في العالم العربي. لقد تم منع مقال لي في صحيفة الدستور بسبب تحليل يشير إلى ضلوع جهات لا تريد الاستقرار للبنان- الوصف الدبلوماسي المقبول للدور السوري- وبعد ذلك نتحدث عن المنطق والتحليل السياسي.

  2. يقول أحد الأخوة عن لبنان: أصبح الشعب من صغيره إلى كبيره يتحدث في السياسية ، وفي إحدى المسلسلات كان الممثلون مجتمعون ويتحدثون عن السياسية فقال أحدهم: السياسيون الآن على عدد أبناء الشعب .

    هذه المصيبة أخي الكريم … عدم احترام التخصصات ، وعدم التحليل بشكل علمي ووفقاً لأصول التحليل

    وشكراً لك

  3. الأخ السيد باتر وردم المحترم, اشكرك جزيل الشكر على مرورك, و أقول يا ريت عندنا الآن ديكتاتوريات لان العديد من الدول حكمها ديكتاتوريين و كانت متنعمة بالتطور و الازدهار, لكن نحن لا نملك حتى ديكتاتورية ,نحن نملك فقط الفساد و التبعية و التخلف, و الله المعين.

  4. العزيز الخبير, سعيد جدا بمرورك و ملاحظاتك في محلها, ليس هناك احترام لتخصصات الغير و خاصة و خاصة السياسة لانه يتم استسهال الحديث فيها مع العلم انها كغيرها من العلوم علم قائم بحد ذاته, لكن لا نلوم العامة اذا كان الخاصة من النوع الذي نتحدّث عنه في المقال, وعندما يكونوا كذلك فكيف تتوقع يكون الشعب؟ :)

  5. ثقافة التهم المعلبة مظهر من مظاهر قلة الوعى وهذا عرض شائع لغياب الحوار الفاعل بين فئات المجتمع وانعدام التواصل بين حركات المجتمع المدنى

    سرنى ما كتبت اخى القدير على بارك الله فيك ونفعنا بك

    سيد يوسف

  6. اخي العزي الأستاذ سيد يوسف, مسرور جدا لدخولك مدونتي و التعليق على الموضوع. اوافقك تمام على التشخيص الذي طرحته. و شكرا جزيلا لك

    أخوك علي

  7. كلامك غير قوي…
    أشكرك على عدم إبداء رأيك…

  8. اشكر المجهول على تعليقه في زمن كثر فيه المجاهيل, و سعيد بمرورك :)

  9. لا توجد جريمة كاملة،

    وكل مؤامرة لا بد أن تكشف يوما،

    هي الأيام تكشف ما غمض على فهمنا،

    أتمنى أن يأتي الوقت الذي نكون نحن فيه المؤثرين لا المتأثرين،

    الفاعل لا المفعول به،

    جهد مبارك أخي الكريم،

    ودمتم بعافية وحب،

  10. عزيزي احمد ….مشكور على مرورك وتعليق

    دمتم بود



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر