برنامج الفضاء الصيني: تقدّم صيني وقلق أمريكي

كتبهاعلي حسين باكير ، في 16 تشرين الأول 2008 الساعة: 17:14 م

تاريخ النشر: 6-10-2008

 

6image

بدأ برنامج الفضاء الصيني في العام 1956 بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي آنذاك، ثمّ انفصل بعد ذلك بأربع سنوات في العام 1960. وكان برنامج الفضاء الصيني الأوّلي في حينه يهدف الى تطوير نظم الملاحة الصينية، الصواريخ الموجّهة، أنظمة الدفاع الصاروخي وحاجاته، لذلك فقد كانت اولى نتائج هذا البرنامج الحصول على برامج صواريخ بالستية متطورة بدلا من ان تكون على سبيل المثال عربات فضائية او اقمار صناعية وفضائية.

واستطاعت الصين في العام 1970 اطلاق أوّل قمر صناعي إلى الفضاء لتصبح بذلك خامس دولة في العالم تغزو هذا المجال بعد الاتحاد السوفيتي، الولايات المتحدة، فرنسا واليابان. ثمّ كثّفت الصين برنامجها الفضائي في الفترة التي تلت حتى تمكنّت من وضع اكثر من 55 قمر صناعي في الفضاء خلال الثلاث عقود اللاحقة، و قد أوصلها برنامجها الفضائي الطموح فيما بعد  لتصبح في العام 2003 ثالث دولة في العالم تنجح في وضع الإنسان في الفضاء. فقد استطاعت الصين في 15 تشرين الاول 2003 اطلاق مركبتها الفضائية Shenzhou 5 وعلى متنها رواد فضاء صينين دون ان يتم اخراج أي منهم الى خارج المركبة الفضائية في الفضاء، وهو الأمر الذي حققته فيما بعد في شهر أيلول من العام 2008، والذي شهد نجاح ثلاثة رواد صينيين على متن المركبة الفضائية “شنتشو 7″ بالقيام بمهمة استغرقت ثلاثة أيام وتضمنت أول عملية سير في الفضاء لرواد صينيين لتصبح بذلك ثالث دولة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، يتمكن روادها من السير في الفضاء.

 

مبادئ و اهداف برنامج الفضاء الصيني

في تشرين أول من العام 2006، قامت الصين بنشر تقرير بعنوان “نشاطات الصين الفضائية في 2006″ بحيث يحدّد التقرير سياسة الصين “الفضائية” وطموحات وأهداف برنامج الفضاء الصيني. و وفقا لهذا التقرير، فانّ الصين تسعى من خلال تطوير برنامجها الفضائي الطموح إلى تحقيق عدد من الأهداف أبرزها:

1-   اكتشاف الفضاء الخارجي و تطوير المفهوم السائد عن الأرض.

2-   استخدام المجال الخارجي للأهداف السلميّة.

3-   دعم الحضارة الانسانية والتقدّم الاجتماعي.

و قد وردت بضع فقرات مهمة تعبّر عن

1- الحفاظ على استراتيجية التنمية والتطوير السائدة في البلاد ودعمها من خلال تبني برنامج فضاء طويل المدى، مستقر ومتطور. اذ تعتبر الصين انّ تطوير صناعة “الفضاء” لديها يعدّ طريقا استراتيجيا لدعم الاقتصاد، العلم، القوّة الدفاعية القوميّة والأمنيّة والتكنولوجية.

2- الحفاظ على سياسة “الاعتماد على الذات” وتحقيق الانجازات والاختراعات بشكل مستقل من خلال التركيز على اهداف محددة و واضحة و صب الجهد الكامل عليها لتحقيق اختراقات جوهرية فيها تساعد على تلبية حاجات الصين في مجال الفضاء و الاختراعات الذاتية.

3- الاستفادة من تكنولوجيا وعلم الفضاء وتطبيقاته لدعم قطاع العلوم والتكنولوجيا في البلاد و تطويره عبر وضع سياسات وخطط استراتيجية طويلة الأمد لتكنولوجيا الفضاء، تطبيقات الفضاء وعلم الفضاء، وهو ما سيساعد بدوره على تحويل الصناعات التقليدية اعتمادا على التقدم العلمي والتكنولوجي والاقتصادي الحاصل.

 

انجازات برنامج الفضاء الصيني 2001-2005

تمحورت إنجازات الصين في المجال الفضائي من العام 2001 إلى العام 2005 في تكنولوجيا الفضاء, تطبيقات الفضاء, علوم الفضاء. لكنّ التركيز الأساسي بتمحور حول تكنولوجيا الفضاء و اهم انجازات الصين في هذا ا لاطار تلبورت حول:

- تطوير ما يقرب من 22 نوعا مختلفا من الأقمار الصناعية بقدرات صينية مستقلة بمستوى متميز جدا صبّ في ميادين عديدة منها: تكنولوجيا الاتصالات و البث الفضائي, الأ[حاث العلمية و الاختبارات التكونولوجية, تحديد موارد الأرض و رصدها, الملاحة و تحديد المواقع بالإضافة إلى تطوير سلسلة من الأقمار الصناعية الخاصة برصد التغيّر البيئي و الكوارث الطبيعية.

- اطلاق مركبات فضائية. فقد استطاعت الصين منذ تشرين اول 1996 وحتى نهاية عام 2005 إطلاق 46 رحلة متتالية محققة خروقات مهمة في المجال تكنولوجيا إطلاق المركبات الفضائية و الصواريخ البعيدة المدى.

- إنجاز ثلاث مواقع إطلاق, تمّ استخدامها في اطلاق المركبات الفضائية المؤهولة والغير مؤهولة, الأقمار الصناعية, التجارب العلمية مما ساهم بشكل اساسي في الدفعة التكنولوجية والتطور العملي الذي لحق بالعلوم الفضائية.

- رحلات فضائية بمكوكات مؤهولة: اذ استطاعت الصين في 15 تشرين اول 2003 اطلاق اول مركبة فضائية صينية مأهولة Shenzhou V و على متنها رواد فضاء صينين, لتصبح بذلك ثالث دولة في العالم توصل رواد فضائها و مركباتها بجد ذاتي مستقل بعد الاتحاد السوفيتي و الولايات المتّحدة الأمريكية.  و قد أتبعت الصين هذه الخطوة بخطوة اخرى اكثر تطورا عندما أطلقت بنجاح في 12 تشرين اول 2005 المركبة Shenzhou VI و على متنها رواد فضاء صينيين في رحلة استمرت 5 ايام كاملة في الفضاء, و هي المرّة الاولى -بالنسبة للصين- التي يقوم فيها رواد فضاء صينيين بتجارب و اختبارات في الفضاء لمدة خمس أيام, مما يعدّ تقدما ملحوظا في هذا المجال. ثمّ الرحلة الاخيرة التي قامت بها والتي استغرقت 3 ايام ، والتي شهدت نجاح ثلاثة رواد صينيين على متن المركبة الفضائية “شنتشو 7″ بالقيام بأول عملية سير في الفضاء لرواد صينيين لتصبح بذلك ثالث دولة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، يتمكن روادها من السير في الفضاء.

- استكشاف الفضاء بشكل معمّق و تحقيق تقدّم كبير في هذا المجال.

 

 

هل غيّرت الصين موقفها من “تسليح الفضاء”؟

تعتبر الصين من أبرز الداعين الى وقف عمليات التسلح في الفضاء الخارجي, و كانت قد اقترحت في مؤتمر “نزع التسلح” في 30 حزيران 2005 , انشاء معاهدة تتضمن التزام الدول الموافقة على عدم نشر أي شيء قادر على حمل أي نوع من أنواع الأسلحة في مدار الكرة الأرضية او الفضاء الخارجي تحت أي ظرف من الظروف. و قد قام “تشينج” سفير الصين لشؤون نزع السلاح بالقاء تصريح في آواخر حزيران من العام 2006 بمناسبة انعقاء مؤتمر “منع سباق التسلّح في الفضاء الخارجي” في الأمم المتّحدة جاء فيه: “انّ نشر الاسلحة في الفضاء الخارجي سيؤدي الى نتائج سيئة لا يمكن تصوّرها على الاطلاق, و من شان ذلك ان يهدّد الفضاء الخارجي بأكمله اضافة الى حرمان الدول من استخدامه للاستعمال السلمي مما من شانه ان يهدد سلامة البشر و يقوّض الأمن و السلم الدوليين, و من مصلحة جميع الدول حماية الانسانية من المخاطر الناجمة عن تسليح الفضاء الخارجي”.

لكنّ الاختبار الناجح الذي أجرته الصين في 11-2-2007 لسلاح يهدف الى ابطال عمل الأقمار الصناعية، و هو سلاح يدخل ضمن منظومة عمل الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية والتي تعرف باسم Asat، (وتضمّن الاختبار الأول من نوعه آنذاك، اصابة قمر صناعي صيني قديم يستخدم بهدف رصد الأحوال الجويّة متمركز على بعد 500 ميل او حوالي 800 كلم في الفضاء.) اثار حفيظة العديد من الدول الكبرى والباحثين في هذا المجال. اذ انّ الاختبار بحد ذاته لا يعبّر عن التوجّه الذي لطالما سعت الصين الى تحقيقه و هو منع تسليح الفضاء أو حتى السعى الى سباق تسلح فيه. و من هذا المنطلق فان هناك عدد من التفسيرات او التكهنات التي يكن تقديمها في هذا المجال لتحليل الخطوة الصينية في هذا الاطار:

أولا: يعتبر عدد من الخبراء و الجهات الدولية انّ الصين قامت بهذه الخطوة تمهيدا لهجوم دبلوماسي صيني يهدف الى منع أسلحة الفضاء, و للضغط على الدول الكبرى و في مقدّمتهم الولايات المتّحدة الأمريكية من أجل البدء باقامة حوار حول منع التسلح الفضائي و الدفع في الاتجاه الذي لطالما كانت الصين تطالب به دبلوماسيا, دون ان يكون لهذه المطالب أي تأثير فعلي على اجندة تلك الدول الكبرى.

 

اذ ترى “تيريزا هيتشنز” مديرة مركز الاعلام حول الدفاع, على سبيل المثال, انّ التجربة الصينية تأتي على الأرجح “ردّا على السياسة الاميركية التي تهدد ايضا الاقمار الصناعية للدول الأخرى, و على رفضها النقاش في تجريد الفضاء من السلاح”.

لكن هناك من لا يوافق على هذا الطرح معتبرا انّه لو كان هدف الصين فعلا من اجراء هذا الاختبار الدفع لحوار دولي, لكانت الخارجية الصينية او الحكومة الصينية اصدرت بيانا حول الموضوع فور انتهاء التجربة لتلّمح لموضوع الحوار, و هو الاسلوب الذي اتّبعته الصين اثر الاختبار النووي الاول الذي اجرته في العام في تشرين اول من العام 1964.

ثانيا: يرى عدد من الخبراء و الباحثين انّ الحقيقة تكمن في انّ الصين ارادت ان ترد من خلال هذه التجربة على تصريحات الادراة الأمريكية و القيادات العسكرية الامريكية التي تحّث على تطوير اسلحة الفضاء لاسيما تلك التي أدلى بها الرئيس الأمريكي السنة الماضية. اذ يعتقد الاستراتيجيين الصينيين انّ الولايات المتّحدة تمتلك بالفعل أسلحة للفضاء و انّها ستقوم بتطويرها عاجلا بغض النظر عن موقف الحكومة الصينية من الموضوع, و هو السبب الأساسي الذي دفع الأوسط العسكرية الصينية و جيش التحرير الصيني الشعبي PLA الى ان يركّز على برنامجه الخاص من اجل خلق رادع صيني في مواجهة التفوق الأمريكي في الفضاء. و يدلل هؤلاء على صحة وجهة النظر هذه من خلال القول بأنّ الحكومة الصينية لم تعلّق فورا على التجربة الصينية التي حصلت آنذاك و هذا يعني امّا انها لم تكن على علم بالأمر نظرا للسرية الكبيرة التي تحاط فيها مشاريع أسلحة الفضاء المضادة للأقمار الصناعية, و امّا انّ الجيش الصيني يعمل وفق أجندته الخاصة بمعزل عن الحكومة الصينية او حتى الرئيس الصيني تحسّبا لأي تطور مستقبلي في مواجهة الولايات المتّحدة.

 

وعلى ايّة حال، فما زال الفضاء مجالا واسعا للتنافس، ولكنّه مجال خطير ومدمّر، ولا تزال الصين أقل اعتماد على الفضاء من الولايات المتّحدة في شؤونها العسكرية، وهي متأخرة بعقود، وبالتالي فإنها في المدى القصير ليس لديها الكثير لتخسره هناك في أي نزاع عسكري في الفضاء في حال كان حصول مثل ذلك حتميا. ومن باب السخرية، فانّ الاعتماد الأقل للصين على الفضاء في المجال العسكري سيعطيها فيما يبدو أفضلية هجومية على المدى القصير تتيح لها إلحاق أذى أكبر في الأصول الأمريكية الموجودة في الفضاء أكثر مما يمكن للولايات المتّحدة أن تلحقه بما لدى الصين هناك، وهو ما يطرح موضوع الردع في الفضاء على بساط البحث. لكن من المتوقع أن تزول هذه القدرات “الغير متناظرة” على المدى الطويل الذي ستعمل الصين خلاله على تطوير قدراتها في مجال الفضاء.

اقرأ لنا ايضا

تنامي القوّة العسكرية للتنين الصيني

القدرات العسكرية للصين في تقرير البنتاغون للعام 2007

النفط و العلاقات الصينية-السعودية المستقبلية

نحو علاقات صينية-خليجية استراتيجية

العلاقات الصينية-الإيرانية والملف النووي

آفاق التعاون الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي و كل من الصين و اليابان

العلاقات الاستراتيجية الصينية - الروسية

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : استراتيجيا, الصين | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر