الدور التركي لاحتواء نفوذ ايران الاقليمي
كتبهاعلي حسين باكير ، في 14 تشرين الأول 2006 الساعة: 21:00 م
مكان النشر: الاسلام اليوم. تحت عنوان: النووي التركي مقابل النووي الايراني
تاريخ النشر: 2-10-2006
بقلم: علي حسين باكير

يبدو أنّ العرب استجابوا أخيرا للنداءات المتكررة ازاء ايلاء تركيا بعضا من الاهتمام في التطورات التي تجري على الصعيد الاقليمي فيما يتعلّق بالنفوذ الايراني الذي بلغ ذروته. صحيح أنّ هذه الخطوة العربية متأخرة جدا و لكن و كما يقول المثل: "أن تأتي متأخرا خير من ان لا تأتي أبدا".
التحوّل التركي ازاء احداث المنطقة كان قد بدأ منذ صعود حزب العدالة و التنمية للحكم في تركيا, عندما تولّى عبدالله غول رئاسة الحكومة في البداية و بعدها أردوغان نفسه. لقد سعت تركيا حينها للعب دور مكوكي من خلال الزيارات التي قامت بها لدول المنطقة العربية في محاولة منها لمعالجة و تطويق عدد من المسائل الشائكة و المتفجرة.
و في هذا الاطار شملت زيارات تركيا كل من السعودية, سوريا, مصر, و عدد آخر من الدول العربية و حاولت عقد عدد من المؤتمرات بخصوص دعم القضية الفلسطينية و إيجاد حل للمشكلة العراقية "لم يكن قد احتلّ بعد" و التوفيق بين الدول العربية للوقوف على رأي واحد. لكنّ تمّ اهمال هذه الجهود التركيّة و مجابهتها خاصّة من قبل مصر التي رأت في النشاط الدبلوماسي التركي الغير معهود سلبا لدوراها الاقليمي الريادي في مثل هذه المواضيع, و لذلك لم تلق دعوات تركيا في حينه آذانا صاغية, و تمّ صدّها بالترويج لوجود حلف استراتيجي بين تركيا و اسرائيل!!
تركيا و السعودية لمواجهة النفوذ الايراني
في 8 آب 2006, قام الملك السعودي عبدالله بزيارة تاريخية الى تركيا هي الأولى من نوعها لملك سعودي الى تركيا منذ 70 عاما. لقد كان من الطبيعي أن يتم استغلال هذه الزيارة بتوقيع عدد كبير من الاتفاقيات التجارية و الاقتصادية و السياسية, لكنّ اللافت للنظر انّ الهدف الأساسي لهذه الزيارة وفقا لما ذكره عدد من التقارير الأمنيّة و الاستخباراتيّة عقد عدد من الاتفاقيات الأمنيّة و الاستخباراتيّة السريّة بهدف الاعداد للحد من النفوذ الايراني الاقليمي الذي اخترق العراق, سوريا, و لبنان بالكامل بالاضافة الى دول اخرى على اللائحة الايرانية.
أكثر الاجتماعات حساسية خلال زيارة الملك عبدالله كانت مقابلة أجراها رئيس مجلس الأمن القومي السعودي الأمير بندر بن سلطان مع أهم أعضاء مجلس الأمن القومي التركي، ورافق بندر رئيس إدارة المخابرات العامة السعودية الأمير مقرن بن عبد العزيز وسفير المملكة لدى واشنطن الأمير تركي الفيصل. و قد وتركّزت المباحثات خلال هذا الاجتماع بشكل كبير على كيفية وقف اتساع الهلال الشيعي الذي أخذت إيران على عاتقها مسؤولية تكوينه، خصوصاً في العراق ولبنان, و ذلك من خلال قطع خط الاتصال الذي يربط إيران بحزب الله في لبنان عن طريق سورية، ولتحقيق هذا الأمر يكون تعاون تركيا ضرورياً من أجل فرض السيطرة على الطرق الجوية والبرية المتصلة بالأردن والعراق.
الحصول على موافقة تركيا على هذا الدور لم يكن سهلا على الاطلاق و ذلك لأنّ لدى تركيا مصالح كبيرة مع ايران ايضا, لكنّ وجود شخص آنذاك مثل الجنرال "حلمي أوزكوك", رئيس أركان القوات المسلحة التركية الذي يرى في ايران خطرا محتملا, سهّل مهمة السعودية في اقناعها بالقيام بهذا الدور.
تركيا لا تثق بايران فيما يتعلق بمواجهة الأكراد
من الواضح تماما انّ احدى العقبات التي كانت تقف عقبة في دفع تركيا لاتخاذ مواقف اكثر دقّة من ايران هي القضية الكرديّة و مسألة الطاقة من نفط و غاز. فقد بدا جليّا انّ ايران تحاول استمالة تركيا اليها خوفا من استخدام الغرب لاراضيها في أي ضربة محتملة للمنشآت النووية الايرانية. و لذلك يبدو انّ ايران قد قدّمت لتركيا جهودا لا بأس بها فيما يتعلّق بمحاربة حزب العمّال الكردستاني الذي يشكّل هاجسا كبيرا لتركيا بالنسبة لمسألة وحدة البلاد, و أثمر ذلك التعاون عن عمليات قصف مشترك ايراني-تركي لمناطق تواجد حزب العمّال سواء على حدود الطرفين او على الحدود مع العراق. لكنّ يبدو انّ تركيا فهمت انّ توافق ايران معها هو توافق مصلحي مؤقّت, فعلى الرغم من انّ تركيا استطاعت استمالة جميع الاحزاب السياسية الكرديّة في البلاد و التي اصبحت تطالب هي الآن حزب العمّال بوقف الهجمات المسلحة ليستطيع الأكراد المشاركة بشكل فاعل في الحياة التركيّة, الاّ انّ تركيا لا تزال تخاف من انتشار التجرية الكرديّة في العراق, و اكثر من ذلك هي تخاف من النفوذ الايراني في العراق و الذي يدعم مثل هذا التقسيم (مشروع اقليم الجنوب الشيعي المدعوم ايرانيا, بالتوازي مع رفض رفع العلم العراقي في اقليم كردستان العراق) و يقوّي بالتالي النزعات الانفصالية بالمنطقة مما ينعكس سلبا عليها. من هذا المنطلق تريد تركيا الحصول على شريك ثابت للقضاء على حزب العمّال و قواعده في العراق او على الحدود, و هي مستعدة لاعطاء أي طرف ما يريد مقابل هذا العمل. هنا وجدت امريكا الفرصة سانحة لاعادة اصلاح و توثيق علاقاتها مع الحكومة التركيّة ما أثمر رؤية استراتيجية مشتركة لدى الطرفين "وثيقة الرؤية المشتركة والحوار المؤسسي لتطوير الشراكة التركية الأميركية" تقوم تركيا بدور اقليمي كبير فيها, مقابل ان تكون امريكا شريكا في القضاء على حزب العمّال. و ينسجم هذا الدور التركي الجديد في المنطقة مع حاجة العرب الى تركيا في هذا الاطار من جهة و الى حاجة تركيا الى عرض نفسها على انها قادرة على لعب دور موازن اقليميا و اسلاميا و جغرافيا و سياسيا و بالتالي من الأفضل ان يتم تجيير هذا الفضل اذا كانت ضمن الاتحاد الاوروبي. من هذا المنطلق يمكننا ان نفهم طبيعة موافقة تركيا على ارسال عدد من جنودها الى لبنان ضمن القوّة الدولية الحالية.
بداية التحوّل, القوات التركيّة في لبنان
جاءت موافقة تركيا على ارسال عدد من جنودها الى لبنان في اطار قوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" لتشكل سابقة وتحولاً استراتيجياً في سياسة تركيا الاقليمية والدولية. اذ لطالما كانت سياسة تركيا الاقليمية تعتمد على التحفّظ الذاتي و عدم الخوض في شؤون الجوار او التطلّع خارج حدود الدولة, و صحيح انّ تركيا استطاعت من خلال هذه السياسة حماية نفسها من تشكيل ايّة عداءات اقليمية مع أي جهة لكنها في المقابل لم تكسب أي صديق أو حليف استراتيجي. من هذا المنطلق رأت الحكومة التركيّة في المشاركة بعدد من الجنود في صفوف اليونيفيل في لبنان فرصة تاريخية لفرض دور جديد, و لما لا طالما انّ هناك تلاقي على هذا الدور من عدد كبير من الجهات منها:
أولا: العرب يريدون دورا فاعلا لتركيا اقلّه في المرحلة الراهنة خاصّة و انّ موقع تركيا و حجمها و حجم سكّانها و قوّتها العسكرية مشابه جدا لما تمتلكه ايران باستثناء القدرة الماليّة التي سيكون للعرب دور في تأمينها مستقبلا خاصّة انّه يمكن الاعتماد على تركيا التي كانت تاريخيا حاميّة لتخوم البلاد الاسلاميّة و بالتالي يمكنها ان تعيد تقديم نفسها هذه المرّة من باب الاعتدال الاسلامي الذي يقي من شر النفوذ الايراني.
ثانيا: أمريكا التي ترى ان على تركيا الاّ تخرج من المعسكر الغربي خاصّة انّ الغرب بحاجة اليها لكونها الجسر الذي يربط الشرق بالغرب و هي من هذا الباب غاية في الاهمية من النواحي العسكرية و السياسيّة و الأمنيّة و لا بد من ضمان موقفها, لذلك فهي بحاجة الى الدور التركي بالمنطقة و لكن مقابل طلب تركي بالمساعدة في القضاء على حزب العمال الكردي.
ثالثا: أوروبا, التي تريد من تركيا ان تظهر التزاما اقليميا اذا ارادت ان تنضم الى اوروبا, لذلك فدورها هذا هو بمثابة اختبار لالتزاماتها و للمطالب الاوروبية, كما انّه تعبير تركي عن استطعتها اداء دور ضابط و موازي في الشرق الأوسط في فترة يسود فيها منطق صراع الحضارات و الانقسامات.
امام هذه العناصر, وجدت تركيا انّ الفرصة سانحة جدا و مطلوبة و في وقتها, و هي المرّة الأولى التي يعود فيها الجيش التركي الى لبنان منذ عهد جمال باشا منذ مئة عام تقريبا.
النووي التركي مقابل النووي الايراني
لا يغيب طيف البرنامج النووي الايراني عن دوافع و طموح تركيا لامتلاك الطاقة النووية و مساعيها الحالية, اذ انّ تركيا و ايران تتشابهان الى حد كبير فيما يتعلّق بالاقتصاد و السكّان و الموقع الاستراتيجي و هو ما يوفّر توازنا استراتيجيا بينهما. لكنّ امتلاك ايران للسلاح النووي او حتى الطاقة النووية سيضعها في المقدّمة و سيطيح بالتوازن القائم منذ اكثر من مئة عام.
لذلك, يبدو انّ تركيا مصمّمة هذه المرّة لاعادة اطلاق طموحها النووي بعد ان فشلت مرّات عديدة في تحقيق ذلك في فترة الستينات, و هو ما يذهب اليه أيضا "اوزدم سانبرك" رئيس مجموعة البحث و الدراسات الاقتصادية و الاجتماعية التركية الذي يعتبر انّ امتلاك ايران للنووي سيجعلها القوّة المسيطرة في المنطقة و سيطيح بالتوازن الموجود حاليا مع تركيا, و لذلك فلا خيار امام تركيا سوى المضي قدما في برنامج خاص للطاقة النووية يخضع لاتفاقية منع انتشار الاسلحة النووية. و لذلك فلا بدّ ايضا ان ينسجم تحرك تركيا الاقليمي مع هيبة داخلية و خارجية تعطي توازنا للدور الايراني و لقدراته السياسية و العسكرية و المالية و هنا يأتي دور العرب في هذا الجانب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تركيا | السمات:تركيا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























