الشرق الأوسط عند مفترق طرق

كتبهاعلي حسين باكير ، في 21 أيلول 2006 الساعة: 15:57 م

مكان النشر: مجلة الإسلام اليوم

تاريخ النشر: شعبان/أيلول 2006

بقلم: علي حسين باكير

 

 

تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة حاسمة قد تمتد الى سنة او سنتين على أقصى تقدير حيث سيكون على بلدان هذه المنطقة اختيار مسارها و تحديد وجهتها في ظل تصارع النفوذ الدولي و الاقليمي للسيطرة عليها و في ظل ظهور عوارض للانفجار الشعبي اهمّها ظهور جماعات لامركزية في الدولة و عابرة للهوية و القوميّة تبادر من تلقاء نفسها الى انجاز ما تعتقد انّ الدولة قد عجزت على انجازه او تحقيقه لاسيما فيما يتعلّق بالدول العربية و الواقع العاجز الذي تعيشه هذه الدول منذ عقود.

و المفترق الذي تقف عنده دول المنطقة حاليا يترواح بين السلام و الحرب و بين القوّة و الضعف و بين الوجود او التبعية و بين الدولة و الفوضى و ينطبق هذا على محورين كبيرين في منطقة الشرق الأوسط و منه المحور الايراني الاقليمي و المحور العربي الاقليمي في ظل تواجد الولايت المتّحدة و خططها.

 

الدول العربية:  سيكون على الدول العربية بعد تصريح أمين عام الجامعة العربية عمر موسى الشهير الذي اعلن فيها قبل حوالي الشهرين عن موت عملية السلام, اختيار مسار جديد محدّد بالشكل و المضمون و لا مواربة فيه فامّا عملية سلام عادلة و شاملة مع التزام دائم و مضمون التنائج على قدم المساواة امام  المؤسسات و المنظمات الدولية و القانونية و امام الدول الكبرى, و امّا التحضير للذهاب الى حرب نهائية للحصول على الحقوق و فرض الأمر الواقع. أمّا اذا اختارت الدول العربية عدم التحرّك كما دأبت الفعل فهذا معناه الدخول في مواجهة مع الشعب في داخل الدولة ذلك أنّه لم يعد قادرا على استساغة أو تبرير هذا الوضع في ظل عجز تام و كامل و شامل و واضح المعالم لأجهزة الدولة و سياساتها الخارجية و الداخلية. و ستؤدي هذه المواجهة بطبيعة الحال الى تزايد عدد الجماعات المسلّحة الناقمة على تخلّي الدولة عن وظائفها تجاه حقوقها الخارجية او مسؤولياتها و قد تتّخذ هذه المواجهة شكل انفجار داخلي ثورة أو انقلاب أو صراع مسلّح او عصيان و هو ما يهدد في جميع الأحوال كيان الدولة و نظامها السياسي الحالي الذي سيكون عليه الاختيار و سريعا و بشكل حاسم بين التوجهات التي عليه أن يسلكها.

 

ايران: لدى ايران و على عكس الدول العربية مشروع اقليمي واضح المعالم و دقيق التوجهات و هي تعمل على تسخير كل قدراتها المالية و العسكرية و السياسية و الجغرافية و حتى الدينية او المذهبية في سبيل تحقيق هذا المشروع. و قد وصلت الآن الى مرحلة متقدّمة في تنفيذ هذا المشروع و في التحضير لخطواته النهائية التي ينقصها الحصول على الرادع النووي.

دأبت ايران و منذ الانتهاء من حربها ضدّ العراق على العمل لتأسيس خطوط دفاعية تعمل على حماية الدولة و النظام الايراني و تؤمّن الوقت الكافي لها من اجل الحصول على الرادع النووي. فعملت على تأسيس جماعات ثورية في العديد من الدول العربية و قامت بدعمها ماديا و أيديولوجيا و سياسيا لكي تكون خط دفاع اوّل لها في الخارج, لكنّ تأثير هذه الجماعات كان محدودا نسبيا نظرا لانتمائها المذهبي الضيّق و الغير الواسع الانتشار في العالم العربي, فعملت ايران على دعم الحركات التحررية السنيّة (كحماس و الجهاد و غيرها من الفصائل) مستغلة تقاعس الدول العربية عن فعل ذلك و بهذا أمّنت لها خط دفاع ثاني أكثر عمقا من الأول نظرا لتأييد اعداد كبيرة من الجماهير العربية و المسلمة لهذا التوجه, و أكثر تأثيرا على الصعيد الاقليمي أو الدولي نظرا لارتباطه بالقضية المقدّسة و هي القضيبة الفلسطينية و مسألة مواجهة اسرائيل. و على الرغم من أن هذا التوجه يبدو كسلاح ذو حديّن الاّ انّ ايران احسنت استغلاله في توفير حاضن شعبي اسلامي لها عبر استعدائها "الاعلامي" لاسرائيل, كما احسنت استغلاله في توفير الوقت اللازم لها عبر الجماعات المسلحة لتنفيذ مشروعها النووي من جهة و في كونهم ورقة يمكن مساومة او مفاوضة الآخريين عليها في أي عملية تسوية ممكنة.

 

الولايات المتّحدة:  تعمل الولايات المتّحدة و منذ انهيار الثنائية القطبية العالمية على فرض و تكريس النظام الأحادي, و لذلك فهي لم تجد سوى القوّة العسكرية سبيلا لتحقيق هذا الأمر, فقامت عبر حملات عسكرية ضخمة جدا بالاطاحة بدول عديدة  و الخوض في حروب كبيرة منذ العام 1990 و حتى اليوم. و قد زاد من حدّة التوجّه الامريكي وجود تيار أصولي صهيو-مسيحي غير عقلاني في السلطة الحاكمة هناك و يعمل على المقامرة بمصير أمم بأكملها من خلال خوضه حروبا بالجملة و التخطيط لاعادة صياغة و تقسيم الخرائط و الدول بمساعدة او حتى بدون مساعدة أي حلفاء. و قد عملت هذه الادارة الأمريكية فعلا على استغلال قوّتها العسكرية و السياسية للتدخل في تغيير واقع و طبيعة عدد من بلدان المنطقة أو نفوذها و في مقدّمتها أفغانستان, العراق, السودان, سوريا, لبنان, و في عدد آخر من البلدان.

الولايات المتّحدة ترقب المماطلة الايرانية في الأزمة النووية و تحرّكاتها الاقليمية و نفوذها المتزايد و هذا بطبيعة الحال يشكّل عامل ازعاج لها, و لذلك فهي تحضّر لجميع الخيارت بما فيها الخيار العسكري الطاحن. الايرانيين معروفون باستنفذهم للوقت و بسياسة التصعيد حتى اللحظة الأخيرة و ذلك للحصول على أكبر قدر من المكاسب. لكنّ هذه السياسة خطيرة جدا و قد تصل الى مرحلة لا يمكن التحكم بها أو بأوراق المفاوضات المتعلّقة بها و بالتالي فانّ أي انزلاق الى الهاوية ستكون نتيجته كارثية على ايران و المنطقة. و أي مراهنة ايرانية على عدم قدرة الولايات المتّحدة على شن هجوم كاسح عليها نتيجة وضعها المأزوم في العراق و أفغانستان و في محاربة القاعدة سيكون خطأ كبيرا في الحسابات, اذ يجب على ايران ان تعي انّ الادارة الأمريكية الحالية هي ادارة استثنائية في تاريخ الولايات المتّحدة و انّ هذه الادارة لا تقيم وزنا كبيرا لحسابات الربح و الخسارة و هي مستعدة لخوض حروب في كافة الأماكن و هي تملك قدر تدمير هائلة لم تمتلكها أي امّة في التاريخ .

 

بناءا على هذه المعطيات اعلاه ستكون المدة الممتدة من سنة الى سنتين حاسمة على صعيد التوجهات المستقبلية لدول المنطقة و مصيرها, و كل خطة في هذا الاطار ستكون لها تداعيات كبيرة سواءا في اتّجاه السلام أو في اتّجاه الحرب, و في اطار استشراف المستقبل سنعرض للسيناريوهات التي قد يتم التوصل اليها خلال المدّة المذكورة و تداعيتها المحتملة على المنطقة و شعوبها:

أولا: في الأزمة النووية الايرانية

1-   سيناريو التسوية: و هو يتضمن توصل كل من ايران و الولايات المتحدة الى تسوية في شان الملف النووي للأولى مقابل حصولها على حوافز و اغراءات كبيرة سواء من الناحية التكنولوجية او الاقتصادية او السياسية او حتى الأمنية التي تخص المنطقة و الخليج العربي. الرابحون من هذا السيناريو ايران بالدرجة الأولى و بعدها أمريكا و الخاسر الوحيد هو الطرف العربي الذي ستكون التسوية على حسابه.

2-   سيناريو المواجهة: اذا باغتت الولايات المتحدة الأمريكية ايران في الدخول بحرب كبيرة قبل حصولها على الرادع النووي فستكون كارثة كبرى, اذ سيتم تدمير ايران و بطبيعة الحال ستعاني الولاايات المتّحدة من خسائر جسيمة و لن يكون العرب خارج حسابات الخسارة حتى لو وقفوا على الحياد.

ثانيا: في الصراع العربي-الاسرائيلي

1-   سيناريو بقاء الوضع الراهن: هو من أسوء السيناريوهات الممكنة, و هو يعني بقاء اسرائيل فوق اي معيار قانوني او اخلاقي او عسكري و بالتالي بقاء الدعم الأمريكي اللامحدود لها ضد العرب ف مساعيهم لاستعادة حقوقهم المسلوبة. اذ انّ بقاء الوضع الراهن على ما هو عليه يعني انهيار الدولة العربية التي نشأت بعد تقسيم أراضي السلطنة العثمانية على أيدي الأوروبيين و بالتالي فشلها في القيام بدورها و بتأمين حقوق شعبها و مصالحه سواءا على الصعيد الداخلي او الخارجي, و هو ما يعني بطبيعة الحال تكاثر المجموعات اللامركزية الشعبية التي تقوم مقام الدولة و هو ما من شانه أن ينشر الفوضى و التخبّط في المنطقة بأسرها و يشعل حربا بين الدولة و نظامها السياسي من جهة و بين الشعب الناقم على الواقع و هذه الحالة من جهة أخرى.

2-   سيناريو السلام: يكاد يكون بعيدا جدا لافتقاد العرب الى القوّة التي تخوّلهم فرض السلام على الآخرين, فالسلام كما الحرب يحتاج الى قوّة لترسيخه و فرضه, و العرب حاليا في حالة ضعف غير مسبوقة و بالتالي فانّ الصراعات ستكون مفتوحة على مصراعيها في هذا السيناريو الى حين فرض السلام او الذهاب الى الحرب.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : العرب | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الشرق الأوسط عند مفترق طرق”

  1. كل عام وانتم بخير

    http://www.maktoobblog.com/aqel59



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر