مكان النشر: مركز دراسات الشرق الأوسط/ مجلة دراسات شرق أوسطية (الأردن)
تاريخ النشر: العدد 49- السنة 13- خريف 2009
بقلم: علي حسين باكير

شهدت السياسة الخارجية الأمريكية تحولا لافتا في مقاربتها الدولية منذ تسلّم باراك أوباما سدّة الرئاسة بداية العام المنصرم. ويبدو الاختلاف النظري على الأقل واضحا في هذه المقاربة مقارنة بتلك التي اتبعتها إدارة الرئيس بوش الابن السابقة، والتي جاءت انعكاساتها سلبية على الولايات المتحدة وعلى موقعها ودورها في العالم.
وتعكس السياسة الخارجية الأمريكية الجديدة للرئيس أوباما في كثير من جوانبها شعاره الانتخابي الذي حمله إلى تبوء هذا المنصب ألا وهو "التغيير". وتشكل أربع ملّفات أساسية في الشرق الأوسط أولوية لدى الرئيس المنتخب حديثا لاسيما وأنّها جميعا باتت تمثّل عبئا على الولايات المتّحدة وفي طليعتها الملف العراقي، والملف الأفغاني، والملف النووي الإيراني إضافة إلى المشكلة الأصعب والأكثر تعقيدا على الإطلاق ألا وهي القضية الفلسطينية أو ملف السلام في الشرق الأوسط.
تصوّر ادارة اوباما للسلام في الشرق الاوسط السلام اولوية أمريكية
شرعت إدارة اوباما منذ توليها المسؤولية في البيت الأبيض إلى التركيز على قضية السلام عبر الترويج القوي لحل الدولتين لما فيه مصلحة الجميع، في محاولة منها لإحداث خرق عجزت عن تحقيقه مختلف الإدارات السابقة، وذلك على أمل أن يعيد هذا الانجاز للولايات المتّحدة هيبتها العالمية وينصّع صورتها ويرسخ قيادتها للمنطقة والعالم بعدما تعرّضت للكثير من التقهقر نتيجة غرقها في وحول العراق وأفغانستان والحرب على "الإرهاب".
وتنطلق فكرة الإدارة الأمريكية الجديدة من أنّ الحروب ليست بالضرورة الحل الأوحد والأمثل لتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وتجربة إدارة بوش الابن خير دليل على ذلك، ولهذا فقد حان الوقت للتغيير واستخدام الأدوات الأخرى المتاحة لتحقيق المصالح الأمريكية.
من هذا المنطلق، عكفت إدارة أوباما على وضع خطّة للسلام في الشرق الأوسط تقوم بالتحديد على مبدأ حل الدولتين. وقامت بحملة تركيز كبيرة على أهمية السلام في تحقيق مصالح الولايات المتّحدة ومصالح المنطقة أيضا، وذلك انطلاقا من حيثيات مختلفة عن تلك التي أخذها أسلافه بعين الاعتبار ومنها:
1- أنّ موقع الولايات المتّحدة في النظام العالمي آخذ في التراجع كقوة خارقة (Super Power)، ويترافق ذلك مع انحدار في القوّة العسكرية والسياسية وحتى الاقتصادية التي تعمل على استنزافها لا سيما اثر زلزال الأزمة الملاية العالمية الذي تحوّل إلى كابوس للاقتصاد الأمريكي.
2- أنّ صورة الولايات المتحدة و"القوة الناعمة" (Soft Power) التي كانت تتمتع بها والتي شكّلت طوال سنوات مديدة رصيدا لها يعمل على جعلها نموذجا يحظى بشعبية عالمية، ومثالا ديمقراطيا يحتذى به في كل مناطق العالم ومنها منطقة الشرق الأوسط، تلاشت وحلّت محلّها صور المعتدي والمحتل والمتسلّط والمهيمن والغير عادل والمنحاز إلى إسرائيل، وهو ما لا يتناسب مع طبيعة الدور التي تريده أمريكا حاليا في المنطقة والعالم.
3- أنّ الحرب المفتوحة على "الإرهاب" ادخلها في صراع مع الإسلام وهو ما يحد من قدرة الولايات المتّحدة على التعامل مع وقائع الشرق الأوسط لأنها ستكون بحاجة ماسة إلى محاورة المسلمين بدلا من استعدائهم، ولأن الإدارة الأمريكية الجديدة ترى أنّ محاربة "الإرهاب" والقضاء على القاعدة يتطلب استخدام الدبلوماسية كأداة فعّالة من اجل محاصرة "الإرهاب" والانتهاء من الذرائع التي يمكن أن تزيد من مشاعر العداء للولايات المتحدة، وتعطي مبررا لاستخدام العنف ضدها. [1]
خلفيّة الموقف العربي
ترى معظم الدول العربية في توجّه الرئيس أوباما فرصة لإعادة تحريك ملف القضية الفلسطينية معتمدة على الأهمية الخاصة التي بات الموضوع يحظى بها في أروقة الإدارة الأمريكية، وهي من أجل ذلك، تسعى إلى استغلال رغبة اوباما في فتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي ومع الدول العربية التي تشكّل منطلقا لدعوته حول المصالحة والسلام والتي يريد تعميمها، وذلك للضغط على إسرائيل والذهاب باتجاه الحل "العادل والشامل".
وعلى هذا الأساس، حرصت هذه الدول العربية لا سيما كل من مصر والسعودية والأردن على إفهام الرئيس أوباما أنّ الفرصة قائمة الآن وانّ المطلوب الضغط على إسرائيل، وكان الملك الأردني عبدالله الثاني أول من حمل رسالة عربية موّحدة (من السعودية وقطر ومصر ولبنان وفلسطين)[2] إلى أوباما مطالبا إياه ببذل جهود للوصول إلى السلام وفق المبادرة العربية وقرارات الشرعية الدولية التي تتضمن انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967، وموافقتها على قيام دولة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية المحتلة، وإيجاد حل عادل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، وعندها يمكن الحديث عن اعتراف بإسرائيل وقيام التطبيع.[3]
وقد تكرر هذا الكلام على مسامع الرئيس الأمريكي من قبل الرئيس المصري وكذلك الملك السعودي. ويأتي هذا الموقف العربي الموحّد من خلفية تقوم على عدد من العناصر منها:
1- رغبة في حسم الموضوع مرة واحدة وأخيرة خاصة مع وجودة إدارة أمريكية ترى في تحقيق هذا السلام مصلحة قومية عليا يجب تنفيذها. وهو ما عبّرت عنه الإدارة الأمريكية في أكثر من مناسبة بشكل علني وصريح خاصة عبر وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وموفد عملية السلام في الشرق الأوسط جورج ميتشل[4]
2- فحص نوايا إسرائيل المعروفة بمراوغاتها الدائمة وتملصها من التزاماتها تجاه القرارات الدولية وحتى تجاه دعوات السلام العربية المتكررة،[5] وحشرها في الزاوية لجهة توضيح خيارها النهائي وإرادتها الدائمة أمام المجتمع الدولي بما يخدم التحرّك العربي لاحقا سواءا تم استئناف عملية السلام على الأسس المعروفة أو اعتماد خيارات عربية أخرى لاحقا يتم دراستها بجدية.[6]
3- العمل على إنهاء اعتبار هذه القضية ذريعة لكل من هب ودب من القوى الإقليمية والفاعلين الآخرين من الأحزاب والجماعات ممن يعملون على تقويض الأمن والسلم الإقليمي للدول العربية وعلى زعزعة الاستقرار السياسي للأنظمة العربية والتوازن الاجتماعي للشعوب فيها دون الإضرار الفعلي بإسرائيل.
موقع "السلام" في الاستراتيجية الاسرائيلية
يعتقد كثيرون في العالم العربي أنّ السلام مع إسرائيل عملية "انبطاحيّة" وتنازل خطير ومكافأة لها على وحشيتها وعنصريتها واحتلالها، وهو أمر صحيح من الناحية الشكليّة، لكنّ هذا الكلام يحتاج حاليا إلى إعادة نظر ومناقشة جادة ومستفيضة خاصّة لدى الأكاديميين والباحثين، فهو لا يستقيم بهذا المعنى إلاّ إذا كانت هناك نيّة فعلية لدى العرب لجعل إسرائيل وصيّة عليهم وهو أمر لا يمكن تصوّره حقيقة.
من وجهة نظري الخاصة، أعتقد أنّ الخيار الأكثر إغراءا والوضع الأكثر مثالية والاتجاه الأكثر استقرارا الذي تفضّله إسرائيل وستفضّله دوما من خلال المعطيات الحالية هو خيار "لا حرب كبيرة مع العرب ولا سلام عادل وشامل معهم".
فهذا الخيار الاستراتيجي الإسرائيلي يعتبر الأنسب لتشكيل بيئة تساعد على بقاء إسرائيل في الإطار الإقليمي، وذلك لعدد من الأسباب منها:
1- حصول حرب مع عدد من الدول العربية دفعة واحدة قد يؤدي إلى تقويض دولة إسرائيل نهائيا هذه المرّة على اعتبار أن الأوراق التي استخدمتها في حروبها السابقة لم تعد موجودة، كما أنّ قدراتها العسكرية والردعية تتآكل مع الزمن.
2- حصول سلام من شانه أن يغيّر من معالم الدولة الإسرائيلية ومجتمعها القائم على الاستنفار الدائم والشحن في مواجهة عدو جاهز، وحصول عملية سلام بهذا المعنى تؤدي إلى تقويض عسكرة المجتمع وتهميشه، ويكبّل إسرائيل أيضا التي سيكون عليها التركيز على الوضع الاقتصادي فقط، دون أن ننسى أنه سيكون عليها مواجهة القنبلة الديموغرافية الفلسطينية والمناعة الشعبية العربية التي لا تلزم الشعوب الإقرار بشرعية إسرائيل حتى ولو اعترفت الأنظمة بها، ومثال مصر والأردن خير دليل على ذلك، وفي مثل هكذا معطيات تبدو إسرائيل الخاسر الأكبر.
وعلى الرغم من أنّ إسرائيل تعي حاليا حقيقة الحالة الأمريكية الراهنة التي تتطلّب فرض عملية سلام على جميع الأطراف لما تقتضيه مصلحتها وأمنها القومي بالدرجة الأولى، إلا أنها تعي أيضا في ضوء المعطيات التي شرحناها سابقا، أنّ عملية سلام بهذا الشكل ستضر بها وبمصالحها الإقليمية وبموقعها أيضا كقوّة يحسب لها حساب، ولذلك فهي تعمل على تقويض التحرّك الأمريكي، وقامت منذ مجيء اوباما إلى الحكم بعمليتين التفافيتين لافتين للتهرب من التزاماتها في عملية السلام المفترضة ودفع الاستحقاقات المترتبة عليها إلى العرب:
* الأولى: التذرّع بالأزمة النووية الإيرانية تحت يافطة أنّ الأولوية الآن هي لمعالجة الملف النووي الإيراني الذي يشكّل خطرا محتّما على إسرائيل. علما أنّ أمريكا وإسرائيل كانا شريكين في إيصال البرنامج النووي الإيراني إلى هذه الدرجة من التقد
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ