مكان النشر: مركز الخليج للأبحاث/مجلة آراء حول الخليج (الإمارات)
تاريخ النشر: العدد 63- كانون أول/ ديسمبر 2009
بقلم: علي حسين باكير
مرت الإستراتيجية الإيرانية منذ العام 1979 الذي شهد الثورة واستلام نظام الخميني الحكم في ثلاث مراحل: الأولى وشهدت الصدام مع العراق على خلفية التصدير المكشوف والعلني للثورة إلى الدول العربية المجاورة بالدرجة الأولى والتي كان العراق يشكّل البوابة الرئيسية إليها، وامتدت تلك الفترة حتى العام 1989.
أمّا المرحلة الثانية فقد امتدت من العام 1990 وحتى العام 2001، وتعلمت إيران خلالها درسا قاسيا عن الثمن الذي يتوجب عليها دفعه إن فكّرت هي بتصدير ثورتها علانية، فانكفأت إلى إعادة بناء قدراتها الذاتية الاقتصادية والعسكرية بصمت وبعيدا عن الأعين لاسيما فيما يتعلق بقدراتها الصاروخية البالستيّة والنووية في وقت انشغل فيه العالم بالغزو العراقي للكويت ومن ثمّ بالحروب الأمريكية ضدّه.
أمّا المرحلة الثالثة فقد بدأت منذ العام 2001-2003 ولا تزال حتى اليوم، وفيها انتقلت إيران من مرحلة إعادة بناء قدراتها إلى مرحلة استغلال ما بنته في توسيع قاعدة طموحاتها الإقليمية وفرض هيمنتها القسرية على المنطقة العربية سواءً المباشرة من العراق إلى اليمن مرورا بسوريا ولبنان وفلسطين ودول الخليج العربية، أو الغير مباشرة وصولا إلى السودان والمغرب وغيرها من الدول العربية.
وتتميز هذه المرحلة بـ:
v انهيار البوابة الشرقيّة للعرب مع احتلال العراق الذي كان يشكّل شدّا منيعا في وجه النفوذ الإيراني إلى الخليج وباقي الدول العربية، وانتقال إيران من العمل السري إلى العمل العلني المترافق مع إعلانها الواضح والصريح في أكثر من مناسبة عن طموحاتها الإقليمية.
v تطوير قدراتها العسكرية الهجومية الصاروخية والقدرات غير التقليدية والنووية تحت مسميات دفاعية، مع انتهاجها سياسة خارجية عدائية وهجومية، ما يعني أنّ المنحى الدفاعي لقدراتها العسكرية يستخدم لتعزيز قدرتها الهجومية على التدخل في الشؤون الداخلية للدول المحيطة.
v العمل على زعزعة أمن واستقرار الدول العربية عبر استخدام وسائل غير تقليدية تقوم على إقامة تحالفات مع أقليات مذهبية أو سياسية داخل كل دولة لتكون منطلقا لتنفيذ السياسة الإيرانية من الداخل العربي، والانتقال من الحديث المبطّن عن أحقية النفوذ الإيراني في الخليج العربي إلى التدخل المباشر في العراق ودول مجلس التعاون الخليجي وابتزازها سواءً البحرين أو الإمارات أو السعودية أو حتى اليمن كما يحصل مؤخرا.
مظاهر الإخلال الإيراني بالتوازن الاستراتيجي في الخليج
ومن الملاحظ في هذا الإطار، أنّ التوازن الاستراتيجي في الخليج بدأ يتزعزع في المرحلة الثالثة للإستراتيجية الإيرانية وخاصة بعد سقوط العراق. وترافق تعاظم القدرات العسكرية الإيرانية مع عدم وجود سياسة واضحة وشفافة لطمأنة دول الجوار. وعلى الرغم من انّه يحلو لبعض المحللين من العرب القول بانّ أمريكا وإسرائيل تعمل على التحريض ضد إيران على اعتبارها تخلق تهديدا مصطنعا لدول الخليج العربية وللدول العربية الأخرى، الاّ أنّ إيران نفسها لم تقم بأي جهد يذكر لإثبات نواياها السلمية وطمأنة الجيران، بل على العكس أمعنت طهران بشكل فاضح في إثبات نظرية أنها تشكل خطرا جامحا على الدول العربية والخليجية تحديدا. ومن مظاهر تنامي القدرات العسكرية الهجومية لإيران:
1- تعزيز القدرات الهجومية الصاروخية: بذلت إيران جهودا ضخمة وجبارة منذ الحرب العراقية-الإيرانية فيما يتعلق بتطوير قدراتها الصاروخيّة البالستية والتكنولوجيا المتعلقة بها وذلك بدعم من دول مثل كوريا الشمالية والصين وروسيا، حتى باتت تمتلك اليوم القدرة على تطوير برنامجها الصاروخي الخاص بشكل مستقل وبما يتناسب مع طموحاتها التوسعيّة المعروفة وسلوكها للهيمنة على المنطقة.
القدرات الصاروخية الإيرانية*
|
نوع الصاروخ |
الاسم الرديف |
وزنه من دون رأس حربي (كلغ) |
المدى (كلم) |
المدى (كلم) برأس حربي بوزن طن |
|
شهاب 1 |
Scud-B |
4900 |
300 |
315 |
|
شهاب 2 |
Scud-C |
5400 |
500 |
375 |
|
شهاب 3 |
Zelzal-3 |
14200 |
1300 |
930 |
|
شهاب 4 |
No-Dong-B |
16785 |
3218-4000 |
1100 |
* الصواريخ العاملة بالوقود السائل
** المصدر: Global Security+EWI
وتشير العديد من المصادر إلى أنّ هناك توجه لدى الإيرانيين بتطوير صواريخ شهاب 5 وشهاب 6 أيضا وان لم يتم تأكيد ذلك فعليا. وتكمن مخاطر هذه الصواريخ في أنها قادرة على ضرب أي بقعة في شبه الجزيرة العربية، ولا يقتصر التهديد الإيراني باستهداف القواعد الأمريكية في الخليج حال نشوب نزاع أمريكي-إيراني أو إيراني-إسرائيلي، وإنما يتعداه إلى إمكانية استهدافها للمنشآت الحيوية والإستراتيجية الخليجية النفطية أو التابعة للبنية التحتيّة أو مراكز الاقتصاد والتجمعات السكّانية في هذه الدول.
2- البرنامج النووي: من حيث المبدأ للدول الحق في تطوير قدرات نووية للاستخدامات السلمية طالما أنّها ملتزمة المعاهدات والمواثيق الدولية. في التفاصيل، ومن خلال الواقع، لم تثبت التجربة الإيرانية أنها شفّافة وانّ غرضها تحقيق قدرات نووية سلمية بدءا من إخفاء الموضوع النووي برمته حين تفاجئ العالم في العام 2003 بانّ إيران تعمل سرّا على تطوير برنامجها النووي، مرورا باكتشاف حلقات التعامل مع السوق السوداء النووية إلى بناء وتجهيز منشآت سرية إلى المراوغة التفاوضية، وليس أخيرا إلى التسريب الذي كشف بتاريخ 6/11/2009 انّ العلماء الإيرانيين قد يكونوا اختبروا تقنية تعرف باسم "نظام التفجير الضمني المزدوج" التي تسمح عند إتقانها، بإنتاج رؤوس حربية نووية أصغر حجماً وأكثر بساطة من النماذج القديمة، كما أنها تحدّ من قطر الرؤوس النووية وتسهّل تحميل رأس نووي على صاروخ.
أضف إلى ذلك انّ الطموح النووي الإيراني ارتبط بشكل غير مفهوم مع مطالبات إيرانية متكررة بالاعتراف بها كقوة إقليمية شرعيّة لها حقوقها ومصالحا (طبعا ستكون في دولنا ولاسيما دول الخليج العربية)، فما العلاقة بين النووي السلمي والطموح الإقليمي؟ وهو مؤشر آخر على عدم سلميّة التوجه النووي الإيراني.
لا شك أنّ حصول إيران على سلاح نووي سيعمل على الإطاحة بشكل كامل بالتوازن الاستراتيجي الإقليمي في الخليج الذي تعمل إيران على زعزعته بشكل دائم وحثيث منذ احتلال العراق في العام 2003، ويمكن تحديد مخاطر وتداعيات تحول ايران الى قوة نووية على دول الخليج العربية بما يلي:
· تقويض معاهدة منع الانتشار النووي (NPT)، وتسريع التوجّه لدى العديد من دول المنطقة لامتلاك سلاح نووي خاص بها بما في ذلك دول الخليج العربية، وبالتالي إطلاق سباق تسلّح نووي في الخليج والشرق الأوسط، مع ما يفرضه ذلك من استنزاف مالي ومخاطر عسكرية وبيئية من إمكانية اندلاع حرب نووية في ظل الطموحات الإقليمية الكبيرة والوضع الغير مستقر في المنطقة والقابل للانفجار في أي وقت.
· رفع قدرة الابتزاز (Blackmailing Ability) التي تملكها إيران تجاه دول الخليج العربية، في ظل قدرتها الدائمة على التهديد بقوتها النووية أو حتى استخدام القوّة في فرض أجندتها في ظل حيازتها على رادع نووي يحصّنها من عواقب تصرفاتها ويمنحها القوة على تعزيز سياستها الهجومية والتدخلية والتخريبية لاسيما في المنطقة الرخوة المتمثلة بدول الخليج العربي مقارنة بتركيا وإسرائيل.
· رفع قدرة إيران على قيامها بحروب بالوكالة (Proxy Wars) تهدد أمن دول الخليج العربية للضغط عليهم بخصوص الاعتراف بدورها ومصالحها في هذه الدول وفي المنطقة ككل، دون أن يكون هناك قدرة على مواجهتها أو إجبارها على التراجع أو حتى التفاوض لكونها في مأمن من تحمّل العواقب.
· رفع قدرة طهران على القيام بعمليات تضليلية (Covert Operations) مع ما يمكن أن تتضمن إمكانية تمرير المكوّنات النووية إلى جهات طائفية معينة أو مجموعات سياسية تابعة لها أو خاضعة لنفوذها تدفعها للقيام بهجوم نووي مفاجئ مجهول المصدر وتتمكّن إيران فيه من التهرّب من المسؤولية ومن إمكانية تعرّضها لأي رد نووي مدمّر على أساس أنّها لم تقم بأي هجوم نووي مباشر ولا تعرف من قام بذلك.
3- برنامج الفضاء الإيراني: قامت إيران في الثاني من شهر مارس 2009 بوضع أول قمر صناعي لها في الفضاء متزامناً مع الذكرى الثلاثين للثورة. وحمل الصار












































