مكان النشر: مركز الخليج للأبحاث/ مجلة آراء حول الخليج
تاريخ النشر: عدد تشرين أول 2008
بقلم: علي حسين باكير

استغلت دول مجلس التعاون الخليجي الصعود التركي الإقليمي الواضح المعالم، وسجّلت في 3/9/2008 حدثا تاريخيا تمثّل في توقيع مذكرة تفاهم مع الجانب التركي تمهّد لعلاقات استراتيجية خليجية-تركية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الأمنية والعسكرية، وذلك أثناء اجتماع وزارة خارجية الدول المعنيّة في مدينة جدّة في المملكة العربية السعودية.
ويمكننا استشعار مدى أهمية هذه الاتفاقية لكونها تعدّ أوّل اتفاقية يعقدها مجلس التعاون الخليجي بهذا الشكل منفردا مع دولة أخرى بعينها، فهو لم يسبق له أن فعل ذلك حتى تاريخ توقيع هذه الاتفاقية، ولا شك انّ لهذا المعطى دلالاته كما سيظهر لاحقا، خاصّة أنّها تأتي في ظل الظروف الحرجة التي تشهدها منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.
وعلى الرغم من انّ الطرفين قد المحا الى انّ هذه الاتفاقية ليست موجهة ضدّ أحد معيّن، الاّ أنّنا نلاحظ انها جاءت اثر تصاعد حدّة المناوشات الايرانية-الخليجية نتيجة لإصرار إيران على احتلال الجزر الثلاث العربية ، ورفضها لكل مبادرات الحل السلمية التي تمّ طرحها من قبل العرب في هذا الشأن.
v صعود تركيا الجيو-استراتيجي اقليميا
على الصعيد السياسي، وفي الوقت الذي تتزاحم فيه القوى الإقليمية على حجز مكان لها في الخريطة الجيو-استرايتجية التي نشأت بعد انهيار البوابة الشرقية للعالم العربي اثر احتلال العراق، ومن قبله إقصاء النظام الأفغاني "الطالباني"، تظهر تركيا كلاعب أساسي ورئيسي يمتلك خطوط الاتصال والتواصل مع جميع الفاعلين المؤثرين بحيث تطمح إلى أن ترسّخ مكانتها المميزة في المنطقة استنادا إلى ثقلها الذاتي من جهة والى حاجة الآخرين إلى التواصل وإيجاد الحلول والمخرجات في ظل الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تعصف بالمنطقة ككل من جهة اخرى.
امّا على الصعيد الاقتصادي، فكثير منّا لا يعلم انّ الاقتصاد التركي وبعد انّ شارف على الانهيار في التسعينيات أصبح في السنوات القليلة الماضية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية الاقتصاد الأكبر إسلاميا، محتلا المركز الـ15 عالميا، علما أنّ تركيا دولة غير منتجة للنفط بل ويشكّل الأخير عبئا كبيرا عليها لاسيما في ظل الارتفاع الهائل لأسعاره، حيث يبلغ حجم واردتها النفطية حوالي 20 مليار دولار وهو ما يوازي حجم عائدتها السياحية لعام 2006.
اظهر الاقتصاد التركي انّ الاعتماد على العلم والعمل أي المعرفة والتصنيع قادر على تحقيق المعجزات. فرغم الأزمات الشديدة التي شهدها هذا الاقتصاد والتي كانت تهدد بانهياره، استطاع الخروج من محنته بل وتحقيق أرقام قياسية في كافة المجالات معتمدا على عدد من الإجراءات والإصلاحات الهيكلية التي جعلته يتفوق على كل الاقتصاديات الإسلامية الريعية بمعظمها، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي وفقا للأرقام الرسمية، 663 مليار دولار أو ما يوازي 887 مليار دولار إذا ما قيس بالنسبة للقوة الشرائية، وتبلغ الصادرات التركية التي يغلب عليها الطابع الصناعي لوحدها حوالي 107 مليار دولار فيما يبلغ معدّل دخل الفرد السنوي ما بين 9 و 10 آلاف دولار، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار انّ عدد سكّان تركيا يتجاوز الـ 70 مليون.
v التعاون التركي- الخليجي سياسيا
من الملاحظ في هذا الاطار انّ فرص التعاون السياسي الثنائي غير محدودة بالنسبة للجانبين، خاصّة في ظل شبكة العلاقات التي تمتلكها تركيا والتي تصلها مع جميع الفاعلين الدوليين دون استثناء، لكن يبقى الأهم في الموضوع السياسي يتبلور حول نقطتين:
1- تحقيق توازن إقليمي مع إيران: فموقع تركيا وحجمها وعدد سكّانها وقوّتها العسكرية مشابه جدا لما تمتلكه إيران، وهو ما يؤهلها لان تلعب على الصعيد السياسي دورا مهما في تحقيق توازن جيو-استراتيجي معها خاصّة انّها بدأت تثير المشاكل للدول العربية منذ سقوط العراق، وذلك على مستويات عدّة منها الإصرار على احتلال أراضي عربية، ومنها التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وإثارة الفتن والنعرات الطائفية، وتقسيم المجتمعات العربية واختراقها ماليا وثقافيا، إضافة إلى التهديد الذي يمثّله البرنامج النووي الإيراني على الخليج العربي إن كان من الناحية البيئية أو من ناحية السلامة أو من ناحية الإخلال بالتوازن العسكري في المنطقة وإمكانية اندلاع حرب إقليمية جديدة بين إيران وأمريكا أو إيران وإسرائيل تكون الدول العربية ساحة لها.
امام هذه التحديات الجسام، سيكون من الطبيعي لدول المجلس ان تفتح بوابة التواصل الاستراتيجي مع تركيا التي تشهد منذ وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة صعودا جيو-سياسيا منسجما مع طبيعة المنطقة وارثها التاريخي وبعيدا عن الحساسيات، في الوقت الذي لا تفرض فيه تركيا نفسها بالقوة على المنطقة، وتقدّم في نفس الوقت نموذجا مغايرا عن النموذج الصدامي، الانتهازي الابتزازي الذي تقدّمه إيران، متفاعلة مع المحيط العربي (سواءا في الخليج العربي أو الشام) ومبتعدة عن ما من شأنه أن يثير الحزازيات، كأن تقدّم نفسها ممثلا مذهبيا أو عنصرا متفوقا تاريخيا أو قوميا أو عبر فرض نفسها كقائد ميداني.
وهي سبق وان مهدّت لكل ذلك بإبداء حسن النيّة من خلال إنهاء جميع المشاكل الحدودية الكبرى التي كانت عالقة بينها وبين العرب خصوصا سوريا والعراق، ومن ثمّ عرضت رؤيتها الإقليمية واستعدادها الانفتاح على الجميع وتقديم المساعدة الممكنة عبر زيارات مكوكية ثنائية شملت الجانبين العربي (مصر، سوريا، العراق، الأردن، السعودية، قطر، البحرين) والتركي. لذلك يمكن الاعتماد على تركيا التي كانت تاريخيا حاميّة لتخوم البلاد الاسلاميّة وبالتالي يمكنها أن تعيد تقديم نفسها هذه المرّة من باب الاعتدال الإسلامي الذي يقي من شر النفوذ الإيراني.
2- حل المشاكل والأزمات الاقليمية: ويمكن لدول المجلس الاعتماد على تركيا في هذا السياق، خاصّة انّ صعودها إقليميا لم يأت نتيجة صفقات أو مساومات أو ابتزاز، كما لم يأت على حساب أحد، وهي وان كانت قادرة على استغلال حاجة أمريكا و حلف شمال الأطلسي إليها خاصة سابقا أثناء حرب أفغانستان والعراق، أو لاحقا، إلاّ أنّها لم تفعل، على عكس اللاعب الإيراني الذي من المؤكد انّه سيسعى الى عقد صفقة على حاب هذه الدول في حال تمّ تأمين مصالحه الخاصة مع أمريكا او اسرائيل.
ومن هذا المنطلق، فان علاقات تركيا مع جميع الفاعلين المحليين، الإقليميين والعالميين سيكون مفيدا جدا لدول المجلس، وقد شهدنا وما زلنا نشهد تفاعلات هذا الدور في اكثر من بلد سواء عبر الوساطة التي تقوم بها في المفاوضات بين سوريا واسرائيل، او عبر الوساطة التي سبق واقترحتها بشان لبنان، او تلك المتعلقة بالشأن الفلسطيني، او حتى بخصوص الأزمة النووية الإيرانية.
v التعاون التركي- الخليجي اقتصاديا
وفي هذا الإطار يبدو أنّ فرص تعزيز التعاون الاقتصادي كبيرة على أكثر من صعيد:
1- على الصعيد الاستثماري: بلغ حجم الاستمارات الأجنبية المباشرة في تركيا للعام 2007 حوالي 22 مليار دولار بعدما صعدت بشكل دراماتيكي بعد استلام حزب العدالة والتنمية الحكم وذلك من 1.1 مليار دولار العام 2002 الى 10 مليار دولار العام 2005، تبعه ارتفاع عدد الشركات الأجنبية المشاركة م
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ